alardha blog bannar and free books initiative

Collapse

إعلان

Collapse
لا يوجد إعلانات حتى الآن.

KJA_adsense_ad5

Collapse

الحقيقة ، د: سعد البريك

Collapse
X
 
  • فرز
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts

  • الحقيقة ، د: سعد البريك

    فضيلة الشيخ الدكتور سعد بن عبد الله البريك

    الحقيقة هي تلك الخِلْقة التي خلق الله عباده وفطرهم عليها بقوله سبحانه { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ ٱللَّهِ
    ٱلَّتِى فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ}.

    ـــ هذه الحقيقة هي جبل أبيٌّ بشموخه أن يناطحه فكر متسيب ، أو فهم متنطع بقرون واهية ومخالب
    مقصوصة .

    ـــ هذه الحقيقة بحر حالَ اتساعُه دون أن يختزله متهور أو متخاذل في قربة ضيقة.

    ـــ هذه الحقيقة فضاء رحب مَنَعَ مَن ضاق أفقه وتحجر فهمه مِن أن يحصره في غرفة صغيرة .

    ـــ هذه الحقيقة شمس تحرق كل من حاول طمْسَ شعاعها أو وَأْدَ توهجها بخرقة نتنة بالية متذرعاً بدعوى
    التطور ومواكبة روح العصر .

    ـــ هذه الحقيقة شجرة طيبة أصلها ثابت في الأرض وأغصانها منتشرة في السماء، فأنى لهبةِ ريحٍ أو هزةِ
    عاصفةٍ أن تقتلع جذورها الراسخة رسوخ الجبال ؟.{ مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في
    السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها} .

    بعض الناس خاضوا في صراعات مع هذه الحقيقة باسم الإصلاح ، وآخرون فتحوا جبهة مخروقة باسم الدعوة .

    ولستُ أجدُ وصفاً لهؤلاء وهؤلاء أبلغ من قول الصحابي الجليل ابن مسعود رضي الله عنه حين قام ينصح بعض
    المنحرفين فاعتذروا بقولهم : ما أردنا إلا الخير ، فقال لهم قولاً مليئاً بالحكمة وعمق البصيرة ورجاحة العقل:
    (وكم من مريد للخير لن يصيبه ).

    إن من كيد ( إبليس ) أنه يتتبع نفس المسلم ويَشُمُّها حتى يعلم أي المحبتين تغلب عليها : محبة الدين أم محبة
    الدنيا ، فإن رأى أن الغالب على النفس حب الدنيا والشهوات والإخلاد إلى الأرض زاد في إضعافها وثقّلها عن
    الواجب وزين لها الشهوات ، حتى تترك دينها كله أو تقصر فيه وتتهاون به . وإن رأى أن الغالب عليها حب
    الدين والحرص على الخير وسوس لصاحبها أن الذي يفعله من الخير قليل ولا بد من الاستكثار والزيادة ،
    فيوقعه في التنطع والتشدد والغلو .

    يقول الإمام العلامة ابن القيم رحمه الله: ( ما من أمر إلا وللشيطان فيه نزغتان : إما إلى غلو، وإما إلى تقصير،
    والحق وسط بين ذلك".

    وأكثر الناس قد أخذوا في هذين الواديين وادي التقصير ووادي التعدي والمجاوزة، والقليل منهم من ثبت على
    حقيقة الدين والصراط الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم .

    تجاوز قوم الحد ؛ فتشددوا وتنطعوا في الدين ، وقصَّر آخرون فأعرضوا عن تزكية أنفسهم حتى أظهروا القبائح
    وتجاهروا بالفسق دون حياء أو خوف .{ قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها }.

    العسر والتنطّع ليس من سمات هذه الشريعة تماماً كما أن التساهل والتميع ليس من سماتها .وكثيراً ما يدعو
    إلى هذا وذاك قلةُ الفقه في الدين، والجهلُ بمقاصد الشرع وأصول الملة . وحقٌ على أهل الإسلام أن يسلكوا
    مسالك التوسط والتيسير في الأمر كلّه، لكن بلا مداهنة ولا مجاملة ولا مجافاة للحق .عن أنس رضي الله عنه
    عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" لا تشددوا على أنفسكم فيُشدد عليكم فإن قوماً شددوا على أنفسهم فشُدد
    عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات ".

