"إذا رُكلت من الخلف فاعلم أنك في المقدمة"
هايل العبدان
يقول رئيس الوزراء البريطاني الأسبق "جون ميجر" في مقدمة كتابه (قصة حياتي) الذي يتناول سيرته: ".. وحيث إنني لم أكن مثقفاً الثقافة الكافية لأكون مستشاراً لوزير، فقد قررت أن أكون وزيراً، وأن أسخر علوم الآخرين نحو إدراكي الخير الطبيعي"..!!
لو كتب مسؤول عربي هذه العبارة ضمن سيرته الذاتية، لفهمنا بشكل واضح بأنه متسلق على أكتاف الآخرين، ولجزمنا بشكل قاطع بأن جُل مناصبه التي تبوأها، بل وربما مؤهلاته العلمية والثقافية، ليست سوى مولود غير شرعي بين عجز ممثلي النظام عن الدفاع عنه، وبالتالي ضعفه وهوانه، وبين المحسوبيات والمصالح المتبادلة بين فئات نخبوية تجري في أوساطنا العربية مجرى الدم في الجسد، رفعت نفسها عن محاسبة القانون لها، بالرغم من وجود لافتات في مكاتبهم - وتحديداً فوق رؤوسهم - مكتوب عليها "القانون فوق الجميع"..!!
مفهوم الثقافة، وقبلها العلم في الغرب يختلفان عن مفهومنا لهما هنا في الشرق، فقد فُسِر ذلك - غربياً - بواسطة عالم الفيزياء الشهير "ألبرت إينشتاين" - صاحب نظريتي النسبية - "بأن العلم ليس سوى إعادة ترتيب لتفكيرك اليومي، بينما الثقافة هي ما يبقى بعد أن تنسى كل ما تعلمته في المدرسة".
وربما هذا الذي يعنيه السيد "ميجر"، بدلالة سقوطه ديموقراطياً بعد خسارته وحزبه لانتخابات عام 1997 يوم "الأربعاء الأسود"، برغم إنجازاته على صعيد خفض التضخم وتحقيق انتعاش اقتصادي لبلاده عجزت عن تحقيقه سلفه المرأة الحديدية "مارجريت تاتشر"، والسير بخطوات ملموسة نحو تحقيق السلام في أيرلندا الشمالية. وتجاوزه أزمات حرب الخليج، ومعاهدة "ماسترخت" وغيرها بكل نجاح.
أما في الشرق فهناك إنكار وكذلك استنكار للمفهوم الغربي، لعدم توافقه مع مصالحهم وبالرغم من ذلك فلا يوجد تفسير عربي بديل تتفق عليه جُموع جهابذة العلماء العرب. لذا حاولت عبثاً - بحكم شرقيتي - التفريق بين العلم والثقافة عندنا، ولم أجد مفهوماً يحقق الأمانة العلمية للبحث، إلا القول بالعلم إنه يعني الحصول على معدل تراكمي في الشهادة العلمية أياً كانت درجتها وبأي طريقة أتت، فالغاية تبرر الوسيلة أو"تبربرها" إن صح التعبير. وتبدأ مرحلة العلم شرقياً من ولادة "البرشامة"، حتى تنتهي بنفاس دكتوراه "الشقق المفروشة".
بينما الثقافة هي القدرة الاجتماعية على ارتقاء المناصب نتيجة شبكة من العلاقات العامة الممزوجة بالنفاق والتزلف، والزحف على الركب والأكواع - وهذا ما يفسر سوادها لدى البعض - حتى الوصول إلى رضا ذلك المسؤول أو ذاك، ونيل ثقته ، وربما يتطور الأمر إلى مصاهرته ، لتبدأ بعد ذلك مرحلة ارتقاء المناصب بين عشية وضحاها، حتى ولو كان بعض هذا الارتقاء عالياً، بل ومبالغاً فيه على حساب المستحقين. وبحكم الوصول إلى بعض الطموحات، وبحكم أن أكل الجائع لا يقارن بغيره، فإنه يلزم من آن لآخر تجهيز جملة من الردود على "المشككين"، ووصفك ذلك "المثقف" بأنه ليس سوى شجرة مثمرة تُرمى بالحجر. وأن ذلك الهجوم ليس إلا دليل نجاح أغاظ أعداءه. وإن كثُر استهلاك نظرية "الحجر والشجرة المثمرة" فيمكن الاستعاضة عنها بأخرى أسهل هضماً، فنحن قوم لا نجيد شيئاً أكثر من إجادتنا للكلام المنمق..!!
أعود إلى الغرب الذي يختلف عنا حتى بطريقة تبريره للانتقاد، بعيداً عن استهلاك الحجر والشجر، وذلك بأسلوب صادق وعميق لا يخلو من الجاذبية نحوه، لدرجة تجبرك على ألا تنساها بسهولة. هذا إذا لم تكن قد وضعتها سلفاً توقيعاً لكتاباتك كما أفعل غالباً..!!
فقد سأل أحدهم يوماً الفيلسوف الألماني "هتشل"عن هذا الأمر، فأجاب : "إذا رُكلت من الخلف فاعلم أنك في المقدمة"..!!



التعليق