نظرات فى خطبة صناديق النذور بريئة
الخطيب احمد الجوهرى والخطبة تدور حول النذور حلالها وحرامها وفى مستهل خطبته تحدث عن أن من صفات المؤمنين بالوفاء بالنذر فقال :
"أما بعد فيا أيها الإخوة! أثنى الله -تبارك وتعالى- على أهل الإيمان فقال: "يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا". [الإنسان: 7] فمدحهم لأنهم وفوا بما نذروا يُعلمنا هذا أن الوفاء بالنذر من شيم المؤمنين وخصال الإيمان المتين، ويعلمنا كذلك أن النذر قربى من القربات وعبادة من العبادات التي يتعبد بها لله -تعالى- ولا ينبغي لما كان كذلك أن يصرف لغيره -عز وجل-."
ثم تحدث عن أن بعض الناس حولوا طاعة الله لمعصية من خلال النذر لفلان أو لعلان أو فلانة أو علانة أو مكان ما أو غير هذا فقال :
"لكن نفراً من المسلمين وليسوا بالقلة وإنما هم كثيرون صرفوا هذه العبادة لغير الله -تعالى- فمنهم من راح يبذلها رخيصة سهلة عند قبر أو ضريح أو مشهد سواء لصاحب الضريح أو سدنته وخدمه فحادوا بذلك عن سواء السبيل وفي هذا اللقاء -أيها الإخوة- نتحدث عن هذا الموضوع ونتناوله من جميع جوانبه حتى نحذَر ونُحذِّر مما فعلوا."
وتحدث عن كون النذر واحدة من العبادات فذكر قصة نذر والدة مريم لها فقال :
"أولاً هل النذر عبادة؟
يجب أن نبحث عنه في القرآن الكريم والسنة المطهرة المشرفة حتى نعرفه فتعالوا بنا نطوف سويّاً في آيات القرآن الكريم التي ذكر فيها النذر وما يتصل به عسانا نعرف الجواب السديد والقول الرشيد. فمن هذه الآيات التي تدلنا على ذلك قوله -تعالى- عن سيدة كريمة وزوج رجل صالح كريم وأم أنثى كريمة وجدة نبي كريم عليهم جميعاً السلام من العزيز الكريم، إنها امرأة عمران أم مريم وجدة عيسى ابن مريم وهؤلاء جميعاً هم آل عمران إنها حنة بنت فاقوذ التي قص الله علينا قصتها في القرآن الكريم في سورة سماها باسم هؤلاء الآل آل عمران فقال -تعالى-: "إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34) إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37) [آل عمران/33 - 37] "
فهذه امرأة صالحة تعلم قدر النذر وعظمته وشأن التقرب به إلى الله -تعالى- فنذرت إن رزقها الله بذكر أن تجعله خادماً لبيت الله -تعالى- فلما رزقها الله أنثى جعلتها لبيت الله وكانت تتمنى أن يكون ذكراً ليفيد في الخدمة أكثر وأعظم.
وقولها: إني نذرت لك ما في بطني محرراً؛ محرراً: أي خالصاً لك لا يشغله شيء عنك فهذا الله يخبر عن امرأة صالحة تعرف أن الله -تعالى- يحب النذر ويحب من فعله فتقربت إليه بما يحبه وتلك هي العبادة.
فالعبادة هي: كل ما يحبه الله -تعالى- من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
ولما ربى الله هذه الأنثى المباركة التي نذرتها أمها لخدمة بيت المقدس وصار لها شأن عظيم أراد الله -تعالى- أن تكون مصدر آية بل وأن تكون هي كذلك أية من آياته سبحانه فكانت هذه الأنثى هي مريم أم عيسى (ص* كما نعرف جميعا من قصتها وفيها أنها لما خافت قومها وأرادت أن تدافع عن نفسها قال لها الملك يلقنها موقفها وتصرفها: "فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (26)."