    إن دين الإسلام رخصة بعد عزيمة، ولين من غير شدّة، ويسرٌ من غير عسر، ورفع للحرج عن الأمة {يُرِيدُ
    ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ} ، {يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ ٱلإِنسَـٰنُ ضَعِيفاً }.

    ولقد فهم البعض من القول بيسر الشريعة وتحذيرها من التشديد أنه دعوة إلى التساهل في أمور الدين عقيدةً
    وأحكاماً وأخلاقاً، أو ترغيباً في التنصل من أحكام الإسلام والضعف في نصرة الدين والحق . وهؤلاء في شطط
    وبعد عن الحقيقة .

    فليس من التيسير التساهل بالأحكام الشرعية والأوامر الربانية ، وليس من التيسير التهاون بالمنكرات ، وليس
    من التيسير التنكر للفضائل وأصول الأخلاق والتساهل بالموبقات ، وليس من التيسير الإهمال في تربية البنين
    والبنات، وتركهم نهباً لزيغ العقائد وتيارات الإلحاد والبعد عن الالتزام بأحكام الإسلام والحفاظِ عليهم من دواعي
    الفجور واللهو المحرم بحجة التحضّر والبعد عن التعقيد وتغيّر الزمان.

    وليس من التيسير ما يسلكه البعض حين يدَّعون سماحة الدين أمام أعداء الإسلام ، ويتنصلون من أحكامه
    وتعاليمه ، ثم هم من أشدّ الناس على الصُّلحاء والأخيار، بل قد يوظِّفون دعوى التيسير أداةً لقمع الدعوة إلى
    الحق وكبت الخير وتكبيله بحجة مسايرة العصر.وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم الذي قال: "
    عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور".

    إن من يجيل النظر في جوانب هذا الدين ويمعن فكره في نواحي عظمته وشواهد حكمته يجد أن هناك سمة
    بارزةً وميزةً ظاهرةً وحقيقة راسخة كانت سبباً في تبوّؤ هذه الأمة مكانتها المرموقة بين الأمم، ومنحِها
    مؤهلات القيادة والريادة للبشرية، ومقومات الشهادة على الناس كافة. إنها حقيقة الاعتدال والوسطية التي
    تُجَلّي صور سماحة الإسلام ، وتبرز محاسنه ورعايته للمثل الأخلاقية العليا والقيم الإنسانية الكبرى { وَكَذٰلِكَ
    جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}.

    يقول الإمام الشاطبي رحمه الله : ( إن الشريعة جارية في التكليف لمقتضاها على الطريق الوسط العدل الآخذِ
    من الطرفين بقسط لا ميل فيه، فإذا نظرت إلى كلية شرعية فتأملها تجدها حاملةً على التوسط والاعتدال، ورأيت
    التوسط فيها لائحاً، ومسلك الاعتدال واضحاً، وهو الأصل الذي يُرجع إليه، والمعقِل الذي يُلجأ إليه). ويقول الإمام
    العز بن عبد السلام رحمه الله : (الأولى بالمرء أن لا يأتي من أقواله وأعماله إلا بما فيه جلب مصلحة أو درء
    مفسدة ، مع الاعتقاد المتوسط بين الغلو والتقصير) .

    وللحديث بقية

  • #2
    الحقيقة

    تابع ........


    وتتجلّى حقيقة هذه الوسطية في كافة مجالات الحياة :

    ففي مجال الاعتقاد جاء الإسلام وسطاً بين الملل كلها ، فلا إلحاد وإعراض بالكلية ، ولا تدين يشوبه شرك ، بل
    عبودية خالصة لله في الربوبية والألوهية { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة
    ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة } .

    وفي مسألة الإيمان وسطٌ بين من جَفَوْا فلم يتعاهدوا إيمانهم ولم يتمسكوا بدينهم ، وبين من غلَوا فأخرجوا من
    دائرة الإيمان من عمل بعض المعاصي. والبعض كفروا بالكبيرة ، وأهل الحق لا يكفِّرون بالذنوب ما لم تُستحلّ،
    كما لم يجعلوا المذنب كامل الإيمان ، بل هو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته.

