سلسلة مشاهداتي 4-20
الحلقة الرابعة /((مشاهداتي في المجازر النموذجية النظامية ))
أيها السادة / تحية عاطرة أزجيها لكم عبر مشاهدتي الرابعة تحت العنوان السالف ، وإن كان مجال مشاهدتي هذه لا مكان فيه لتبادل التحايا ،لأن طبيعتها قائمةٌ على إزهاق الأرواح ، ووأد المشاعر والأحاسيس، ومصادرة الرقة والوداعة والبراءة، في عصر يزعم منظروه أنه أميل إلى الرومنسية والهدوء حتى ولو كانت العالم شرقاً وغرباً يكتوي بنار الحروب والصراع والدموية بلا حسيبٍ ولا رقيب .
أستأذنكم أعزائي .. في العودة بكم قليلاً إلى الوراء ، يوم كنت صغيراً ، مرهف الحس ، رقيق المشاعر ، إلى درجةٍ لم أكن أحتمل معها أن أرى مصرع كبشٍ أو تيسٍ أو حتى دجاجةً تذبح أمامي ، بل أني كنت اهرب بعيداً إذا ما دعت حاجةٌُ في يوم عيدٍ لا بدّ أن تذبح فيه الأضاحي ، أو يوم قدوم ضيفٍ إلى منزلنا ولا بدّ له من ضيافةٍ ،إحدى طقوسها لا بدّ أن تكون ذبحاً وسلخاً ،وحتى لو كان هناك مناسبةٌ عائلية خاصةٌ تتطلب كذلك سدح وذبح وسلخ وجزر بعض الخراف ، وكبِرْتُ وكَبُرَتْ تلك المشاعر معي حتى ظننتني أحد رحماء الكون المعدودين ، الذين بلغت بهم رحمتهم وشفقتهم بالمخلوقات ألا يطيقوا مرأى قطرة دمٍ تسفح، أو روحٍ ولو بالحلال تزهق .
ومع تسابق الزمن، والتقدم التكنلوجي الرهيب، الذي أصبح كل شيءٍ فيه معتمداً على الكمبيوتر والأنظمة الآلية ، وعلى حسب ما قرأت لأحد الكتاب الغربيين حديثي العهد بالإسلام ، والذي كان يروي طرق التعامل مع الذبيحة بالنظام الكهربائي الكمبيوتري المتطور والذي لا يحتاج معه إلى تحديد سكين ولا شفرة ، ولا يخاف من أن يلوث الدم ساحات الدار ، ولا يجدون عناءً في السلخ ولا التصفية ، لأن ذلكم النظام الكمبيوتري قد كفاهم العناء كله – ولست هنا بصدد الحديث عن شرعية ذلك من عدمها بقدر ما أريد نقل الصورة فقط كما هي –
وبعد مرور أيامٍ ليست بالقليلة لم أكن أتوقع لشخصٍ بالغ الرقة ، ومفرط الحساسية ، ومرهف المشاعر ،وعميق الشفقة – مثلي – كان يندّ ويهرب من حالات ذبح تقليدية فرديةٍ ، أن يجد نفسه ذات يومٍ في ردهات مجزرةٍ نموذجيةٍ نظاميةٍ تتم تلك العملية فيها وفق آلية منتظمةٍ ، وتحت رقابةٍ شديدةٍ ، لا بدّ من التأكد معها من الإجهاز على الضحيّة ، وأنه لم يعد فيها عرقٌ بالحياة ينبض ، ولو تبقى هناك بعض الأوردة والشرايين التي تقاوم وتتشبث بالحياة عبثاً ، فلا بأس من استخدام بعض الطرق والوسائل التي تعجل بإزهاق الروح وعدم تعثرها .
