alardha blog bannar and free books initiative

Collapse

إعلان

Collapse
لا يوجد إعلانات حتى الآن.

KJA_adsense_ad5

Collapse

حزن غير معلن

Collapse
X
 
  • فرز
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts

  • حزن غير معلن

    ساحت منه دمعة على الرغم من مكابرته الخفية..



    هو هكذا نوع من الرجال يصعب عليه إعلان ضعفه..



    كان المشهد حوله مساء للغروب ولحظة لأفول الشمس.. قرصها يتوارى شيئاً فشيئاً عند آخر المنتهى.. ذبوله واضح.. لأكثر من أي لحظة ماضية.. يجلس متكئاً إلى هذه الصخرة البحرية.. عقل باح عن سرّ زرقة البحر وكذا سرّ زرقة السماء.. الاثنان في وجدان بحَّار أكل عمره هذا الأزرق دفعا به إلى السؤال كذا مرة: لماذا فضّ الاثنان معاً الزرقة.. زرقة في البحر.. زرقة في السماء؟ خواطر بحَّر وهو يمتطي صهوة المخاطرة مع نهاية كل مساء.. ركب وركب.. خاطر وخاطر.. تقفز إلى الذهن صور متسارعة لتلك الأيام الأولى.. الأولى جداً من هذا العمر..


    ركب البحر شاباً يافعاً لقد أذن له الكبار أخيراً بالانضمام إلى عالمهم.. هذه مناسبة للافتخار لقد أصبح رجلاً أخيراً ومن حق أمه أن ترى القادم من الأيام بعيون تختلف بعد الآن..


    عيناه في تلك الليلة البعيدة.. تستعجل الصبح.. لم يكن للزمن مفهوم كمفهوم اللحظة.. الليلة تنقضي بصورة روتينية.. شيء من صوت الأمواج في نهاية البيت.. أشياء في تلك الرنَّات التي تعلنها دفوف البحَّارة وكذا أصوات أغنياتهم.. أذكار أدعيتهم وهم يغادرون اليابسة.. بحثاً عن اللحظة الحلم تلك الساكنة في آخر الأفق..


    عشقه للبحر وفي هذا العمر المبكر.. قال مكرراً: لقد ولدت وسط البحر.. وكبرت في البحر وذاكرتي كلها بحر.. يعرف حكايا البحّارة وأسماءهم.. يدرك جيداً أساليب تكرار أغنياتهم.. بل عادة ما كان يُدهش أمه طفلاً وهو يكرر على مسامعها ما يردده البحّارة .



    كانت ليلته طويلة على غير عادتها.. فالغد موعد حب مع رحلة حب ستأكل عمراً كاملاً.. ستبني ذاكرة بكامل تفاصيلها.. لقد كرر البحارة دعاءهم هذا المساء.. على مسامع من السماء.. سألوها النجاة.. سألوها السلامة.. سألوها وفرة الأرزاق.. للزمن مفهوم آخر على مراكب هؤلاء الرجال.. لا يهم مداه.. هؤلاء رجال يبحرون في حالة من التصوف والعشق اللا محدود.. هي صلاتهم التي تسبح فيها أرواحهم مساء.. أمام لوحة تبهر الأنظار..


    قالت إحدى أغنياتهم: المساء فضاء وسواد الليل لون المكان.. زرقة هادئة.. غيمة في آخر الضوء وقمر يبهر الأنظار عند كل لحظة.. تتلألأ ضياءاته على الماء لتتداخل الزرقة حول العين وفي كل مكان، في البحر وفي السماء.. تكتمل اللوحة في لحظة واحدة.. ينبض القلب.. يستيقظ العقل.. وتتفجر بَرَكات الماء.. لحظة واحدة.. رزق.. رزق يتكرم به الأزرق إكراماً لعشاقه..بحَّارة يرددون عشقهم بطريقتهم.. بلغتهم.. بعضهم صاغ الكلمة لحناً.. وآخرون حولوا الصوت إلى دعابات حانية منهم للماء وللسماء..


    طالت ليلته.. غداً موعد مع البحر.. مع القمر.. مع هؤلاء الذين كانوا دائماً كباراً.. وكان هو دائماً صغيراً..عند خيط الفجر الأول.. سيقطع آخر تذكرة تجاه عوالم الرجولة.. البحر أيضاً طريق إلى اكتمال الرجولة.. امتلاك البيت.. الأسرة السعودية.. الخلف.. تلك هي دعاوى أمه المتكررة.. وجبته المفضلة بحرية الطبع والصنع.. وربما البحر وحده سيقوده إلى معرفة سرّ المدينة الأكبر وإجابة السؤال الذي دوّخ المدينة.. لماذا الفرح فيها بحر والحزن بحر.. الحياة بحر والموت بحر.. بحر.. بحر.. مكان في كل مكان وزمان في كل زمان وإجابة لكل سؤال...