    وفي مسألة الغرائز والشهوات نجد أن أقواماً أعرضوا عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم في النكاح وتلبية
    الغرائز بالطرق المباحة ، بينما تجاوز آخرون وتهاونوا بالأعراض فارتكبوا الزنا واللواط . لكن هذه الملة السمحة
    راعت مقتضيات الفطرة وحققت الانسجام الكامل بين متطلبات الروح والجسد، بلا غلو في التجرّد الروحي، ولا
    في ارتكاس في الدرَك المادي، فلا رهبانية ولا مادية، بل تناسق واعتدال ، بنور من قوله تعالى { وَٱبْتَغِ فِيمَا
    ءاتَاكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا }.

    لقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بن مظعون رضي الله عنه عن التبتل ، وأنكر صلى الله عليه وسلم
    على من حرَّم نفسه طيبات الدنيا قائلاً: " أما إني أخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد،
    وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني". رواه البخاري ومسلم . كما حذَّرت الملة من الزنى وإطلاق
    العنان للشهوات والنزوات.قال تعالى { ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا }،وقال صلى الله عليه
    وسلم :" لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر
    حين يشربها وهو مؤمن ". رواه البخاري ومسلم وأبو داود .

    إن حقيقة هذه الشريعة أنها تنأى بأهلها عن كل الكبوات والنبوات والهزات والهفوات التي تُخِلُّ بغاية وجود
    الإنسان ، وتضيِّع حقوق البشر، وتفرط في تحقيق التوازن بين متطلبات الروح والجسد ، حيث تأرجحت كثير
    من النظم المادية ــ كما هو ظاهر معلوم ــ في المدنية الغربية التي تنطلق من نظرات ومقتضيات مادية صِرفة ،
    حتى تنادى عقلاؤهم ومنصفوهم بالحاجة إلى منهج يحقق التوازن بين الرغبات والتناسق بين المتطلبات ،
    ويرتفع بالبشرية إلى مستوى إنسانيتها وتحقيق قيمها ومثلها، وينتشلها مما تعاني منه من بؤس وطغيان
    وشقاء . ولن يجدوا ذلك إلا في هذه الشريعة الربانية الخالدة .

    ومن المجالات المهمة التي تبرز فيها حقيقة الوسطية : ما يتعلّق بالتحليل والتحريم ، حيث توسطت بين
    المتنطعين الذين حرموا على أنفسهم كثيراً من الطيبات ، وبين المتساهلين الذين استهانوا بالمحرمات
    والمنهيات.

    وفي منهج النظر والاستنباط نجد أن هذا الدين وازن بين الحفاظ على مصادر التلقي والاحتكام والرجوع إليها ،
    وبين الاستفادة من كل ما هو جديد في عالم المعرفة والتطور ، فلا جمود وتحجر وتقوقع، ولا انفلات وذوبان في
    حمأة المادية ، بل استِفادة من كل ما هو جديد مع المحافظة على الثوابت .

    وفيما يتعلق بالمرأة ، جاءت هذه الشريعة الغراء والمرأة مظلومة بين جاهليتين ، فكرَّمتها وحفظت حقوقها،
    وأكّدت على مكانتها وعِظم منزلتها، وجعلتها مرفوعةَ الرأس، عاليةَ المكانة، مرموقةَ القدْر، لها الاعتبارُ الأسمى
    والمقامُ الأعلى، تتمتّع بشخصيةٍ محترمة وحقوقٍ مقرّرة وواجبات معتبرة. نظرت إليها على أنها شقيقةُ الرجل،
    خُلِقا من أصل واحد، ليسعدَ كلٌّ بالآخر ويأنس به في هذه الحياة، في محيط خيرٍ وصلاح وسعادة، قال صلى الله
    عليه وسلم :"إنما النساء شقائق الرجال" . رواه أحمد وأبو داود والترمذي .

    كما سمت بها أن تكون أجيرة مستعبدة تُعامَل كسِقط المتاع ، فإنها صانتها من الوقوع في مستنقعات الرذيلة،
    وكفلت لها حريتها الشرعية، ونأت بها عن مسالك التحرر من القيم والهبوط إلى براثن الإباحية والانحلال ،
    والانسلاخ من الفضائل وسلوك مسالك التبرج والسفور والاختلاط المحرم ... إلى غير ذلك من الدعوات التي
    تنطلق من مبادئَ مُهلكةٍ ومقاييسَ فاسدة منتنة ، تزيِّن الشرورَ والفساد بأسماء برّاقة ومصطلحات خادعة.

