لم يكن من الغريب أن يهاتفني كثير من أحبتي وزملائي وأصدقائي الذين جمعتني بهم ذات يوم
قاعة دراسة أو صالة تدريب أو شراكة تجارية سواءً كانوا من المنطقة الغربية أو الشرقية
أو الوسطى وحتى الشمالية وليعبروا لي عن صادق حبهم وعميق وفائهم
والذي يشي بطيب أصل وكريم معدن ،وليبدي بعضهم رغبتهم في زيارتي
والتعرف على جازان عن كثب حيث أن الإعلام قد أعطاها نوع اهتمام
وبالخصوص بعد الزيارة الميمونة لخادم الحرمين الشريفين لها في الفترة الماضية .
،
،
نعم !!
لم يكن ذلك مستغرباً ، ولكن المستغرب والغريب والذي لم يعهده مني أصدقائي وزملائي
هو أنني – وبالعربي - : أصرّفهم يمين شمال وأحاول دائماً التحجج بالانشغال والسفر .. ووووو الخ ..
من الأعذار الواهية والكاذبة والتي تخفي وراءها سرا خطيراً قد يعرفونه هم ولو بعد حين ،
وقد يعرفه السادة القراء بعد أو قبل ذلك . ،
،
،
ولكن ما الذي حدث يا ترى ؟!
ذات مساءٍ هاتفني صديقي ( عدنان ) قائلاً :
أنا في المطار متجه إلى جازان وبرفقتي صديقي : ( سنان ) .
وكان هذا الاتصال بلا سابق تنسيق ،
ويهاتفني بعدها صديقي : ( نايف ) قائلاً : أنا قادم من الطائف وبرفقتي صديقي : ( عارف ) .
وفي الحقيقة أن هذين الاتصالين كانا بمثابة الصاعقة التي نزلت عليّ لتهز مني كل ساكن ،
ولم أجد أمامهما بداً من أن أدبج رتلاً من عبارات الترحيب المصطنعة المستهلكة ،
ولأبدأ بعد ذلك مباشرة في صراع نفسي رهيب يتمثل في هذه التساؤلات :
أولاً : يلزمني الآن أن أذهب إلى قيادة حرس الحدود لاستخراج تصريح زيارة ،
وقد تطوله كثير من التعقيدات والتحقيقات إلى أن يخرج ،
وكأننا سننفذ من معبر رفح الحدودي إلى القدس الشريف بفلسطين .
ثانياً : يجب ألا أنسى استخراج تصريح مماثل للسماح لي بتمرير كيلو من الطماطم وآخر من الخيار
مع كثير تحفظٍ على الباذنجان والجرجير .
ثالثاً : يلزمني عاجلاً الذهاب إلى فرع الزراعة لتقديم طلب لتطعيم ( فرير صغير ) أو ( جديٍ هزيل )
– وللناطقين بالعربية يعني : صغير الضأن و الماعز .
وكل ذلك لكي أتمكن من الحصول على إذن لي بالمرور من نقطة حرس الحدود بالعبادل ،
لإيصاله إلى أي مطعم لتجهيز الغداااااااااء .
رابعاً : كدت أن أنسى أنه يجب علي أن أستخرج تصريحاً على كيسٍ من الدقيق وآخر من الأرز ،
وبعد كثير عناءٍ في إجراءات ذلك سأكون مضطراً لأكذب أمام نقطة المراني الموقرة قائلاً :
إن هذين الكيسين لي ولثلاثة من جيراني – بمعنى أننا سنقتسمه بالسوية ربعاً ربعاً –
ولأكتب تعهداً بأنه سيكفينا لمدة شهر كامل .
خامساً : يجب علي سريعاً توفير سيارة مريحة ذات دفع سداسي وليس رباعي ،
والذهاب عاجلاً إلى أقرب وكالة لتركيب محرك سيارات النقل الثقيل ،
إضافة إلى تجهيز كل المقاعد بأحزمة أمان مزدوجة نظراً لوجود مشروع اسفلت جديد وطريق ممهد
– حسب كلام المقاولين – وذلك بحاجة إلى كل تلك التجهيزات لضمان راحة ضيوفي الأعزاء .
سادساً : وكدت أن أنسى وكثيراً ما أنسى ،أن أستأجر خيمة كبيرة ، وأن أقاول سريعاً أي مؤسسةٍ ،
أو حتى أي عمالة وافدةٍ سائبة – ويا كثرهم – لتجهيز موقع مناسب على إحدى القمم لأنصب فيها تلك الخيمة ،
لأن بيوتنا آيلة للسقوط ، وأسقفها تتحول إلى سواقي وأودية مع موسم الأمطار ،
إذ لا يجوز لنا إحداث أي مبنى ولا جلب أي كيس اسمنت لتضبيب شقوق تلك الأسطح المتهالكة تمشياً مع التعليمات والأنظمة واللوائح والأوامر الموقرة التي تنص على ذلك .