الكارثة ! والكارثة بحقٍ ! أن أتفاجأ أن مثل هذه المجزرة لبني الإنسان ،أن من هنا آدميون ، أن من هم أمامي بشر ، وفي حقهم يفعل كل ما سبق وأكثر ، ويحي وويح حظي العاثر ما أشقاني وما أتعسني حيث لم ترمني الأقدار إلا هنا ، ولكن ماذا عساي أن أفعل ؟ إني لن أهرب اليوم مثلما كنت أفعل بالأمس ، وإن كان المشهد أكثر إيلاماً لي ،وأكبر بشاعةً من ذي قبل
ولكم أن تتخيلوا حالة أخيكم المرهف وهو يدافع عبرات عينيه وسط المعمعة هنا ، والتي يرجو لو أنه امتلك حيال حالات كثيرةٍ على حافة الهلاك أدنى سببٍ لإنقاذها وإطلاقها لتمارس حياتها الطبيعية كأي كائنٍ حيٍّ آخر .
أعزائي :هنا وهنا تحديداً من حيث أكتب لكم هذه المشاهدة حولي دموع تسكب ، وعبرات تقطر ، أمامي الآن ثكالى نائحات ، وآباءٍ وأمهاتٍ مغلوبون على أمرهم هذا فقد ابنه وهذا فقد أخاه ، وثالث فقد نفسه ، ورابع فقد أحد أعضائه ، أحدهم دخل إلى هذه الساحة سليماً إلا من بعض كدماتٍ بسيطةٍ إثر حادث تصادمٍ عابر فخرج من هنا مشلولاً ومعاقاً ،أحدهم دخل بمفرده غير محتاجٍ لأحدٍ كي يرافقه في هذه المعمعة ، فخرج بعدها وهو لا يستغني عن قائدين اثنين ليس واحداً ، وآخر دخل من هنا وأمله في حياةٍ مشرقةٍ باسمةٍ تنتظره عقب خروجه ، فكان أن حصل على ما أراد ، ولكنه الخروج النهائي من هذه الحياة إلى الحياة الأخرى مخلفاً وراءه آماله العريضة ، وأمانيه الكثيرة ، هؤلاء وغيرهم سابعٌ وثامنٌ وعاشرٌ وعشرون ، ممن هم على شاكلتهم ممن علمهم الناس وربما أن ما لم نعلمه أو نطلع عليه أكثر وأكثر والله أعلم .
يخيل إليكم الساعة أني في إحدى ساحات المعارك وقد يكون ذهن أحدكم قد قفز به بعيداً وهنا يجب الاستدراك والعودة السريعة لأقول لكم :
أني لست في بغداد ولا بعقوبة ولا البصرة ، ولست في إقليم كشمير الجريح، ولا في غزة ولا رفح ولا قلقيليا ،- وليس تهويناً من شأنها – ولكن لأن لها أناسأً نذروا أنفسهم للحديث عنها ونقل أخبارها إلى العالم ودعاؤنا لهم بالتوفيق في رسالتهم وأن ينصر إخواننا في تلك البقاع ،
فرق ما بين ساحتي وساحتهم أنهم هم أمام مجازر واضحة للعين عمادها دبابة ومدفعٌ ورشاش ٌوطائرة وصاروخ وقنبلةٌ من شأنها أن تنسف الأجساد وتنثر الأشلاء ، أما أنا فساحتي التي أتواجد فيها يختلف فيها الوضع تماماً لأن الموت هنا يهدى وبكل هدوءٍ عبر حقنةٍ في وريد ،أو عبر محلول منتهي الصلاحية يوضع في مغذي ، أو عبر قطع التنفس عن الشخص لمدة خمس دقائق فقط ، أو ربما عبر نسيان قطعة شاشٍ أو مقصٍ أو سكين داخل أحشاء طفلة ، أو عبر وصف دواءٍ ليس لذات المرض الذي تم تشخيصه والذي من شأنه القضاء على جملٍ وليس على آدمي – على حد تعبير أحد الأطباء - هنا وفي وسط أحدث الأجهزة العصرية المتقدمة والمتطورة ،وفي جوٍ باردٍ قد يصل إلى مرحلة التجمد والذي لا أبرد منه إلا تلك الضمائر الغائبة التي تقوم على إدارة وتسيير مثل هذه المجزرة البشرية ، أقف معكم اليوم وأحدثكم أيها السادة وبكل حزنٍ وأسى من داخل أروقة( مستشفى الملك فهد المركزي بجازان ) وتحديداً من أمام غرفة العناية المركزة ، حيث خرجت للتوّ وقبل لحظاتٍ من هنا فتاةٌ تدعى ( بدريّة ) وقبلها بأيامٍ خرجت من نفس الغرفة فتاةٌ تدعى ( رزان ) وما بين بدرية ورزان خرج كثيرون ربما لم نعلم عنهم ،غير أن من لا تخفى عليه خافية ، والذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور قد علمهم وهو على الانتقام لهم قادرٌ ومقتدرٌ تعالى .
