الوصف المتحرك في الشعر الشعبي والفصيح

الوصف المتحرك في الشعر يشبه التصوير السينمائي وبالذات الأفلام الوثائقية التي أخرجها فنان.
مسلم بن الوليد يصف الصحراء
تجري بها الرياح حسرى مولهة *** حيرى تلوذ بأطراف الجلامي
راكان بن حثلين يصف جبال طويق
وخشوم طويق فوقنا كن وصفها *** صقيل السيوف اللي تجدد جرودها
من الوصف المتحرك البديع، قول الفرزدق يفخر بجده غالب:
وركبٍ كأن الريح تطلب عند هملها *** ترَةً من جذبهـا بالعصائـب
سروا يخبطون الليل وهي تلفهم *** إلى شعب الأكوار من كل جانـب
إذا آنسوا ناراً يقولـون: ليتهـا *** وقد خصرت أيديهم - نار غالب
سروا يخبطون الليل وهي تلفهم *** إلى شعب الأكوار من كل جانـب
إذا آنسوا ناراً يقولـون: ليتهـا *** وقد خصرت أيديهم - نار غالب
لقد جعلنا الفرزدق نرى الركب السارين بليل بارد عاصف والريح تجذبهم ذات اليمين والشمال وتقلبهم حتى يكادوا يسقطون من ظهور إبلهم لشدة جذب الرياح لهم وكأنها تطلب منهم ثأراً وتمعن فيهم تنكيلاً وانتصاماً، ومع قوة هذه الريح وزئيرها فهي أيضاً باردة كالثلج (حشفاً وسوء كيلة) قد جمدت أيديهم وأوقفت جريان الدماء في عروقهم، فماذا يتمنون في ليلة ليلاء باردة عاصفة كهذه الليلة ( ) كلما لمحوا ناراً بعيدة - وهي رمز الضيافة -
يتمنون أن تكون نار غالب بن همام جد الفرزدق لأنه مضياف مسرف الكرم يبشرون إن وجدوا ناره بالدفء والأمن والطعام الوفير الطيب والاستقبال المرحب المهلل (ووجه الكريم خصيب)..
يتمنون أن تكون نار غالب بن همام جد الفرزدق لأنه مضياف مسرف الكرم يبشرون إن وجدوا ناره بالدفء والأمن والطعام الوفير الطيب والاستقبال المرحب المهلل (ووجه الكريم خصيب)..
ويقول الفارس والشاعر المشهور راكان بن حثلين وهو مأسور لدى الأتراك ورأى من النافذة برقاً أشعل خياله وشغل باله
«أخيل يا حمزه سنا نـوض بـارق *** يغري من الظلما حناديـس سودهـا
على ديرتي رفرف لها مرهش نشـا *** وتقفاه من دهم السحايب حشودهـا
فيا الله يا المطلوب يا قايـد الرجـا *** ياعالـم نفسـي رداهـا وجودهـا
أنك توفقها علـى الحـق والهـدى **** ما دام خضرا ما بعد هـاف عودهـا
وابدل لها عسـر الليالـي بيسرهـا *** وجل المشاكل فـلّ عنهـا عقودهـا
تفرج لعين لا ضـوى الليـل كأنهـا *** رمـداً وذارفهـا تغشـى خدودهـا
وكبد من اسقـام الليالـي مريضـة *** عليها من جمـر اللهايـب وقودهـا
تقطعـت الارمـاس عنـا ولا بقـى *** إلا ودود دايــم فــي وجـودهـا
فيا حظ من ذعذع على خشمه الهوى *** وتنشق من أوراق الخزامى فنودهـا
ويمم الصمان الـى نشـف الثـرى *** من الطف والأحادرٍ مـن نفودهـا»
على ديرتي رفرف لها مرهش نشـا *** وتقفاه من دهم السحايب حشودهـا
فيا الله يا المطلوب يا قايـد الرجـا *** ياعالـم نفسـي رداهـا وجودهـا
أنك توفقها علـى الحـق والهـدى **** ما دام خضرا ما بعد هـاف عودهـا
وابدل لها عسـر الليالـي بيسرهـا *** وجل المشاكل فـلّ عنهـا عقودهـا
تفرج لعين لا ضـوى الليـل كأنهـا *** رمـداً وذارفهـا تغشـى خدودهـا
وكبد من اسقـام الليالـي مريضـة *** عليها من جمـر اللهايـب وقودهـا
تقطعـت الارمـاس عنـا ولا بقـى *** إلا ودود دايــم فــي وجـودهـا
فيا حظ من ذعذع على خشمه الهوى *** وتنشق من أوراق الخزامى فنودهـا
ويمم الصمان الـى نشـف الثـرى *** من الطف والأحادرٍ مـن نفودهـا»
فمن زنزانة ضيقة في سجن كريه، ومن خلل نافذة أصغر من الصغيرة، سرى خيال الفارس راكان بن حثلين مع وميض البروق وهدير الرعود وانسكاب السحاب، سرى من أقصى تركيا إلى الصمان والدهناء، بل وقبل هذا ارتفع إلى السماء في دعاء الله - جل وعز - دعاء ضارع خاشع يصف فيه حاله بالتفصيل..
إن هذا دليل على أن الخيال المبدع أسرع من الطائرة والعين وأبرع من أي صديق أو سمير في تسلية النفس وتسرية الهموم.
إن هذا دليل على أن الخيال المبدع أسرع من الطائرة والعين وأبرع من أي صديق أو سمير في تسلية النفس وتسرية الهموم.
وللمتنبي يصف أسداً
ورد إذا ورد البحيرة شارباً *** ورد الفرات زئيره والنيلا
فقدم لنا صورة متحركة لشيء يسمع ولا يرى وهو الصوت وهي صورة رائعة كعادة شاعر العربية الكبير.
