المراثي المتسلسلة
(الرائيات)
لما توفي القاضي العلامة/ يحيى بن محمد الأرياني ـ رحمه الله في تاسع ذي الحجة من عام 1362هـ رثاه الشاعر الكبير والمناضل اليمني/ محمد بن محمود الزبيري بقصيدة يقول فيها:
شمسٌ طواها بليلِ العمر مقدور***ُ فالنورُ مفتقدٌ والصبحُ مقبورُ
وأقبل العيدُ أعمى غار ناظرُه ***ُ كأنما اللحدُ في عينيه محفورُ
يسعى ويعثرُ بالأكبادِ مضرمةً *** كأنها الجمرُ في مسعاه منثورُ
رأى الثرى أدمعاً حمراً فرقّ لهُ *** كأنما الأرضُ جرحٌ وهو دكتورُ
والموتُ يفتحُ أفواهَ القبور له *** على الطريقِ فيمشي وهو مذعورُ
يفترُّ
اً من قبح طلعته *** كما تبسَّم للأهوالِ سِكِّيرُ
اً من قبح طلعته *** كما تبسَّم للأهوالِ سِكِّيرُولى عمادُ الهدى يحيى تشيعه الدْ *** دُنيا بأدمعِها والعلمُ والنورُ
والشعبُ يُطرقُ حول النعش مرتئياً *** له إلى القبرِ تقديمٌ وتأخيرُ
مفكِّراً كيف يُلقى المجدُ في جدثٍ *** وكيف يُنبَذُ تحت الصخرِ نحريرُ
وكيف ينشبُ نابُ الموتِ في جبلٍ *** وكيف تعلق بالنجمِ الأظافيرُ
وكيف يُدفنُ رأسٌ ملؤه دررٌ *** ومهجةٌ روحها للأرضِ تطهيرُ
وكيف يهدأُ قلبٌ منه كان بهِ *** لدورةِ الدهرِ تبديلٌ وتغييرُ
هل للترابِ وميضٌ من نباهتِهِ *** فنقتنيهِ وهل للصخرِ تفكيرُ
وهل هو الأملُ المسجونُ في جدثٍ *** أم أنه البحر في الأكفان مسجورُ
وكيف يدفِنُ شعبٌ نفسَه وله *** فيما يزاوله رأيٌ وتدبيرُ
ساروا به يحملون النعش في جزعٍ *** كأنه السيف في الأعناق مشهورُ
كأنهم حملوا الإسلامَ في كفنٍ *** من المصاحفِ حاكته المقاديرُ
كأنه البحرُ يجري من مدامعنا *** رشاشه إذ طغت فيه الأعاصيرُ
كأنه جبلُ النورِ الذي ولدتْـ *** ـهُ الشِّمْرُ وانصدعت عنه الدياجيرُ
كأنه كوكبُ الحقِّ الذي انطبعتْ *** بوارق الوحي فيه والأساريرُ
كأنما هو مرآةٌ مسجَّلةٌ *** فيها النبوة والآياتُ والخِيرُ
كأنه مصحفُ الجيلِ الذي بعث التْـ *** ـتَاريخَ فاتحدت فيه التفاسيرُ
يا حاملين له غضوا نواظركم *** فربما اختطفتْه عنكم الحُورُ
عزوا البلادَ فقد فاضت حشاشتُها *** واندكَّ منحطماً في جرحها الطورُ
وضجَّ خاطرُها المشبوبُ في دمها *** وكاد يُنفَخُ في أعراقها الصورُ
والدمعُ يغلي بأجفانٍ مقرّحةٍ *** كأنه الجمرُ فارت عنه تنورُ
كأنه مِزقُ التامور هاربةً *** من أضلعٍ عصفت فيها الأعاصيرُ
كأنه نبعُ بركانٍ تفورُ بهِ *** زلازلُ الروح هزته المقاديرُ
والقلبُ يلتاعُ في الأحشاءِ مضطرباً *** كأنه أسدٌ في السجن مأسورُ
يذوبُ كرباً بقبرٍ من جوانحِهِ *** تموج فيه الدواهي والمحاذيرُ
غذّاه يحيى بشمس العلم فانطفأتْ *** واليوم جرّعه الأهوالَ ديجورُ
يحيى مصابُك هدَّ الشعبَ وانحطمتْ *** قواه وهو لعمري فيك معذورُ
علّمتَه الخلقَ الأسمى وكنتَ لهُ *** كمصحفٍ فيه تحذيرٌ وتبشيرُ
نزّهتَ كفك عن سحتٍ قد انغمستْ *** فيه الأكفُّ الأثيماتُ المشاهيرُ
يرون قطع يمين اللصِّ جائعةً *** وحظُّ أيديهمُ لثمٌ وتوقيرُ
ذنبُ الصّعاليكِ مخزاةٌ ومعصيةٌ *** وذنبهم فيه تهليلٌ وتكبيرُ
لا يُؤخذون بما غلوا وما اختلسوا *** كأنما العلم للإجرامِ تبريرُ
لله أنتَ طلبتَ المجدَ فاجتمعتْ *** أطرافه واستقاه منك تامورُ
وهام فيك هياماً لا هدوءَ لهُ *** كأنه فيك محصورٌ ومقصورُ
بنيتَ جنةَ عدنٍ بالعفافِ وقد *** تبني جهنمَ للناسِ الدنانيرُ
والعلم إن لم يُطهِّرْ قلبَ حاملِهِ *** من الهوى فهو تظليلٌ وتزويرُ
يا دهرُ ما للدواهي فيك شاخصةً *** يا ليتها العُمْيُ أو يا ليتَها العُورُ
مرَّتْ على هذه الدنيا بناظرها *** فلم يفتها من الآفاق قطميرُ
رقَّتْ لنا الحربُ لم تقلقْ مضاجعَنا *** فجاءنا أجلٌ في السلم مقدورُ
لا تتقيهِ حصونٌ في شواهقها *** ولا تقاومه البُسْلُ المساعيرُ
وليس تثنيه أظفارٌ مدرّبةٌ *** أو مدفعٌ في خدودِ الطفل منثورُ
مررتُ في معرك الآجالِ مرتجفاً *** كأنني من ذهول الرعبِ ممرورُ
مستسلماً للردى في قلبِ جحفلِهِ *** دمي حلالٌ وروحي فيه مهدورُ
تجهَّم الليلُ في وجهي وماطلني *** كأنني المتنبي وهو كافورُ
طالت بنا الأرضُ والساعاتُ واتصلتْ *** وضاع في أنملي عدٌّ وتقديرُ
وإنما الدهرُ أوراقٌ مزوّرةٌ *** كأنها ترّهاتٌ أو أساطيرُ
تجري على صفحةِ الدنيا هياكلُنا *** ورأيُنا فيه تزييفٌ وتغريرُ
يا راحلاً في يد الرحمن لا وقفتْ *** إلا وأنت بروح الخلدِ مغمورُ
عفنا الحياةَ وقد غادرتَ ساحتَها *** وكلنا واجمٌ للخطبِ موتورُ
أولادُك الغرُّ ها هم مثلما تركتْ *** عيناك طهرٌ مناجيبٌ مغاويرُ
لم ينقضِ الخطبُ عقداً من عزائمهم *** كالتِّبرِ يزدادُ سبكاً وهو مصهورُ
شعَّتْ ضمائرُهم في ليل محنتهم *** كما يضيءُ بحسنِ الصقلِ بلُّورُ .
يتـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــبع









التعليق