لقد خرجت الفتاتان من هذه الغرفة وليس إلى بيوت ذويهما كما كنا ننتظر ، ولكنهما خرجا بفعل فاعلٍ إثر ما سموه خطأً طبياً إلى الحياة الأخرى التي ندعو الله لهن أن تكون أوسع وأرحب وأرحم وأنقى لهن من هذه الحياة الدنيا ، وان يجعل عيش من كان السبب في وفاتهن إلى جحيم وضيقٍ ونكدٍ ومسغبةٍ ، وأن يجعل موته بنفس الطريقة التي أزهق فيها تلك الأرواح البريئة أيا كانت ، سواءً ممن تسبب مباشرةً في ذلك ،أو تستر أو داهن أو مرّر مثل هذه القضايا الخطيرة سواءً كان مسئولاً صغيراً أو كبيراً .
وتتزاحم الأسئلة والتساؤلات الآن بعيداً عن المجاملات والتطبيل والتصفيق والتصريحات الزائفة التي لم تعد تروق لنا كثيراً لنقول :
أولاً : إلى متى سنظل نسمع عما يسمى بــ " الأخطاء الطبية " غير المسئولة في مستشفياتنا الحكومية منها والأهلية الخاصة ، والتي كان لمستشفى الملك فهد المركزي بجازان نصيب الأسد منها ، والحظ الأكبر فيها ، حتى أنه أصبح مؤهلاً وبلا منافسٍ لكسب وسام أبلغ وأخلص لعنةٍ يمكن أن يوجهها له مظلومٌ حرم نعمة الصحة يوم جاء يفتش عنها في ردهاته ، بل ربما فقد الحياة بالكلية إثر خطأٍ طبي مزعوم جرى على يد طبيب متساهل مستهتر فاشل قدم بشهادةٍ ربما اشتراها بعددٍ من الجنيهات من أي رصيفٍ أو مكتب عقار .
ثانياً : سؤالٌ يتردد حتى على ألسنة العجائز اللائي لا يفقهن شيئاً وهو : من المسئول عن مثل تلك الأخطاء الطبية التي نسمع عنها بين الفينة والأخرى ؟ هل هو الطبيب المتسبب مباشرة في الخطأ ؟ أو أنه مدير المستشفى الراعي لمثل هذا الطبيب ؟ أو أنها وزارة الصحة يوم لم تعط مثل هؤلاء الأطباء رواتبهم ؟ أو يوم استقدمت أطباء غير أكفاء بأسعار زهيدةٍ متناسيةً ما هم مقدمين عليه من مهام مرتبطة بأرواح المسلمين في الدرجة الأولى ؟ أم أن المسئول هو المواطن الساذج المسكين الذي تمرر عليه مثل هذه الأمور وتهون عنده حتى تصل إلى مرحلة الطبعية ، حينما يخدع ببريق العبارات ، وبتلك الكلمات الطنانة الرنانة التي يجيد حبكها وسبكها كثيرٌ من المسئولين في الصحة ، وحينما استغل المسئولون في الصحة تلك السذاجة حينما علموا أننا "شعوب رومنسية الكلمة الطيبة تأخذنا والكلمة النابية تستفزنا" – على حد قول الرئيس اليمني متحدثاً عن طبيعة الشعوب العربية- ويتكرر السؤال يتبعه السؤال من المسئول يا وزارة الصحة ؟ ومن المسئول يا مديرية الشئون الصحية بجازان ؟وهل نرى الجواب عياناً بياناً على أرض الواقع ، لأننا قد سئمنا والله سماعكم وأنتم تتحدثون بما لم تطبقوه ، وبما لم تنجزوه ، يوم أن آتى الله تعالى بعضكم ألسنة فصيحةً تخذتموها ستاراً لكوارثكم المتكررة .