سابعاً : ومع افتراض أن كل تلك الأمور تيسرت لي وتسهلت بتوفيق الله ثم استنفار كافة أبناء الجبال لمساعدتي في تجهيزات هذه ( الضيافة المشئومة )،يتبقى لي حينها أن ألبس على وجهي خماراً لكي لا يبدو على معالمه مقدار خجلي وحيائي وإحراجي من ضيوفي لحظة وصولنا إلى نقطة حرس الحدود بنيد المراني بجبل العبادل ، وحينما يخرج أحد الأفراد – وكعادتهم- بالملابس الداخلية وحافي القدمين وبيده سيجارة يعطرنا بفوح دخانها وقد امتلأ فمه بشي لا يكاد يبين معه – لست أدري ما هو - ؟ ! – ليعطي أنموذجاً غير مشرف لبعض رجال الأمن ، وليؤكد انعدام الرقابة في هذا القطاع – وكيف سأتصرف حينما ينزلونهم جميعاً ويأخذوا بطاقات الضيوف الأعزاء لديهم كرهينة ثم يكتبوا عليهم تعهداً بألا تتجاوز زيارتهم خمس ساعات ،وكل ذلك بعد سيل من التحقيقات والأسئلة والاستجوابات التي يؤطرها سوء التعامل وقلة الأدب وانعدام الأخلاق وضحالة التربية التي يتصف بها كثير من أفراد هذه النقطة ، ويأتي ذلك وكأنما نحن داخلون عبر بوابة ثكنة عسكرية أو معتقل ، ولسنا داخلين إلى أرض الخضرة والأغصان الباسقة والضباب الذي يكسو تلك القمم الشامخة السامقة والتي لا أسمق منها إلا أنفس أهل الجبال ، ولا أبيض من ذلك الضباب إلا قلوبهم التي لا زالت على الفطرة وعلى العادات والشيم العربية الأصيلة رغم كل المحاولات لسلبهم كل ذلك .
ثامناً : ومع الاحتمال الأسوأ والمتوقع دائماً وهو : عدم السماح بالمرور رغم كل التعهدات والالتزامات والإجراءات السابقة ، أو ربما لعدم استطاعتي توفير كل تلك التجهيزات التي تتطلبها هذه الضيافة بهذه السرعة ، فما العمل يا ترى ؟!!
سأكون مضطراًً حينها لاستقبالهم على شاطيء البحر الأحمر ، ولكن بماذا يمكن أن أجيب ( عدنان ) والذي جاءني من (الشرقية) ومن شواطئها ال
ة والزاخرة بمختلف المرافق والخدمات ، أو صديقي ( نايف ) الذي جاءني من شواطيء ( مدينة جدة ) العامرة بكل جميل ،حينما يسألاني – أو بالأصح يتندرا بي – ويقولا : أين شواطيء جازان ، وأين خدماتها ومرافقها ؟ أو حينما يقولان لي : " طفشنا من الشواطيء نريد الجبال لنتعرف عليها ، ونستنشق هواءها العليل " . وكيف سأجيب حينما تخطر لي فكرة لعينة لأتحاشى كل تلك الإحراجات السالفة الذكر ، بأن اذهب بهم إلى جبال فيفاء أو إلى وادي لجب في جبال الريث ، وحينما أفاجأ وبلا سابق تمهيدٍ بصديقي ( سنان وعارف ) وقد نطقا في نفس اللحظة وقبل أن اطرح الفكرة قائلين : " شف لنا غير فيفا ولجب ترى قد جيناها هذي كثير مرات " .
وبعد أن تختلط كل أوراقي ، وأكون في حيص بيص ، وأهمّ مرة وأحجم أخرى بأن أصارحهم بالوضع المأساوي الذي تعيشه الجبال والشواطيء على حدٍّ سواء لكي يلتمسوا لي العذر ، فيحاصرني صمتٌ رهيب قد حاصر الكثيرين من قبلي وجعلهم يحجمون عن توصيف تلك الحالة خشية أن ينال منهم أحد كونهم تجرئوا ونقلوا الحقيقة وشرحوا معاناة الإنسان هنا لولاة الأمر والذين نثق بأنهم لا يرضيهم ذلك لو علموا به ، ولكن تدليس المسئولين الصغار غيب كثيراً من الحقائق على حساب المواطن المسكين .