    وفي مجال الأخلاق والسلوك تبرز حقيقة هذا الدين في قدرته على التوازن بين الجنوح إلى المثالية وبين
    الواقعية ، فشرع وسطيةً تزكي المشاعر، وتهذّب الضمائر، وتسمو بالتفكير والشعور، وتوازن بين متطلبات
    الفرد والمجتمع، وإعمال العقل والعاطفة، في تربية متوازنة، وتنسيق متَّسق بديع، على ضوء المنهج النبوي:
    " إن لنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، ولجسدك عليك حقاً، ولربك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه "
    أخرجه أحمد ومسلم.

    وفي النظام الاقتصادي تجلت الوسطية في الموازنة بين حرية الفرد وحق المجتمع، فهي تحترم الملكية الفردية
    وتقرها ، ولكن هذبتها بحيث لا تضر بمصلحة المجتمع . جاء الإسلام وسطاً بين رأسمالية ترعى الفرد على
    حساب الجماعة ، واشتراكية تلغي حقوق الأفراد وتملُّكَهم بحجة مصلحة الجماعة.

    وفي مجال الإنفاق قال تعالى { وَٱلَّذِينَ إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً }، قال حذيفة بن
    اليمان صلى الله عليه وسلم : (هو الحسنة بين سيئتين)، والمراد أن الإسراف سيئة والتقتير سيئة والحسنة ما
    بين ذلك، فخير الأمور أوسطها. وبرغم هذا السمو في التشريع فإننا نجد أقواماً منعوا الزكاة الواجبة وبخلوا
    بأموالهم، وآخرين تجاوزوا الحد فأخرجوا جميع ما في أيديهم وقعدوا يسألون الناس ويطمعون بما في أيديهم.

    ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد كِلا طرفي قصد الأمور ذميم .

    وللحديث بقية .... .

    التعليق


    • #3
      شكرا استاذ عاصم على الموضوع المهم عن أمر كل يدعيه ((الحقيقة))
      وفي انتظار البقية .

      التعليق


      • #4
        تابع الحقيقة

        تابع:......


        وفي مجال حرية الفرد وحرية الرأي والفكر والسلوك وغيرها، نجد أن هذه الشريعة أباحتها ولم تمنعها بل جعلت
        لها ضوابط بحيث تكون ضمن دائرة المشروع ومجانبة المحذور الممنوع .فلا إباحية فيما يكتب ولا إلحاد فيما
        ينشر ولا تمرد في السلوك على ضوابط الشريعة وقواعد الأخلاق والآداب العامة .

        وفي النظام السياسي حققت هذه الشريعة الوسطية بين النظم، مبيِّنةً حقوق الراعي والرعية، حاضةً على العدل
        والقسط، معليةً قيم الحق والأمن والسلام والسمع والطاعة بالمعروف، مترسمةً المنهج الشوري المتكامل ، وهي
        بهذا سبقت شعارات الديمقراطيات المعاصرة إلى تحقيق منافع البلاد والعباد في بعدٍ عن الاضطراب والفوضى ،
        واجتنبت الدكتاتورية في الحكم والاستبداد في الرأي {وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ } .

        ومما يجلي حقيقة هذا الدين أنه جمع بين الأصالة والمعاصرة ؛ بين الاعتصام بوحي معصوم لا يأتيه الباطل من
        بين يديه ولا من خلفه ، وبين مواكبة تطورات العصر ... لا كما يتوهمه البعض أنه ليس بين المسلمين وبين
        صناعة الطائرات سوى تمزيق الحجاب ، وأنه ليس بينهم وبين القنبلة الذرية سوى تنحية الشريعة ، وأنه ليس
        بينهم وبين التوصل إلى تقنية الأقمار الصناعية سوى جعل الناس ينحدرون في مستنقع الرذائل ويلِغون في
        معاصٍ تكاد السماوات يتفطرن منها وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً .

        إن الإسلام تميز بالثبات والمرونة، وحسن التعامل مع المتغيرات ، ووضع الضوابط للتكيف مع المستجدات ،
        فهو بثوابته وأصوله يستعصي على التميع والذوبان . وإن المساومة على هذه الثوابت لهو خيانة عظمى،
        وجنون لا عقل معه، وإغماء لا إفاقة فيه؛ إذ شرف المرء وشرف المجتمع إنما هو في الانتساب إلى الإسلام،
        والعمل به، والدعوة إليه، والثبات عليه حتى الممات . صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " كان الرجل
        فيمن كان قبلكم يُحفر له في الأرض، فيُجعل فيه، فيُجاء بالمنشار، فيوضع على رأسه، فيُشق باثنتين، وما يصدّه
        ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه " . رواه
        البخاري ومسلم.