ثالثاً : إلى متى ستظل جازان أيها المسئولين مهمشةً على الرغم من كثير الوعود وكبيرها التي نسمعها كل يوم ؟ وإلى متى تظل وزارة الصحة-مأزورةً غير مشكورة - ترسل لنا حثالة الأطباء الذين أثبتوا فشلهم في المناطق الأخرى وكأننا لسنا بشراً مثل أولئك ، أو أننا أصبحنا حقول تجارب لا بد أن يعرّج كل مبتديءٍ أو فاشلٍ من عندنا لكي يسجل له موقفاً يظل التاريخ يلعنه عليه حيّاً وميتاً يوم لم يدرك خطورة مهنته تلك ؟
رابعاً : نداءٌ أخير يا لأهل جازان : أين أنتم يا أهل الفصاحة والبلاغة والبيان ؟ أين انتم يا بلد الألف شاعر عن مشاكل جازان وكوارثها ؟ إن أحجمتم أنتم وتراجعتم فممن تنتظرون الحديث والتكلم ؟ يكفيكم ما قد كان من التغني بجازان وحبها عبر قصائدكم التي لم تفد جازان شيئاً ، عالجوا مشاكلها بنقل الصورة واضحةً جليةً لولاة الأمر في هذا البلد ،فإن لكم ملكاً كريماً ، وشهماً هماماً ، عروبيٌ فذٌّ أصيل ، لا يظلم عنده أحد ، ولا يرفع له أحد شكايةً إلا أنصفه وأرجع الحق إلى نصابه ، فالله الله يافصحاء جازان : لا تكن فصاحتكم وبلاغتكم وصمة عارٍ في جبين كل واحدٍ منكم إذ لم يفد مجتمعه منها بشيءٍ ، غير التغني بكل رابيةٍ وتلّةٍ وشاطيءٍ وقمةٍ نحن أحوج ما نكون إلى اطّراح تلك المشاعر قليلاً لنعالج جراحنا ، ونضع أيدينا على مكامن الخلل ولو لفترةٍ وجيزةٍ ، نبريء بها ذممنا ،ونعذر إلى خالقنا ،ونزكي أشعارنا وكلماتنا، بشيءٍ من معايشة الواقع ووصفه .
أخيراً : أجدني مضطراً أيها السادة أن أكبح جماح قلمي هذه اللحظة ، وأعلن التوقف ، لأقول :
رحمك الله يا (بدرية الصفحي ) وأسكنك فسيح جناته ، وألهم أهلك وذويك الصبر والسلوان ، وقطع الله آمال وأوصال من قطعوا عنك الأكسجين لخمس دقائق ، مدى حياتهم ، ولقّاك بأهلك في الجنة في مقعد صدقٍ عند مليك مقتدر ، ورحمك الله يا (رزان ) ، وكل من علمناه ومن قد علمه الباري ولم نعلمه ممن قضى بمثل ما قضيتن به .
