صيد الأفكار!
كتب: حسين علي حسين
جريدة الجزيرة
هناك العديد من الكُتَّاب لديهم عادات يتبعونها، قبل الدخول في كتابة عمل جديد، فالروائي عادة ما ينغمس في قراءة روايات معينة، ربما يكون قد قرأها، وهناك من يقرأ أعمالاً روائية ذات طابع وثائقي أو بوليسي، وقد لا يكون لهذه القراءات الإبداعية أي دخل في العمل الذي يزمع الروائي الدخول فيه، فالقراءة قبل الكتابة، بالنسبة لهؤلاء المبدعين بمثابة التسخين، خصوصاً أن المبدع في الغالب، يندفع للكتابة الإبداعية من واقع تجربة أو موقف أو جملة عابرة في رواية أو مسرحية أو قصة، بل إن حادثاً صغيراً ربما دفعه لكتابة رواية!
وقد قرأت أن العمل الإبداعي، إذا قرأته ولم يدفعك إلى مسك القلم، يُعتبر عملاً بارداً وربما مملاً، هذا بالنسبة للكتاب، والكُتَّاب رؤيتهم تختلف عن رؤية وتفاعل القارئ العادي، الذي قد لا يتفاعل مع رواية بحجم (الحرب والسلام) أو (موبي ديك) لكنه يتفاعل مع رواية لمورافيا أو إحسان عبد القدوس أو يوسف السباعي أو وفيق العلايني، وكل هؤلاء (كُتّاب القارئ العادي) كتبهم مثل الخضار مطلوبة عند الصدور، لكنها بعد عام أو عامين، تدخل عالم العتمة، والنسيان، لتحل مكانها روايات أخرى، عكس الأعمال الإبداعية الراقية، التي تتوارثها الأجيال، لكنها على الدوام لا تلقى الرواج والإقبال، إلا من الذين كتبت لهم أو من أجلهم، وهم النخبة من الكُتَّاب والمثقفين!
ومن هؤلاء الكُتَّاب من إذا رغب في كتابة مقالة أو دراسة أو رواية، لا يشغل نفسه بأي كتاب أو صحيفة، لكنه قد يلجأ إلى التأمل الطويل وحيداً، كسيراً، حتى تهل عليه الأفكار التي قد تكون ناضجة أو مبسترة أو ميتة، ومن هؤلاء من يشغل نفسه، ولأيام بالتجول في أرض الله الواسعة أو الضيقة، حيث يختلط مع الناس ويرتاد المقاهي والمسارح والشواطئ، لتحريش المخ أو الذاكرة، حتى هؤلاء هم ونصيبهم، فإما أن ما سيكتبونه، يلقى الإقبال والرواج، وإما أنه سيوارى القبر، في اليوم التالي من نشره!
لكن الشيء الغريب، أن العديد من الكُتَّاب، يبذلون جهداً كبيراً، في تأليف عمل إبداعي، ومع ذلك فإن هذا العمل يُولد ميتاً، في الوقت الذي يكون كاتبه قد توقع له غير ما لاقى.
وهذا الكاتب نفسه، لو بحثت عن أشهر كتبه، وأكثرها تأثيراً ونفاذاً، لوجدتها رواية كتبها في شهر أو أسبوع، ولم يخضعها للفحص والمراجعة، وللطريقتين أنصار وأعداء، فهناك من يؤمن بلا جدوى المراجعة والحذف والإضافة؛ لأنه ليس في الإمكان أبدع مما كان، وهناك من يؤمن بأن المبدع مثل النقّاش، عليه أن يعطي الجدران رشة ورشتين وثلاثاً.. وربما عشر رشات، حتى يصبح النص مشرقاً، وناعماً، وقوياً، لا تؤثر فيه عوادي الزمن، وهذه العوادي، هي النقاد والقراء، وربما المؤرخون وكُتّاب السير..!
وأبقى مع محفزات الإبداع، فقد كنت أؤمن بهذه المحفزات، فأجمع عشرات القصاصات، والصفحات، من الكتب والأبحاث، والاستطلاعات الصحفية؛ لأكتب، لكنني في الغالب عندما أمسك القلم أنساها تماماً، فهل هي عادة مثل عادة، الذين يتنزهون في أرض الله الواسعة أو يقرؤون الروايات أو القصص البوليسية، قبل الإقبال على عمل، قد يخرج مكتملاً، وقد يخرج فاقد الأهلية والنمو، وربما مصاباً بالكساح!


التعليق