"الوطن" ترصد قوافل المتسللين عبر جازان صوب عسير وجدة ومكة والطائف والرياض
جازان: عبدالله البارقي، خالد جعوني
لا تقتصر خطورة التسلل إلى الأراضي السعودية عبر منطقة جازان، على وجود مخالفين يقصدون البلاد لإيجاد فرص عمل يتربحون من خلالها فقط، ولكنها تتعدى ذلك، حيث يلجأ معظم المتسللون إلى وسائل غير شرعية وضارة بالمجتمع للتكسب، أقلها خطورة التسول وبيع السلع غير المطابقة للاشتراطات الصحية في الإشارات والأسواق وغيرها، وأخطرها الاتجار في المخدرات والقات والسلاح، بالإضافة إلى ارتكاب جرائم السرقة والقتل والنهب في أماكن كثيرة من المملكة.المتسللون وجرائمهم بالأرقام
ويتزايد الشعور بخطورة هؤلاء المتسللين إلى البلاد في ظل الأعداد الكبيرة والتي تحولت من حالات فردية إلى قوافل جماعية يتم ضبطها كل يوم، والتي كشفت عنها أرقام شرطة منطقة جازان، حيث تشير إلى أن أعداد المتسللين الذين يلقى القبض عليهم يومياً في جازان وحدها يزيد على 1000 متسلل، ويتضاعف هذا العدد في المواسم والأعياد.
وبالطبع لا يتضمن هذا العدد من لم يقبض عليهم وتمكنوا من التسلل إلى عمق البلاد ومناطقها المختلفة، عبر الجبال الشاهقة والأودية البعيدة التي يسلكونها سيراً على الأقدام ومن ثم الركوب ضمن قوافل "الحمير" بعيداً عن أعين رجال حرس الحدود. ليصلوا في النهاية إلى القرى السعودية المحاذية للحدود حيث يجدون في استقبالهم بعض ضعاف النفوس مما يسهل إخفاءهم ونقلهم بما معهم من مهربات.
كما كشفت أرقام شرطة جازان عن ترحيل 607585 متسللا ومخالفا في عام ونصف بالإضافة إلى 461 مطلوباً في قضايا أمنية تم القبض عليهم في نفس المدة.
أما الأكثر خطورة فهي كميات القات المضبوطة التي قدرت بـ 147.975.429 كيلوجرام قات و2766.163 كيلوجرام حشيش، وتمثل هذه الأرقام جزءا بسيطا من فاتورة التسلل غير الشرعي عبر الحدود.
إزعاج للشرطة والمواطنين
ولم تعد ظاهرة التسلل تمثل إزعاجا للأجهزة الأمنية فقط، رغم ما تبذله من جهود لمنعها، بل امتدت إلى مواطني جازان أنفسهم، الذين باتوا قلقين - حسب قولهم - نتيجة انتشار المخالفين في العديد من الأماكن بالمنطقة.
وأوضح مدير شرطة منطقة جازان بالنيابة اللواء أحمد غرم الله القزاز لـ"الوطن" أن الشرطة قامت ببرنامج يومي يطبق منذ عامين ونصف العام، يتضمن تشكيل قوة من الإداريين والبحث الجنائي وقوة المهمات والواجبات لمتابعة المجهولين والمخالفين لنظام الإقامة في كل محافظة من محافظات المنطقة يومياً وقال إنه يتم القبض على أعداد تتراوح بين 500 إلى 1000 مجهول يومياً هذا بالنسبة للحملة أما من يتم القبض عليهم من قبل مراكز الشرطة في كل محافظة ومركز فيتراوح عددهم ما بين 50 إلى 100 يومياً، مبيناً أنه يتم القبض على المجهولين المخالفين لنظام الإقامة الذين يتواجدون في محلات بيع الخضار والأطفال المتسولين والباعة عند الإشارات ويتم تسليمهم للجهات المختصة لترحيلهم.
وقال إن أغلب القضايا التي يتم رصدها من مخالفي نظام الإقامة من المجهولين والمتسللين تتمثل في تهريب القات وتهريب المخدرات وتعاطيه، والنشل والسرقة وغيرها من الجرائم المسجلة لدى شرط المنطقة.
وحول ما إذا كان هناك خطة أمنية تخص الشرطة في إنهاء المشكلة قال إن الشرطة تعمل ضمن الأجهزة الأمنية الأخرى للقضاء على هذه المشكلة ونحن مستمرون في برنامجنا للحد من انتشار المجهولين في المحافظات وفق البرنامج السابق ذكره.
وأضاف أن إمارة المنطقة تحث على تكثيف الجهود والتعاون مع جميع الأجهزة الأمنية للحد من هذه المشكلة، كما أن الدور الأكبر يقع على المواطنين من حيث الإبلاغ عن تواجد هؤلاء المخالفين وعدم تشغيلهم وإيوائهم حيث يتضح من الحملات التي تقوم بها الشرطة وجود بعض هؤلاء المخالفين في بيوت مؤجرة ويعملون في مختلف المهن.