        هذا هو الثبات في أعلى صوره وأجلى مظاهره ومن يتنكب عنه ويتنكر له إنما هو من صرعى الأفئدة المقلّدة،
        الذين لا يفرقون بين الثوابت والمتغيرات، أو ممن يضيفون الأسباب إلى غير مسبِّباتها، ويستسمنون كل ذي
        ورم، ثم هم يغفلون عن حقيقة هذا وذاك، فلو سرق إنسان في المسجد لعلت صيحاتهم تدعو إلى هدم المساجد
        أو إغلاقها، لئلا تتكرر السرقة زعموا، ولو أن امرأةً محجبة غشت وخدعت لتنادوا إلى نزع الحجاب، وبيان
        خطره، وأنه مظنة الغش والخداع، فلا هم في الحقيقة قطعوا يد السارق، ولا عزّروا تلك التي غشت وخدعت،
        وإنما دعوا لهدم المسجد ونزع الحجاب، وهذا هو سرّ العجب، وهو ما يثير الدهشة حينما ترى مثل هذا الفكر
        المقلوب، الذي لا صحيح فيه إلا أنه غير صحيح، وأحسن ما فيه أنه غير حسن .


        وللحديث بقية ...... .

        التعليق


        • #5
          الحقيقة

          تابع:......



          لقد استطاع الإسلام بمرونته أن يتكيف ويواجه التطور بلا جمود ولا تحجر، وبدون اتخاذ موقف سلبي من كل
          ما هو جديد نافع مفيد للمسلمين في دنياهم ومعاشهم . فهو يبني الحياة على القواعد الشرعية والنواميس
          المرعية التي تستجيب لحاجات الأمة في مختلف الظروف والأحوال { وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْماً لّقَوْمٍ يُوقِنُونَ}.

          الإسلام دين جاء بالرحمة وأمر بها ، فهي صورة من كمال الفطرة وجمال الخلُق، تحمل صاحبها على البر،
          وتــرسل عليه في الأزمات نسيماً عليلاً تترطّب معه الحياة ، وتأنس له الأفئدة . قال رسول الله صلى الله عليه
          وسلم : "من لا يرحم الناس لا يرحمه الله " رواه البخاري ومسلم، ورواه أحمد من حديث أبي سعيد رضي الله
          عنه وزاد : " ومن لا يغفر لا يُغفر له ". ، وفي الحديث: " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم
          كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ". رواه البخاري ومسلم .

          وربنا سبحانه وتعالى أرحم الراحمين، وخير الراحمين، وسعت رحمته كل شيء، وعمّ بها كل حي . ففي الحديث
          القدسي : " إن رحمتي تغلب غضبي ". رواه البخاري ومسلم .

          فما أشد افتقار الناس إلى التخلق بالرحمة التي تضمّد جراح المنكوبين، وتواسي المستضعفين المغلوبين، ولا
          سيما في هذا العصر، الذي غاضت فيه الرحمة من أكثر الخلق، فلا يسمع في هذا العصر لصرخات الأطفال، ولا
          لأنين الثكلى، ولا لحنين الشيوخ، ولا لكلمة الضعفاء، لا يسمع فيه إلا للغة القوة، ومنطق القدرة .

          لكن الرحمة ليست حناناً لا عقل معه ، وليست شفقة تتنكر للعدل والنظام، كلا، بل إنها خُلُق يرعى الحقوق كلَّها،
          قد تأخذ الرحمة صورةَ الحزم حين يؤخذ الصغير إلى المدرسة من أجل التربية وطلب العلم، فيُلزم بذلك إلزاماً،
          ويُكفّ عن اللعب كفاً، ولو تُرِكوا وما أرادوا لم يحسنوا صنعاً، ولم يبنوا مجداً.والطبيب يمزّق اللحم ويهشم العظم
          ويبتر العضو، وما فعل ذلك إلا رحمة بالمريض وعلاجه .