*
*
*
وإلى مشاهدةٍ قادمةٍ – بإذن الله –
الصارخ
الحلقة الرابعة /((مشاهداتي في المجازر النموذجية النظامية ))
أيها السادة / تحية عاطرة أزجيها لكم عبر مشاهدتي الرابعة تحت العنوان السالف ، وإن كان مجال مشاهدتي هذه لا مكان فيه لتبادل التحايا ،لأن طبيعتها قائمةٌ على إزهاق الأرواح ، ووأد المشاعر والأحاسيس، ومصادرة الرقة والوداعة والبراءة، في عصر يزعم منظروه أنه أميل إلى الرومنسية والهدوء حتى ولو كانت العالم شرقاً وغرباً يكتوي بنار الحروب والصراع والدموية بلا حسيبٍ ولا رقيب .
أستأذنكم أعزائي .. في العودة بكم قليلاً إلى الوراء ، يوم كنت صغيراً ، مرهف الحس ، رقيق المشاعر ، إلى درجةٍ لم أكن أحتمل معها أن أرى مصرع كبشٍ أو تيسٍ أو حتى دجاجةً تذبح أمامي ، بل أني كنت اهرب بعيداً إذا ما دعت حاجةٌُ في يوم عيدٍ لا بدّ أن تذبح فيه الأضاحي ، أو يوم قدوم ضيفٍ إلى منزلنا ولا بدّ له من ضيافةٍ ،إحدى طقوسها لا بدّ أن تكون ذبحاً وسلخاً ،وحتى لو كان هناك مناسبةٌ عائلية خاصةٌ تتطلب كذلك سدح وذبح وسلخ وجزر بعض الخراف ، وكبِرْتُ وكَبُرَتْ تلك المشاعر معي حتى ظننتني أحد رحماء الكون المعدودين ، الذين بلغت بهم رحمتهم وشفقتهم بالمخلوقات ألا يطيقوا مرأى قطرة دمٍ تسفح، أو روحٍ ولو بالحلال تزهق .
ومع تسابق الزمن، والتقدم التكنلوجي الرهيب، الذي أصبح كل شيءٍ فيه معتمداً على الكمبيوتر والأنظمة الآلية ، وعلى حسب ما قرأت لأحد الكتاب الغربيين حديثي العهد بالإسلام ، والذي كان يروي طرق التعامل مع الذبيحة بالنظام الكهربائي الكمبيوتري المتطور والذي لا يحتاج معه إلى تحديد سكين ولا شفرة ، ولا يخاف من أن يلوث الدم ساحات الدار ، ولا يجدون عناءً في السلخ ولا التصفية ، لأن ذلكم النظام الكمبيوتري قد كفاهم العناء كله – ولست هنا بصدد الحديث عن شرعية ذلك من عدمها بقدر ما أريد نقل الصورة فقط كما هي –
وبعد مرور أيامٍ ليست بالقليلة لم أكن أتوقع لشخصٍ بالغ الرقة ، ومفرط الحساسية ، ومرهف المشاعر ،وعميق الشفقة – مثلي – كان يندّ ويهرب من حالات ذبح تقليدية فرديةٍ ، أن يجد نفسه ذات يومٍ في ردهات مجزرةٍ نموذجيةٍ نظاميةٍ تتم تلك العملية فيها وفق آلية منتظمةٍ ، وتحت رقابةٍ شديدةٍ ، لا بدّ من التأكد معها من الإجهاز على الضحيّة ، وأنه لم يعد فيها عرقٌ بالحياة ينبض ، ولو تبقى هناك بعض الأوردة والشرايين التي تقاوم وتتشبث بالحياة عبثاً ، فلا بأس من استخدام بعض الطرق والوسائل التي تعجل بإزهاق الروح وعدم تعثرها .