تباين الآراء
وتباينت آراء بعض أهالي جازان حول دورهم في منع ظاهرة التسلل إلى الأراضي السعودية، حيث أيد المواطن يحيى عقيل ما ذهب إليه اللواء الشهري على أن الدور الأكبر يقع على المواطنين، وقال "إن بعضهم يقلصون من دور الأجهزة الأمنية، ويتحينون الفرصة للاستفادة من المتسللين من خلال مساعدتهم على التخفي وإيجاد فرص العمل لهم"، فيما رفض المواطن إبراهيم حمدي تحميل المواطنين المسؤولية، مشيرا إلى أن الحملات التي تقوم بها الجهات المختصة لضبط عدد محدود ثم ترحيلهم غير كافية، مشيرا إلى أن أكثرهم يعود ثانية قبل مضى 24 ساعة على ترحيله.
ولكن الملاحظ أن آراء عدد كبير من المواطنين اتفقت على أن أشكال التسلل تطورت، حيث بدأت بأعداد صغيرة أو فردية ثم ما لبثت أن تحولت إلى ما يشبه الهجرة الجماعية، ويمكن لزائر المنطقة المحاذية للحدود مشاهدة ذلك على الواقع حيث يعبر مئات المتسللين منهم يومياً إلى المملكة ومثلهم يغادرونها بعد القبض عليهم وترحيلهم من قبل الجهات الأمنية المختصة.
المدن الحدودية
ويؤكد المشهد في المدن الحدودية الكثرة العددية لهؤلاء المخالفين والأماكن التي يتواجدون فيها والأعمال التي يعملون بها، حيث لوحظ أن هؤلاء المخالفين يعملون في العلن وجميعهم من مجهولى الهوية، ورغم ذلك لا يكترثون كثيرا لرجال الأمن، إلا أنهم عند ملاحظتهم للدوريات الأمنية يهربون إلى داخل الأحياء. ويتجمع عدد كبير من هؤلاء المخالفين في المنطقة الصناعية بجازان، يعرضون خدماتهم على قاصدي الورش هناك بأسعار مشجعة حيث التنافس شديد لخطف الزبون، ولا وسيلة لذلك سوى خفض الأسعار، أما جودة العمل فحدث ولا حرج.
أحد هؤلاء ويدعى أحمد عبده يمني الجنسية، يعيش بالمنطقة منذ 15 عاما، ويعمل ميكانيكي سيارات، ويزعم أحمد أنه يصلح جميع أنواع السيارات، وبأقل الأسعار، وقد تعرض للقبض عليه والترحيل عبر الحدود أكثر من مرة، ولكنه، على حد قوله، يعود في اليوم الثاني، وهذا لا يكلفه أكثر من 100 ريال.
وأشار إلى أنه في كثير من المرات يهرب من قبضة رجال الأمن عند المداهمات، حيث يختفي عن الأنظار ويدخل في حواري المنطقة، معترفاً أن المسألة لا تعدو أن تكون حظاً، وأنها لا تعد شطارة.
وقال علي ناصر وهو من المخالفين المتسللين من اليمن، إنه يعمل كهربائيا، وموجود بالمنطقة منذ 3 سنوات، وتم ترحيله أكثر من مرة، ويعود في اليوم التالي مباشرة.
وأضاف أن حملات الجوازات تداهمهم مرة كل أسبوع، وأنها بقدر ما تلقي القبض على الكثيرين، إلا أن الكثيرين أيضاً يتمكنون من الفرار والإفلات، مشيرا إلى أنه يدخل البلاد في كل مرة في رحلة لا تكلفه أكثر من 100 ريال، وأن جزءاً من المسافة يقطعونها مشياً على الأقدام.
ولم ينس ناصر أن يؤكد أن مواطنين سعوديين يساعدونهم في الوصول إلى المكان الذي يرغبون فيه وبأسعار متباينة حسب المسافة.
شعب الذيب
وإذا كان هناك مواطنون يتعاملون مع هذه العمليات برعونة، وعدم مبالاة، ويتكسبون منها نظير مساعدة المتسللين للوصول إلى مناطق البلاد المختلفة، يعيش سكان القرى الواقعة على الشريط الحدودي مع اليمن حالة من الخوف والحذر بسبب وجود هؤلاء المتسللين بأعداد كبيرة ومراحل عمرية مختلفة، وقرية
"شعب الذيب" إحدى هذه القرى الحدودية التي تعج بحركة غير منقطعة من المخالفين المتسللين إليها عبر الحدود اليمنية، وهي تتبع مركز الطوال، ولا يفصلها عن الحدود اليمنية أكثر من 3 كيلومترات تقريباً، ويستخدمها المتسللون كنقطة ارتكاز وعبور، إلى باقي مناطق السعودية.
وفي "الفرزة" المطلة على الحدود، جنوب القرية، تنتشر مجموعات مختلفة من هؤلاء المتسللين على مدى اليوم، وهو من أشهر أماكن التجمع الذي تنطلق منه هذه المجموعات إلى كافة مناطق المملكة، حيث يتلقفهم محترفو التهريب بعد الاتفاق على الأجرة في وجود سماسرة يمنيين يعملون كوسطاء بينهم.
ولا تقتصر الاتفاقيات على توصيلهم إلى محافظات وقرى منطقة جازان فحسب، بل يتم توصيلهم إلى كافة المناطق السعودية، خاصة عسير وجدة ومكة والطائف والرياض، التي يكثر الطلب عليها من المتسللين.


التعليق