،
،
ويأتيني الهاجس الأخطر : أن ألقي بنفسي في البحر منتحراً لأخسر الدين والدنيا معاً ،
أو الأهون من ذلك قليلا وهو: أن أرمي بأخلاقي وشيمي عرض البحر
ثم اعبس في وجه ضيوفي الأكارم وزملائي الأعزاء قائلاً لهم :
اغربوا عن وجهي ، وارجعوا من حيث جئتم ، وعودوا من حيث أتيتم ،
فليست (جازان) كما كنتم تتوقعون ، ولم يعد ( ..... ) ذلكم الذي تعرفون وكنتم تعهدون .
،
،
،
وفي هذه اللحظة ، وهذه تحديداً ، ومع بلوغ الحدث الدرامي ذروته ،
ووصول الصراع النفسي قمته ، ومع احتدام المشاعر وغليانها في داخلي اثر ذلك الصراع المفزع الرهيب ،
استيقظ فجأةً على نغمة الجوال التي تخترق تلك الحالة الشعورية وتبدد أستار الصمت والسكون المخيمة
لأقرأ على الشاشة : " عدنان يتصل بك " فأجيبه بما لم اضبطه من كلام
: ليجيبني قائلاً : " رحلتنا ألغيت وما نستطيع نجيك فاعذرنا " ،
وتنجلي نصف الغمة عني ،
واسترخي عميقاً ليوقظني بعده بلحظات اتصال آخر من صديقي : ( نايف ) ليقول لي :
"عذراً ! لقد سحرنا جو الطائف العليل ، وخضرته الزاهية الخلابة فقررنا البقاء هنا وإلغاء الزيارة يا أخ ......."
.لست ادري بم أجبته ، غير أن الغمة انزاحت بكاملها عني ،
،
،
ووجدتني بعدها أتنهد تنهداتٍ عميقة وأفزع بعدها صارخاً ومنادياً بأعلى صوتي
ليردد معي الحجر والشجر والبشر :
بالله عليكم أيها المسئولون ، ويا كل من ولي أمرنا
سألناكم بالواحد الأحد الفرد الصمد إن أردتم ولا بد
فحاصرونا في الغذاء والكساء والبناء
ولكن :
" لا تحاصروا قيمنا ومثلنا وعاداتنا وعروبتنا وشيمنا وأصالتنا "
" انتهت "
" ولم تنتهي المأساة "
،
،
الصارخ
قاعة دراسة أو صالة تدريب أو شراكة تجارية سواءً كانوا من المنطقة الغربية أو الشرقية
أو الوسطى وحتى الشمالية وليعبروا لي عن صادق حبهم وعميق وفائهم
والذي يشي بطيب أصل وكريم معدن ،وليبدي بعضهم رغبتهم في زيارتي
والتعرف على جازان عن كثب حيث أن الإعلام قد أعطاها نوع اهتمام
وبالخصوص بعد الزيارة الميمونة لخادم الحرمين الشريفين لها في الفترة الماضية .
،
،
نعم !!
لم يكن ذلك مستغرباً ، ولكن المستغرب والغريب والذي لم يعهده مني أصدقائي وزملائي
هو أنني – وبالعربي - : أصرّفهم يمين شمال وأحاول دائماً التحجج بالانشغال والسفر .. ووووو الخ ..
من الأعذار الواهية والكاذبة والتي تخفي وراءها سرا خطيراً قد يعرفونه هم ولو بعد حين ،
وقد يعرفه السادة القراء بعد أو قبل ذلك . ،
،
،
ولكن ما الذي حدث يا ترى ؟!
ذات مساءٍ هاتفني صديقي ( عدنان ) قائلاً :
أنا في المطار متجه إلى جازان وبرفقتي صديقي : ( سنان ) .
وكان هذا الاتصال بلا سابق تنسيق ،
ويهاتفني بعدها صديقي : ( نايف ) قائلاً : أنا قادم من الطائف وبرفقتي صديقي : ( عارف ) .
وفي الحقيقة أن هذين الاتصالين كانا بمثابة الصاعقة التي نزلت عليّ لتهز مني كل ساكن ،
ولم أجد أمامهما بداً من أن أدبج رتلاً من عبارات الترحيب المصطنعة المستهلكة ،
ولأبدأ بعد ذلك مباشرة في صراع نفسي رهيب يتمثل في هذه التساؤلات :
أولاً : يلزمني الآن أن أذهب إلى قيادة حرس الحدود لاستخراج تصريح زيارة ،
وقد تطوله كثير من التعقيدات والتحقيقات إلى أن يخرج ،
وكأننا سننفذ من معبر رفح الحدودي إلى القدس الشريف بفلسطين .