الكارثة ! والكارثة بحقٍ ! أن أتفاجأ أن مثل هذه المجزرة لبني الإنسان ،أن من هنا آدميون ، أن من هم أمامي بشر ، وفي حقهم يفعل كل ما سبق وأكثر ، ويحي وويح حظي العاثر ما أشقاني وما أتعسني حيث لم ترمني الأقدار إلا هنا ، ولكن ماذا عساي أن أفعل ؟ إني لن أهرب اليوم مثلما كنت أفعل بالأمس ، وإن كان المشهد أكثر إيلاماً لي ،وأكبر بشاعةً من ذي قبل
ولكم أن تتخيلوا حالة أخيكم المرهف وهو يدافع عبرات عينيه وسط المعمعة هنا ، والتي يرجو لو أنه امتلك حيال حالات كثيرةٍ على حافة الهلاك أدنى سببٍ لإنقاذها وإطلاقها لتمارس حياتها الطبيعية كأي كائنٍ حيٍّ آخر .
أعزائي :هنا وهنا تحديداً من حيث أكتب لكم هذه المشاهدة حولي دموع تسكب ، وعبرات تقطر ، أمامي الآن ثكالى نائحات ، وآباءٍ وأمهاتٍ مغلوبون على أمرهم هذا فقد ابنه وهذا فقد أخاه ، وثالث فقد نفسه ، ورابع فقد أحد أعضائه ، أحدهم دخل إلى هذه الساحة سليماً إلا من بعض كدماتٍ بسيطةٍ إثر حادث تصادمٍ عابر فخرج من هنا مشلولاً ومعاقاً ،أحدهم دخل بمفرده غير محتاجٍ لأحدٍ كي يرافقه في هذه المعمعة ، فخرج بعدها وهو لا يستغني عن قائدين اثنين ليس واحداً ، وآخر دخل من هنا وأمله في حياةٍ مشرقةٍ باسمةٍ تنتظره عقب خروجه ، فكان أن حصل على ما أراد ، ولكنه الخروج النهائي من هذه الحياة إلى الحياة الأخرى مخلفاً وراءه آماله العريضة ، وأمانيه الكثيرة ، هؤلاء وغيرهم سابعٌ وثامنٌ وعاشرٌ وعشرون ، ممن هم على شاكلتهم ممن علمهم الناس وربما أن ما لم نعلمه أو نطلع عليه أكثر وأكثر والله أعلم .
يخيل إليكم الساعة أني في إحدى ساحات المعارك وقد يكون ذهن أحدكم قد قفز به بعيداً وهنا يجب الاستدراك والعودة السريعة لأقول لكم :
أني لست في بغداد ولا بعقوبة ولا البصرة ، ولست في إقليم كشمير الجريح، ولا في غزة ولا رفح ولا قلقيليا ،- وليس تهويناً من شأنها – ولكن لأن لها أناسأً نذروا أنفسهم للحديث عنها ونقل أخبارها إلى العالم ودعاؤنا لهم بالتوفيق في رسالتهم وأن ينصر إخواننا في تلك البقاع ،
فرق ما بين ساحتي وساحتهم أنهم هم أمام مجازر واضحة للعين عمادها دبابة ومدفعٌ ورشاش ٌوطائرة وصاروخ وقنبلةٌ من شأنها أن تنسف الأجساد وتنثر الأشلاء ، أما أنا فساحتي التي أتواجد فيها يختلف فيها الوضع تماماً لأن الموت هنا يهدى وبكل هدوءٍ عبر حقنةٍ في وريد ،أو عبر محلول منتهي الصلاحية يوضع في مغذي ، أو عبر قطع التنفس عن الشخص لمدة خمس دقائق فقط ، أو ربما عبر نسيان قطعة شاشٍ أو مقصٍ أو سكين داخل أحشاء طفلة ، أو عبر وصف دواءٍ ليس لذات المرض الذي تم تشخيصه والذي من شأنه القضاء على جملٍ وليس على آدمي – على حد تعبير أحد الأطباء - هنا وفي وسط أحدث الأجهزة العصرية المتقدمة والمتطورة ،وفي جوٍ باردٍ قد يصل إلى مرحلة التجمد والذي لا أبرد منه إلا تلك الضمائر الغائبة التي تقوم على إدارة وتسيير مثل هذه المجزرة البشرية ، أقف معكم اليوم وأحدثكم أيها السادة وبكل حزنٍ وأسى من داخل أروقة( مستشفى الملك فهد المركزي بجازان ) وتحديداً من أمام غرفة العناية المركزة ، حيث خرجت للتوّ وقبل لحظاتٍ من هنا فتاةٌ تدعى ( بدريّة ) وقبلها بأيامٍ خرجت من نفس الغرفة فتاةٌ تدعى ( رزان ) وما بين بدرية ورزان خرج كثيرون ربما لم نعلم عنهم ،غير أن من لا تخفى عليه خافية ، والذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور قد علمهم وهو على الانتقام لهم قادرٌ ومقتدرٌ تعالى .