    بحر.. يا بحـر ..


    هناك امرأة ما ..أسعدها البحر كثيراً.. لقد حمل إليها زوجها الأصداف.. كان صياداً يعرف أسرار الزرقة.. و كيف يختار مناسبات صيده.. ابتسم له البحر مراراً وتكراراً.. أغدق عليه العطايا حتى أصبح ملكاً لأسرار الأزرق.. ملكاً لا يناقش ولا ينافس تحتفل المدينة لخروجه وتحتفل لعودته.. يحيطه الصيادون بطقوس الإكرام والإجلال عند شاطئ المساءات الباردة.. تعلم فن الغوص طفلاً يافعاً وكبر مع البحر.. جمع الصيادين من حوله وحلموا بأن يغيروا وجه المدينة بمعية البحر.. وأقسموا جميعاً ألاّ يكل البحر المدينة لا في السنة الحاضرة ولا في السنة الآتية بعدها..


    ذات يوم يا بني توقف هدوء البحر.. وجاء غضبه. كان شرساً.. قاتلاً في اضطرابه.. أكل كل شيء كان في جواره.. أكل ركاباً عاشروه عمراً أعطوه حباً.. هو موسم جنونه.. تتوارث العجائز حكاية تقول إن البحر أتى على جزء من المدينة المجاورة له منذ ألف عام أو أكثر.. صَدَمَها قتالاً وعنفاً.. سقطت الجدران.. ضاع القرميد واقتحمت أسماك القرش التائهة والجائعة أبواب البيوت.. أكلت أطفال المدينة.. ضاعت معالم المكان وسط صيحات أسماك القرش الرهيبة..


    غاص سكان المدينة في غيبوبة كبيرة استمرت زمناً لم يعد أحد يقدر على تحديه ثم عادت إلى ما كانت عليه.. هدأت العاصفة وأعلنت المدينة حدادها.. كان المشهد دامياً.. قوارب بلا صيادين.. نساء بلا رجال.. أطفال بلا آباء.. آباء بلا أطفال.. لقد فعلها البحر ومن بعده سمك القرش.


    لقد أكل البحر زوجها.. والتهم سمك القرش ابنها.. حاولت أن تنتقم من البحر بركوبه.. لكنها بدلاً من قهره.. وجدت نفسها عاشقة له، استمر العشق معها للبحر سنوات وسنوات.. لم تقتل ولا سمكة قرش واحدة.. الأسماك جميعها في البحر لا تختلف.. ذات يوم أدركت المسافة الهائلة بين حالة وحالة.. اغتسلت في البحر لآخر مرة.. أقسمت ألا تأكل سمكة.. إبعاداً منها لفكرة أن تكون السمكة المطهاة هي من أكلت صغيرها.. هي تدفع عن فمها لحم ابنها الطاهر.. لبست الأسود.. رفضت كل الرجال واستمر الحداد معها جيلاً بعد جيل.. ما زال منها ذلك الوفاء الجميل لذاكرة زوجها وابنها.. تعود البحر مع كل موسم شتاء.. تذكر جيداً ملامح الليلة الليلاء تصلي لروحيهما وتسأل لهما السماء الرحمة المتواصلة.. فاطمة أيضاً كالمدينة تماماً ذاكرتها من بحر.. يستوعبها الحزن حتى لا تتكلم.. وتتكلم كثيراً لكل من تحب.. حتى لا تحزن لموت زوجها الصياد جداً والبحَار جداً ولذاكرة طفلها الوسيم جداً..



    هل يعرف البحر حزنها .. ؟


    أشرقت شمس الصبح.. صاحب ديكة الوالدة في مزرعتها..


    صلى صلاته الأولى رجلاً.. اليوم هو على موعد مع البحر..


    تجاوز كامل معالم هذه الذاكرة البحرية..


    حاول امتلاك الغد والقادم من العمر.. بداية من هذه اللحظة..




    بقلم :




    محمد خليفه

    نـزلــنـا هــاهـنـا ثــم أرتــحــلــنـا....
    كــذا الــدنــيــا نــزولاً و أرتــحــالاٌ...

  • #2
    رااااااااااااااااااااااااااااااااائع

    من عضو مبدع

    الله يعطيك الف عافية يا ابو تركي

    التعليق


    • #3
      محمد خليفة

      شكراً لك أبا تركي ،على هذه الوجبة البحرية الغنية .

      التعليق


      • #4
        المشاركة الأصلية بواسطة علي عياشي مشاهدة مشاركة
        محمد خليفة

        شكراً لك أبا تركي ،على هذه الوجبة البحرية الغنية .

        الشكر واتقدير اباتركي وكيف حالك يا علي

        التعليق

        KJA_adsense_ad6

        Collapse
        جاري التنفيذ...
        X