ثانياً : يجب ألا أنسى استخراج تصريح مماثل للسماح لي بتمرير كيلو من الطماطم وآخر من الخيار
مع كثير تحفظٍ على الباذنجان والجرجير .
ثالثاً : يلزمني عاجلاً الذهاب إلى فرع الزراعة لتقديم طلب لتطعيم ( فرير صغير ) أو ( جديٍ هزيل )
– وللناطقين بالعربية يعني : صغير الضأن و الماعز .
وكل ذلك لكي أتمكن من الحصول على إذن لي بالمرور من نقطة حرس الحدود بالعبادل ،
لإيصاله إلى أي مطعم لتجهيز الغداااااااااء .
رابعاً : كدت أن أنسى أنه يجب علي أن أستخرج تصريحاً على كيسٍ من الدقيق وآخر من الأرز ،
وبعد كثير عناءٍ في إجراءات ذلك سأكون مضطراً لأكذب أمام نقطة المراني الموقرة قائلاً :
إن هذين الكيسين لي ولثلاثة من جيراني – بمعنى أننا سنقتسمه بالسوية ربعاً ربعاً –
ولأكتب تعهداً بأنه سيكفينا لمدة شهر كامل .
خامساً : يجب علي سريعاً توفير سيارة مريحة ذات دفع سداسي وليس رباعي ،
والذهاب عاجلاً إلى أقرب وكالة لتركيب محرك سيارات النقل الثقيل ،
إضافة إلى تجهيز كل المقاعد بأحزمة أمان مزدوجة نظراً لوجود مشروع اسفلت جديد وطريق ممهد
– حسب كلام المقاولين – وذلك بحاجة إلى كل تلك التجهيزات لضمان راحة ضيوفي الأعزاء .
سادساً : وكدت أن أنسى وكثيراً ما أنسى ،أن أستأجر خيمة كبيرة ، وأن أقاول سريعاً أي مؤسسةٍ ،
أو حتى أي عمالة وافدةٍ سائبة – ويا كثرهم – لتجهيز موقع مناسب على إحدى القمم لأنصب فيها تلك الخيمة ،
لأن بيوتنا آيلة للسقوط ، وأسقفها تتحول إلى سواقي وأودية مع موسم الأمطار ،
إذ لا يجوز لنا إحداث أي مبنى ولا جلب أي كيس اسمنت لتضبيب شقوق تلك الأسطح المتهالكة تمشياً مع التعليمات والأنظمة واللوائح والأوامر الموقرة التي تنص على ذلك .
سابعاً : ومع افتراض أن كل تلك الأمور تيسرت لي وتسهلت بتوفيق الله ثم استنفار كافة أبناء الجبال لمساعدتي في تجهيزات هذه ( الضيافة المشئومة )،يتبقى لي حينها أن ألبس على وجهي خماراً لكي لا يبدو على معالمه مقدار خجلي وحيائي وإحراجي من ضيوفي لحظة وصولنا إلى نقطة حرس الحدود بنيد المراني بجبل العبادل ، وحينما يخرج أحد الأفراد – وكعادتهم- بالملابس الداخلية وحافي القدمين وبيده سيجارة يعطرنا بفوح دخانها وقد امتلأ فمه بشي لا يكاد يبين معه – لست أدري ما هو - ؟ ! – ليعطي أنموذجاً غير مشرف لبعض رجال الأمن ، وليؤكد انعدام الرقابة في هذا القطاع – وكيف سأتصرف حينما ينزلونهم جميعاً ويأخذوا بطاقات الضيوف الأعزاء لديهم كرهينة ثم يكتبوا عليهم تعهداً بألا تتجاوز زيارتهم خمس ساعات ،وكل ذلك بعد سيل من التحقيقات والأسئلة والاستجوابات التي يؤطرها سوء التعامل وقلة الأدب وانعدام الأخلاق وضحالة التربية التي يتصف بها كثير من أفراد هذه النقطة ، ويأتي ذلك وكأنما نحن داخلون عبر بوابة ثكنة عسكرية أو معتقل ، ولسنا داخلين إلى أرض الخضرة والأغصان الباسقة والضباب الذي يكسو تلك القمم الشامخة السامقة والتي لا أسمق منها إلا أنفس أهل الجبال ، ولا أبيض من ذلك الضباب إلا قلوبهم التي لا زالت على الفطرة وعلى العادات والشيم العربية الأصيلة رغم كل المحاولات لسلبهم كل ذلك .