          وإن مما يؤسف له أنه باسم الرحمة حارب أقوامٌ إقامة حدود الله ، والأخذ على أيدي السفهاء، وأطرهم على
          الحق أطراً، غافلين عن أن إقامة الحدود هي الرحمة في مآلاتها، والحياة في كمالاتها {وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ
          يأُولِي ٱلأَلبَـٰبِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }.

          إن الشفقة على المجرمين تخفي أشدّ أنواع القسوة على الجماعة، لأنها تشجّع الشواذ على الإجرام وتدفعهم إلى
          المزيد من انتهاك أمن المجتمع وحرمة الناس وأعراضهم وأموالهم .



          وللحديث بقية:.......... .

          التعليق


          • #6
            تابع الحقيقة

            تابع:.....



            لقد شرع الإسلام نظاماً اقتصادياً قائماً على منع الظلم وتكافؤ الفرص وحماية الضعفاء، صغاراً ويتامى وفقراء
            ومساكين و أبناء سبيل (غرباء ) ، وراعى حماية الملكية الفردية، وحقوق الأغنياء ، وهكذا في كل مجال من
            مجالات الحياة الإنسانية جاء بما يكفل العدل ويحقق المصالح ويحفظ النظام ويصون الحقوق ويحدد الواجبات.

            جاء هذا الدين داعياً إلى التقدم والحضارة، والأوامر الشرعية في مجموعها تحقق التقدم في مختلف المجالات،
            فالنهضة الاقتصادية من عوامل التقدم ، ولا تقوم إلا إذا كان المال متحركا مشاعاً بين الناس، وليس في يد طبقة
            دون أخرى ، لذلك جاء التوجيه في كتاب الله { كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم } ولتحقيق ذلك فرض الله
            الزكاة وحرم الإحتكار، ومنع الربا، وهما الوسيلتان لجعل المال بيد الأغنياء وحدهم. فإذا طبق هذا النظام المالي
            الإلهي تحققت العدالة الاجتماعية، والنهضة الاقتصادية.

            ومن غرائب الزمان وعجائب الأيام أن البعض اختزلوا هذا الدين في أفكارهم واجتهاداتهم القاصرة فلم يعد قابلاً
            للتطبيق إلا في بيئة ضيقة وناحية محدودة ، بينما حاول آخرون إقصاءه عن كافة جوانب الحياة وحجره
            واختصاره في الأحوال الشخصية ، بحجة أنه لا يناسب هذا العصر كنظام حياة . ولكن حقيقة هذا الدين أنه
            رسالة إلى كل الأجيال منذ بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وحتى قيام الساعة . إنه دين عالمي شامل لكل شيء
            { وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً ولكن أكثر الناس لا يعلمون }.{ إن هو إلا ذكر للعالمين }.

            فهذه الرسالة تشمل حياة الإنسان بكل جوانبها روحاً وعقلاً ومادة ، لأنها تضمنت من التشريعات ما يضمن
            سلامة البدن ونشاطه وصحته وحفظه من الأمراض ، وما فيه إصلاح الفرد والجماعة ، وكما اهتمت بحياة
            الفرد في كل جوانبها، اهتمت كذلك بالجماعة ، فشرعت من النظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ما يكفل
            بناء مجتمع راق متحضر يعبد الله ويبني الحياة على أحسن نظام .

            وللحديث بقية: ........ .

            التعليق


            • #7
              تابع الحقيقة

              تابع:.......


              لقد أباحت الشريعة الترويح عن النفس وجعلت له ضوابط محكمة تحقق للنفس متعتها ولا تضر بالدين
              والآداب . لكن البعض تشدد وتنطع وضيق على نفسه واسعاً فلم يسمح لنفسه أن يأخذ فسحة مباحة مع أسرته
              بحجة إضاعة الوقت وإهدار الزمان . لقد سابق النبي صلى الله عليه وسلم عائشة وكان يتبسم ويضحك حتى
              تبدو نواجذه وكان الصحابة رضي الله عنهم يداعبونه ، وكان الحبشة يلعبون في المسجد بالحراب وهو ينظر
              إليهم . وتسابق الصحابة رضي الله عنهم على الخيل وكانوا يتراشقون البطيخ. فالترويح المباح المنضبط أمر
              مطلوب وشيء مرغوب لأنه ينشط النفوس ويحفزها على العمل والإنتاج .

