شوقي وقصيدة (رمضان ولَّى هاتها يا ساقي) ومعارضاتها
شكل أمير الشعراء المرحوم أحمد شوقي في عصره النابض بالأدب والشعر والفكر , ظاهرة توقفت عندها أقلام النقاد , وعقول المفكرين كثيرا ..
فقد كان رحمه الله أسطورة في الشاعرية , وموهبة متفردة في قرض الشعر .. وخلف تراثا شعريا زاخرا بكل ممتع ومفيد , تمثل في ديوانه الكبير (الشوقيات)
وتتمة الديوان التي نشرت بعد وفاته بعقود تحت عنوان (الشوقيات المجهولة) , و(دول العرب وعظماء الإسلام) وهو مجموعة أراجيز تبحث في تاريخ الإسلام وعظمائه منذ عهد النبوة إلى عهد الفاطميين ,
ومسرحياته الشعرية والنثرية , وكاتبه النثري (أسواق الذهب).
و(أمير الشعراء) لقب بايعه عليه شعراء الأمة العربية في مهرجان كبير أقيم لتكريمه في العام 1927م , وحصل عليه عن جدارة واستحقاق
ولعل من المفيد الإشارة هنا إلى رأي الأديب الأريب المرحوم الشيخ علي الطنطاوي في شوقي فقد سئل رحمه الله : أيهما أفضل : شوقي أم حافظ ؟
فأجاب ـ بما معناه ـ أنه لا مقارنة بينهما , فشوقي يفوق حافظا بمراحل , ولو صح تصنيف الشعراء في طبقات لكان شوقي وحده يتربع على عرش الطبقة الأولى
ولكانت الطبقتان الثانية والثالثة فارغتين لعدم وجود من يستحق أن يصنّف فيهما , ثم يجيء حافظ إبراهيم في الطبقة الرابعة !! وهو رأي وإن بدا متطرفا بعض الشيء
إلا أنه ـ حسب رأيي ـ ليس ببعيد عن الحقيقة , فشوقي متفرّد في مقدرته الشاعرية في عصره , ولو صح لي تصنيف شعراء العربية في جميع العصور , لجعلته في الطبقة الأولى
إلى جوار كل من المتنبي وابن الرومي وأبي نواس وجرير وامرئ القيس .. وهو بلا شك أحد أفضل عشرة شعراء في تاريخ العرب .
ولعل أكثر ما شغل الناس في شخصية شوقي منذ أيامه وحتى هذا اليوم هو مايراه البعض من تناقض في شخصيته , بل إن بعضهم زعم أن لديه ازدواجا في الشخصية ..
ولعل قصيدته الشهيرة (رمضان ولى هاتها يا ساقي) التي شغلت الناس , كانت ومازالت المجال الأرحب لظهور الاختلاف بينهم حول شخصيته
فقد عدها كثيرون سقطة وعثرة منه , ورأوا أن ما ورد فيها وصفٌ لا يليق أن يصدر من مثله ، فالطاعة ليست بسجن، بل عبادة وأنس وحياة .
والقصيدة ـ حسب رأيهم ـ ليست موفقة في الحديث عن رمضان بالأسلوب الذي يظهر التخلص منه وكأنه كان قيدا ثقيلا وسجنا مريراً، والخروج ليس إلى المباح
من الطعام والشراب بل إلى الخمر المحرمة شرعا والموصوفة بأنها رجس من عمل الشيطان.
وقد غالى أحدهم في وصف شوقي فكتب :
" أحب أن أذكر الإخوة أن شوقي مجروح في دينه ، فليُحذَر" !
ورد عليه دكتور أحمد عادل قائلا :
(أكثر ما يحزن المرء أن يجد الاتهامات المطلقة والتجريحات العريضة في دين أحد الأشخاص، وأن ينظر أحدهم إلى شيء ويغض الطرف عن كثير من الأشياء. فأمير الشعراء أحمد شوقي هو الذي قال:
"ولد الهدى فالكائنات ضياء" وهو القائل في نهج البردة:
ورد عليه دكتور أحمد عادل قائلا :
(أكثر ما يحزن المرء أن يجد الاتهامات المطلقة والتجريحات العريضة في دين أحد الأشخاص، وأن ينظر أحدهم إلى شيء ويغض الطرف عن كثير من الأشياء. فأمير الشعراء أحمد شوقي هو الذي قال:
"ولد الهدى فالكائنات ضياء" وهو القائل في نهج البردة:
وَقـيـلَ كُـــلُّ نَـبِــيٍّ عِـنــدَ رُتـبَـتِـهِ
وَيا مُحَمَّدُ هَذا العَرشُ فَاِستَلِمِ
وَيا مُحَمَّدُ هَذا العَرشُ فَاِستَلِمِ
وهو القائل:
إلى عرفات الله يا خير زائر
عليك سلام الله في عرفـات
ليتنا نقرأ شعر شوقي بصدر مفتوح وقلب منير وعقل واع، بدلا من تجريحه في دينه، ولو كان في دينه شك - عليه رحمة الله - ما قال هذا الكلام المعجز العظيم في حب الله ورسوله.