ثامناً : ومع الاحتمال الأسوأ والمتوقع دائماً وهو : عدم السماح بالمرور رغم كل التعهدات والالتزامات والإجراءات السابقة ، أو ربما لعدم استطاعتي توفير كل تلك التجهيزات التي تتطلبها هذه الضيافة بهذه السرعة ، فما العمل يا ترى ؟!!
سأكون مضطراًً حينها لاستقبالهم على شاطيء البحر الأحمر ، ولكن بماذا يمكن أن أجيب ( عدنان ) والذي جاءني من (الشرقية) ومن شواطئها ال
ة والزاخرة بمختلف المرافق والخدمات ، أو صديقي ( نايف ) الذي جاءني من شواطيء ( مدينة جدة ) العامرة بكل جميل ،حينما يسألاني – أو بالأصح يتندرا بي – ويقولا : أين شواطيء جازان ، وأين خدماتها ومرافقها ؟ أو حينما يقولان لي : " طفشنا من الشواطيء نريد الجبال لنتعرف عليها ، ونستنشق هواءها العليل " . وكيف سأجيب حينما تخطر لي فكرة لعينة لأتحاشى كل تلك الإحراجات السالفة الذكر ، بأن اذهب بهم إلى جبال فيفاء أو إلى وادي لجب في جبال الريث ، وحينما أفاجأ وبلا سابق تمهيدٍ بصديقي ( سنان وعارف ) وقد نطقا في نفس اللحظة وقبل أن اطرح الفكرة قائلين : " شف لنا غير فيفا ولجب ترى قد جيناها هذي كثير مرات " . وبعد أن تختلط كل أوراقي ، وأكون في حيص بيص ، وأهمّ مرة وأحجم أخرى بأن أصارحهم بالوضع المأساوي الذي تعيشه الجبال والشواطيء على حدٍّ سواء لكي يلتمسوا لي العذر ، فيحاصرني صمتٌ رهيب قد حاصر الكثيرين من قبلي وجعلهم يحجمون عن توصيف تلك الحالة خشية أن ينال منهم أحد كونهم تجرئوا ونقلوا الحقيقة وشرحوا معاناة الإنسان هنا لولاة الأمر والذين نثق بأنهم لا يرضيهم ذلك لو علموا به ، ولكن تدليس المسئولين الصغار غيب كثيراً من الحقائق على حساب المواطن المسكين .
،
،
ويأتيني الهاجس الأخطر : أن ألقي بنفسي في البحر منتحراً لأخسر الدين والدنيا معاً ،
أو الأهون من ذلك قليلا وهو: أن أرمي بأخلاقي وشيمي عرض البحر
ثم اعبس في وجه ضيوفي الأكارم وزملائي الأعزاء قائلاً لهم :
اغربوا عن وجهي ، وارجعوا من حيث جئتم ، وعودوا من حيث أتيتم ،
فليست (جازان) كما كنتم تتوقعون ، ولم يعد ( ..... ) ذلكم الذي تعرفون وكنتم تعهدون .
،
،
،
وفي هذه اللحظة ، وهذه تحديداً ، ومع بلوغ الحدث الدرامي ذروته ،
ووصول الصراع النفسي قمته ، ومع احتدام المشاعر وغليانها في داخلي اثر ذلك الصراع المفزع الرهيب ،
استيقظ فجأةً على نغمة الجوال التي تخترق تلك الحالة الشعورية وتبدد أستار الصمت والسكون المخيمة
لأقرأ على الشاشة : " عدنان يتصل بك " فأجيبه بما لم اضبطه من كلام
: ليجيبني قائلاً : " رحلتنا ألغيت وما نستطيع نجيك فاعذرنا " ،
وتنجلي نصف الغمة عني ،
واسترخي عميقاً ليوقظني بعده بلحظات اتصال آخر من صديقي : ( نايف ) ليقول لي :
"عذراً ! لقد سحرنا جو الطائف العليل ، وخضرته الزاهية الخلابة فقررنا البقاء هنا وإلغاء الزيارة يا أخ ......."
.لست ادري بم أجبته ، غير أن الغمة انزاحت بكاملها عني ،
،
،
ووجدتني بعدها أتنهد تنهداتٍ عميقة وأفزع بعدها صارخاً ومنادياً بأعلى صوتي
ليردد معي الحجر والشجر والبشر :
بالله عليكم أيها المسئولون ، ويا كل من ولي أمرنا
سألناكم بالواحد الأحد الفرد الصمد إن أردتم ولا بد
فحاصرونا في الغذاء والكساء والبناء
ولكن :
" لا تحاصروا قيمنا ومثلنا وعاداتنا وعروبتنا وشيمنا وأصالتنا "
" انتهت "
" ولم تنتهي المأساة "
،
،
الصارخ







التعليق