              وفريق آخر اتخذ من إباحة الترويح حجة للغرق في المعاصي والتفسخ والانحلال وما أكثر ما نرى ونسمع في
              الإجازات عن انتشار ألوان المنكرات والمعاصي . ومن المعلوم أن شؤم المعصية لا يقتصر على فاعلها فقط ،
              بل إنه يمتد ليشمل من حوله فيخيم هذا الشؤم على المجتمع الذي هو فيه، ولذا قال تعالى { واتقوا فتنة لا
              تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة}. فالمعصية تغلِق أبواب البركة وتوصد أبواب الرحمة باباً بعد باب . فإذا لم
              يرجع الناس عن المعاصي واستفحل الفساد وعم الخراب وطم ؛ تأتي تنزل العقوبات وتتابع المحن ولا يرفعها الله
              إلا بالتوبة والإصلاح { وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون }.

              إن حقيقة هذا الدين : وسطية شاملة جامعة لكل أمور الدين والدنيا والآخرة ، بل إنها وجه من وجوه الإعجاز
              فيه وسبب لصلاحيته لكل زمان ومكان .


              وللحديث بقية:............ .

              التعليق


              • #8
                تابع الحقيقة

                تابع:............




                إن هذه الوسطية تجعل مسؤولية الأمة الإسلامية عظيمة ودورَها في ريادة العالم مُلِحّ ، فهي أمة رائدة تقود
                البشرية إلى ما فيه خيرها وسعادتها، قيادةً تُصان فيها الحقوق ، وتتحقق العدالة ، وتُحفظ الكرامة، ويُبسط
                السلام، وتُبنى الحضارة بأسس ثابتة من التقوى والخير والعدل والسلام ، بعد أن شقي العالم بألوان الصراعات،
                وأُنهكت البشرية بأنواع من الصدامات، وتقاذفت الإنسانية أمواج من الأنظمة والأهواء، ومُزقت كياناتها في
                رحلة منهكة من الضياع ، وهوةٍ سحيقة من الفناء، وبُؤر عميقة من التيه والعدم ، رافق ذلك كله ألوان من
                الصلف والتطرف والأحادية في الرأي والشطط في الرؤى والمواقف، ولئن صار حال العالم إلى ما نراه اليوم من
                ضياع وصراع فإن الأمل ـ بعد الله ـ في أن تـنهض هذه الأمة من عثرتها وتفيق من غفلتها وتجمع من شتاتها
                لتمارس دورها الريادي وتؤسس مشروعها الحضاري بمنهج قويم وصراط مستقيم { وَأَنَّ هَـٰذَا صِرٰطِي مُسْتَقِيمًا
                فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذٰلِكُمْ وَصَّـٰكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.

                هذه هي حقيقة الإسلام في وسطيته وسماحته ويسره واعتداله ، التي تشهد صراعاً بين طرفي نقيض .

                فأين هذه السماحة من التطرف الصهيوني والصلف اليهودي الذي يبرز من خلال شلالات الدم المسلم المتدفق
                على ثرى فلسطين الجريحة؟! أين هذه السماحة من التطرف الهندوسي الوثني على رُبى كشمير الصامدة؟! أين
                هذا التيسير من التطرف الإلحادي الذي ظل زماماً يفتك بالأبرياء في أرض كوُسوُفا والشيشان المسلمة؟! أين
                هذا من المتلاعبين بالمصطلحات والألفاظ الذين أصبح عندهم المتطرف في قتل المسلمين وظلمهم وإرهابهم
                رجلَ أمن وسلام، والمظلومون المطالبون بحقوقهم الشرعية المقاومون للاحتلال ضد عقيدتهم وبلادهم ومن
                يساندهم في حملات إغاثية وتبرعات مادية وعينية إنَّ هؤلاء في نظرهم إرهابيون متطرفون .

                والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد .


                الدكتور سعد بن عبد الله البريك

                التعليق


                • #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة سلمان سحاري مشاهدة مشاركة
                  شكرا استاذ عاصم على الموضوع المهم عن أمر كل يدعيه ((الحقيقة))
                  وفي انتظار البقية .
                  مرحباً بك أخي سلمان سحاري وشكراً لك وها قد وصلت البقية وبالله التوفيق .

                  التعليق

                  KJA_adsense_ad6

                  Collapse
                  جاري التنفيذ...
                  X