لقد خرجت الفتاتان من هذه الغرفة وليس إلى بيوت ذويهما كما كنا ننتظر ، ولكنهما خرجا بفعل فاعلٍ إثر ما سموه خطأً طبياً إلى الحياة الأخرى التي ندعو الله لهن أن تكون أوسع وأرحب وأرحم وأنقى لهن من هذه الحياة الدنيا ، وان يجعل عيش من كان السبب في وفاتهن إلى جحيم وضيقٍ ونكدٍ ومسغبةٍ ، وأن يجعل موته بنفس الطريقة التي أزهق فيها تلك الأرواح البريئة أيا كانت ، سواءً ممن تسبب مباشرةً في ذلك ،أو تستر أو داهن أو مرّر مثل هذه القضايا الخطيرة سواءً كان مسئولاً صغيراً أو كبيراً .
وتتزاحم الأسئلة والتساؤلات الآن بعيداً عن المجاملات والتطبيل والتصفيق والتصريحات الزائفة التي لم تعد تروق لنا كثيراً لنقول :
أولاً : إلى متى سنظل نسمع عما يسمى بــ " الأخطاء الطبية " غير المسئولة في مستشفياتنا الحكومية منها والأهلية الخاصة ، والتي كان لمستشفى الملك فهد المركزي بجازان نصيب الأسد منها ، والحظ الأكبر فيها ، حتى أنه أصبح مؤهلاً وبلا منافسٍ لكسب وسام أبلغ وأخلص لعنةٍ يمكن أن يوجهها له مظلومٌ حرم نعمة الصحة يوم جاء يفتش عنها في ردهاته ، بل ربما فقد الحياة بالكلية إثر خطأٍ طبي مزعوم جرى على يد طبيب متساهل مستهتر فاشل قدم بشهادةٍ ربما اشتراها بعددٍ من الجنيهات من أي رصيفٍ أو مكتب عقار .
ثانياً : سؤالٌ يتردد حتى على ألسنة العجائز اللائي لا يفقهن شيئاً وهو : من المسئول عن مثل تلك الأخطاء الطبية التي نسمع عنها بين الفينة والأخرى ؟ هل هو الطبيب المتسبب مباشرة في الخطأ ؟ أو أنه مدير المستشفى الراعي لمثل هذا الطبيب ؟ أو أنها وزارة الصحة يوم لم تعط مثل هؤلاء الأطباء رواتبهم ؟ أو يوم استقدمت أطباء غير أكفاء بأسعار زهيدةٍ متناسيةً ما هم مقدمين عليه من مهام مرتبطة بأرواح المسلمين في الدرجة الأولى ؟ أم أن المسئول هو المواطن الساذج المسكين الذي تمرر عليه مثل هذه الأمور وتهون عنده حتى تصل إلى مرحلة الطبعية ، حينما يخدع ببريق العبارات ، وبتلك الكلمات الطنانة الرنانة التي يجيد حبكها وسبكها كثيرٌ من المسئولين في الصحة ، وحينما استغل المسئولون في الصحة تلك السذاجة حينما علموا أننا "شعوب رومنسية الكلمة الطيبة تأخذنا والكلمة النابية تستفزنا" – على حد قول الرئيس اليمني متحدثاً عن طبيعة الشعوب العربية- ويتكرر السؤال يتبعه السؤال من المسئول يا وزارة الصحة ؟ ومن المسئول يا مديرية الشئون الصحية بجازان ؟وهل نرى الجواب عياناً بياناً على أرض الواقع ، لأننا قد سئمنا والله سماعكم وأنتم تتحدثون بما لم تطبقوه ، وبما لم تنجزوه ، يوم أن آتى الله تعالى بعضكم ألسنة فصيحةً تخذتموها ستاراً لكوارثكم المتكررة .