أما عن رمضان ولى هاتها يا ساقي، فلمن له دراية بعلوم العربية وأساليبها التهكمية، ولمن قرأ قوله تعالى: (فبشرهم بعذاب أليم) ، وقوله تعالى: (ذق إنك أنت العزيز الكريم) . من يقرأ ويعرف كل هذا يدرك أسلوب المفارقة اللفظية النابعة من التهكم، ومعالجة الأمور بضدها، فبضدها تتميز الأشياء، فشوقي
لا يريد المعنى المباشر الصريح الذي فهمه البعض، وإنما يقصد ما هو عكس ذلك تمامًا أن نتمسك بأخلاق رمضان فيما بعد رمضان؛ لأن هذا هو حالنا جميعا يطيع الله في رمضان ، ويحرص على العبادات والشعائر، أما إذا ما انتهى رمضان سعى في الأرض ليفسد فيها، وكأن ربَّ رمضان ليس هو رب سائر الشهور. فهذا هو الذي يريده شوقي، أن يستنفر الهمم، وأن يحض الناس على التمسك بما كانوا عليه في رمضان عن طريق استخدام أسلوب السخرية فجاء بالبيت على لسان من حاله يتنهز فرصة انتهاء رمضان لينعم باللذات.
أما عن رمضان ولى هاتها يا ساقي، فلمن له دراية بعلوم العربية وأساليبها التهكمية، ولمن قرأ قوله تعالى: (فبشرهم بعذاب أليم) ، وقوله تعالى: (ذق إنك أنت العزيز الكريم) . من يقرأ ويعرف كل هذا يدرك أسلوب المفارقة اللفظية النابعة من التهكم، ومعالجة الأمور بضدها، فبضدها تتميز الأشياء، فشوقي
لا يريد المعنى المباشر الصريح الذي فهمه البعض، وإنما يقصد ما هو عكس ذلك تمامًا أن نتمسك بأخلاق رمضان فيما بعد رمضان؛ لأن هذا هو حالنا جميعا يطيع الله في رمضان ، ويحرص على العبادات والشعائر، أما إذا ما انتهى رمضان سعى في الأرض ليفسد فيها، وكأن ربَّ رمضان ليس هو رب سائر الشهور. فهذا هو الذي يريده شوقي، أن يستنفر الهمم، وأن يحض الناس على التمسك بما كانوا عليه في رمضان عن طريق استخدام أسلوب السخرية فجاء بالبيت على لسان من حاله يتنهز فرصة انتهاء رمضان لينعم باللذات.
هذا هو شوقي رحمه الله غير المجروح في دينه، بل إن الحرام كل الحرام أن نجرح الناس في دينهم بلا بينة صريحة، بل الأكثر من ذلك: هب أن شوقيا أخطأ في هذا البيت على سبيل الجدل، فإنه لا يصح أبدا أن نحكم على عقيدته من خلاله داحضين أبياته بل قصائده الكاملة في حب الله ومدح رسوله صلى الله عليه وسلم
) .
قال روح التميمي :
وتوجيه الدكتور أحمد عادل هنا بأن غرض شوقي في القصيدة كان معالجة الأمور بضدها عن طريق التهكم , ضعيف
وليس في محله حسب تقديري , فواقع القصيدة ينفيه , ومحاولة الدكتور الدفاع عن شوقي بهذا التوجيه تدين الشاعر ولا تبرّئه
إذ ليس في القصيدة ما يدعم هذا الزعم .
والخمريات غرض شعري معروف في الأدب العربي , ولم يبتدعه شوقي حتى يلام عليه , أما المعاني التي أظهرت الاحتفاء
بانتهاء رمضان , والخروج من قيود الطاعة إلى ميادين العربدة والانطلاق , فهي المعبرة عن حال من طال بهم فراق الخمرة
من معاقريها ومدمني احتسائها , وما جاء في القصيدة ليس سوى لسان حال عبر عن مشاعر أولئك
والشعراء كما قال عنهم المولى عز وجل (يقولون ما لا يفعلون) , ولعل أفضل ما قيل في توجيه القصيدة ما ورد في موسوعة ويكيبيديا
التي جاء فيها أن ما ورد في هذه القصيدة :
"يؤكد الحس الفني والفهم لدور الفنان في التعبير عن العواطف بغض النظر عن "صحتها" أو "مناسبتها" لأذواق الآخرين من عدمه، وهذا من بوادر إبداع الشاعر في جعل شعره أداةً أدبية فنية، قبل كونه بوقاً لفكرة ونظام ما" .
"يؤكد الحس الفني والفهم لدور الفنان في التعبير عن العواطف بغض النظر عن "صحتها" أو "مناسبتها" لأذواق الآخرين من عدمه، وهذا من بوادر إبداع الشاعر في جعل شعره أداةً أدبية فنية، قبل كونه بوقاً لفكرة ونظام ما" .
وهذا هو الصواب حسب ما أرى , ومشكلة كثير من الناس أنهم لا يفصلون بين الفكر والفن , ويحاسبون الأديب شاعرا
كان أو ناثرا على ما يطرحه في نصوصه من أفكار خارجة عن نطاق الدين أو الخلق أو العرف
كان أو ناثرا على ما يطرحه في نصوصه من أفكار خارجة عن نطاق الدين أو الخلق أو العرف
ويرون أن إيرادها في النص دليل إدانة على اعتناقها إن كانت فكرة أو مما رستها إن كانت سلوكا , ويخلطون بين الحقيقة والخيال .
وأحمد شوقي شاعر متنوع الطرح , فقد دانت له المعاني , وفتحت له الأفكار رياضها ينتقي منها حيث يشاء .
وقصيدة (رمضان ولى) من أجمل القصائد تعبيرا , وأحلاها طرحا , ولا يعني التمتع بجمال تعبيرها الموافقة على أفكارها , فـ (أعذب الشعر أكذبه) كما قيل .
لقد كان شوقي ولا يزال مصنّفا ضمن الشعراء الإسلاميين الذين عبروا بكل إخلاص وولاء للعقيدة والدين
وهو من أكثر الشعراء اهتماما بقضايا الإسلام , وعبر عن محبته لنبي الهدى عليه الصلاة والسلام بعدد من القصائد الخالدة .
تابع
7
7
7
7
7




التعليق