الإنسان بلا خيال كنظارات بلا عينين، فالخيال هو الذي يغوص على المشاعر ويدخل في السرائر والضمائر ويسافر بصاحبه إلى أنحاء الدنيا وهو جالس، والخيال هو روح الشعر ومن دونه يصبح الشعر جسداً بلا روح، مجرد نظم ممجوج.
كأن السباع فيه غرقى عشية.. بأرجائه القصوى أنابيش عنصل
(أمرؤ القيس في السيل) يقول امرؤ القيس في وصف متحرك لسيل عرم أصاب جزيرة العرب في الجاهلية:
أصاح ترى برقاً أريك وميضـــه *** كلمــع اليدين في حبيّ مكــلل
يضيء سناه، أو مصابيح راهب *** أمال السليـــط بالذبّال المفتل
فأضحى يسح الماء حول كتيفة *** يكب على الاذقان دوح الكنهبل
ويتماء لم يترك بها جذع نخلة *** ولا اطمــــا الا مشـــيدا بجندل
كان ثبيراً في عرانين وبلـــــــه *** كبيــر اناس في بجـــاد مزمل
كأن ذرى رأس المجيمر غـــدوة *** من السيل والغثاء فلكة مغزل
والقى بصحراء الغبيط بعاعــــه *** كصـــدع اليماني ذي العياب المحمل
كان مكاكي الجــــواء غديــــة *** صبحن سلافاً من رحيق مفلفل
كأن السباع فيه غرقى عشية *** بأرجائه القصوى أنابيش عنصل»
يضيء سناه، أو مصابيح راهب *** أمال السليـــط بالذبّال المفتل
فأضحى يسح الماء حول كتيفة *** يكب على الاذقان دوح الكنهبل
ويتماء لم يترك بها جذع نخلة *** ولا اطمــــا الا مشـــيدا بجندل
كان ثبيراً في عرانين وبلـــــــه *** كبيــر اناس في بجـــاد مزمل
كأن ذرى رأس المجيمر غـــدوة *** من السيل والغثاء فلكة مغزل
والقى بصحراء الغبيط بعاعــــه *** كصـــدع اليماني ذي العياب المحمل
كان مكاكي الجــــواء غديــــة *** صبحن سلافاً من رحيق مفلفل
كأن السباع فيه غرقى عشية *** بأرجائه القصوى أنابيش عنصل»
فهذا السيل قلب الدنيا عاليها سافلها والشاعر يراقبه مدهوشاً يصور بخياله المتحرك ما يسجل الصور على مر الدهر، فالجبل العظيم لم يظهر إلا رأسه كأنه رأس شيخ قوم، أما الأشجار الهائلة فكبها السيل على الأذقان، وغطى الربا، وساوى المرتفعات بالمنخفضات وأغرق السباع المفترسات حتى طغت على بحره جثثاً صغيرة كأنها من بعيد وفي محيطه الكبير مجرد جذور بصل بري، الوحيدة السعيدة بهذا المطر الهائل هي طيور المكاكي التي أخذت تغرد كأنها سكرى، الشاعر أيضاً سعيد بهذا المنظر المهول الفريد.
ويقول ابن الرومي في وصف صبا نجد وقد مرت كنسيم النعيم:
هبت سحيرا فناجى الغصن صاحبه *** موسوساً وتنادى الطير اعلانا
ورق تغنى على خضــر مهدلة *** تسمو بها وتشم الأرض أحيانا
تخال طائرها نشوان من طرب *** والغصن من هزه عطفيه نشوانا
انه عرس الطبيعة صوره الشاعر في لوحات رائعة بديعة.. ورق تغنى على خضــر مهدلة *** تسمو بها وتشم الأرض أحيانا
تخال طائرها نشوان من طرب *** والغصن من هزه عطفيه نشوانا
***
وفي وصف حصان عربي يعدو بسرعة مذهلة يقول شاعرنا الشعبي ابن سبيل:
يجفل إلى زول مع الحزم زيلان *** ما يدركه بالمشي رقط الجناح
يشدي قطاة طالعت حوم عقبان *** صرت وصاعتها هبوب الرياح
يشدي قطاة طالعت حوم عقبان *** صرت وصاعتها هبوب الرياح
شبه سرعة هذا الحصان الأصيل بشدة طيران قطاة لحقها عقاب وتقفتها ريح ضاعفت سرعتها في هروبها من مخالب العقاب!
راكان بن حثلين في وصف رماح قومه:
ومواصيل بارقاب القنا كأن وصفها *** الاسن سلق متعبتها طرودها
شبه حركة الرماح في سرعة ذهابها وايابها بسرعة السنة السلق ( كلاب الصيد ) التي تعبت من شدة طرد الصيد وهو تشبيه متحرك رائع.
وقال في وصف جواده:
على جواد مثل ظبي الرمال *** مثل العنود اللي ترب العثامير
العنق عنق اللي شطتها الغزال *** واذنين مثل مغلقات الكوافير
والصدر خزقين من البز غالي *** أو باب حضر ربعوه النجاجير
وذرعان مثل مليحات السيال *** وسيقان مثل مهدفات النواعير
العنق عنق اللي شطتها الغزال *** واذنين مثل مغلقات الكوافير
والصدر خزقين من البز غالي *** أو باب حضر ربعوه النجاجير
وذرعان مثل مليحات السيال *** وسيقان مثل مهدفات النواعير
فاختار لأجزاء جواده أكمل الأوصاف المناسبة لمقتفى الحال،
الخلاصة ان الوصف المتحرك والمفصل من روائع الإبداع...
مما راق لي ..






التعليق