ثالثاً : إلى متى ستظل جازان أيها المسئولين مهمشةً على الرغم من كثير الوعود وكبيرها التي نسمعها كل يوم ؟ وإلى متى تظل وزارة الصحة-مأزورةً غير مشكورة - ترسل لنا حثالة الأطباء الذين أثبتوا فشلهم في المناطق الأخرى وكأننا لسنا بشراً مثل أولئك ، أو أننا أصبحنا حقول تجارب لا بد أن يعرّج كل مبتديءٍ أو فاشلٍ من عندنا لكي يسجل له موقفاً يظل التاريخ يلعنه عليه حيّاً وميتاً يوم لم يدرك خطورة مهنته تلك ؟
رابعاً : نداءٌ أخير يا لأهل جازان : أين أنتم يا أهل الفصاحة والبلاغة والبيان ؟ أين انتم يا بلد الألف شاعر عن مشاكل جازان وكوارثها ؟ إن أحجمتم أنتم وتراجعتم فممن تنتظرون الحديث والتكلم ؟ يكفيكم ما قد كان من التغني بجازان وحبها عبر قصائدكم التي لم تفد جازان شيئاً ، عالجوا مشاكلها بنقل الصورة واضحةً جليةً لولاة الأمر في هذا البلد ،فإن لكم ملكاً كريماً ، وشهماً هماماً ، عروبيٌ فذٌّ أصيل ، لا يظلم عنده أحد ، ولا يرفع له أحد شكايةً إلا أنصفه وأرجع الحق إلى نصابه ، فالله الله يافصحاء جازان : لا تكن فصاحتكم وبلاغتكم وصمة عارٍ في جبين كل واحدٍ منكم إذ لم يفد مجتمعه منها بشيءٍ ، غير التغني بكل رابيةٍ وتلّةٍ وشاطيءٍ وقمةٍ نحن أحوج ما نكون إلى اطّراح تلك المشاعر قليلاً لنعالج جراحنا ، ونضع أيدينا على مكامن الخلل ولو لفترةٍ وجيزةٍ ، نبريء بها ذممنا ،ونعذر إلى خالقنا ،ونزكي أشعارنا وكلماتنا، بشيءٍ من معايشة الواقع ووصفه .
أخيراً : أجدني مضطراً أيها السادة أن أكبح جماح قلمي هذه اللحظة ، وأعلن التوقف ، لأقول :
رحمك الله يا (بدرية الصفحي ) وأسكنك فسيح جناته ، وألهم أهلك وذويك الصبر والسلوان ، وقطع الله آمال وأوصال من قطعوا عنك الأكسجين لخمس دقائق ، مدى حياتهم ، ولقّاك بأهلك في الجنة في مقعد صدقٍ عند مليك مقتدر ، ورحمك الله يا (رزان ) ، وكل من علمناه ومن قد علمه الباري ولم نعلمه ممن قضى بمثل ما قضيتن به .
*
*
*
وإلى مشاهدةٍ قادمةٍ – بإذن الله –
الصارخ








التعليق