واستخلص الخطيب من الآية كون النذر حكم من أحكام الله التى كانت فى الرسالات السابقة وهى موجودة فى الرسالة الأخيرة فقال :
"ها هو النذر ـ مرة أخرى ـ يأتي ذكره على لسان صالحة من آل عمران فالنذر إذاً عبادة قديمة شرعها الله للتقرب إليه سبحانه.
ومن هذه الآيات التي تدلنا على أن النذر عبادة قوله -تعالى-: "وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه وما للظالمين من أنصار". فالله -تعالى- يخبر بأنه عالم بجميع ما يفعله العاملون من الخيرات من النفقات والمنذورات، وتضمن مجازاته على ذلك أوفر الجزاء للعاملين لذلك ابتغاء وجهه ورجاء موعوده، وتوعد من لا يعمل بطاعته بل خالف أمره وكذب خبره وعبد معه غيره، ولاحظ أخي الكريم هذا الارتباط في قوله -تعالى-: "وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر"فالصدقة والنذر كلاهما طاعة يتقرب بها العبد لله فكما أن الصدقة عبادة فالنذر عبادة وكلاهما يتزلف ويتقرب العباد به لربهم جل وعلا."
وتفسيرى للنذر فى الآية هو أنه أى عمل صالح وفى تفسيرها قلت:
وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه وما للظالمين من أنصار"يفسره قوله تعالى بسورة المزمل"وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله"وقوله بسورة الطلاق"وإن الله قد أحاط بكل شىء علما "وقوله بسورة الشورى"والظالمون ما لهم من ولى"فالإنفاق أى النذر هو تقديم الخير للنفس كما بسورة المزمل وعلم الله به هو إحاطته بكل شىء كما بسورة الطلاق والأنصار هم الأولياء كما بسورة الشورى ومعنى الآية وما عملتم من عمل أى فعلتم من فعل فإن الله يعرفه وما للكافرين من أولياء،يبين الله للناس أنهم ما أنفقوا من نفقة أى ما نذروا من نذر والمراد ما عملوا من عمل إلا يعلمه الله أى يعرفه الله ،ويبين الله لنا أن الظالمين وهم الكافرين ليس لهم أنصار أى أولياء ينقذونهم من عذاب الله
وتحدث عن الوفاء بالنذر فى آيات الحج فقال :
"والله -تعالى- يخبر أنه يعلم بذلك ويجازي عليه الذين يعملونه، أما الذين يصرفونه لغير الله فيتوعدهم الله -تعالى- على ذلك بأن الله ينصر المؤمنين أما هم فما لهم من أنصار وهذا يدل على أن النذر كالصدقة طاعة، لأنه -تعالى- يجازي عليه، فهذه الآية أيضاً تبين لنا أن النذر عبادة يتقرب بها إلى الله كالصوم والصلاة.
ومن الآيات التي تدلنا على هذا المعنى ـ كذلك أيها الإخوة ـ قوله -عز وجل-: "وليوفوا نذورهم" وذلك أن الله -تعالى- أخبر أن من منافع الحج التي تعود على أهله والقائمين به منافع دنيوية ومنافع أخروية، أما منافع الآخرة فرضوان الله -تعالى- الذي يحصلونه بالطاعات التي يعملونها من الطواف بالبيت وذكر الله -تعالى- والهدى وغيرها من أعمال الحج ومن هذه العبادات الوفاء بالنذر الذي نذروه للبيت قال سبحانه: "وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29) [الحج/27 - 29] "فأخبر الله أن الحج فرصة لوفاء الناذر لهدي أو ذبح أو غيره عند البيت أن يفي بنذره في هذا المكان المبارك وهذا لا يكون عليه من الله -تعالى- هذا الحث الشديد إلا إن كان عبادة من أجلّ العبادات."
وذكر الآية ألخرى التى بدأ بها الخطية فى الوفاء بالنذر فقال :
"ومن هذه الآيات التى تدلنا على أن النذر قربى وعبادة الآية التي قدمناها في صدر الخطبة وهي قوله -تعالى-: " يُوفُونَ بِالنَّذْرِ " فقد دلت على أن النذر طاعة وعبادة وقربى إلى رب العالمين -سبحانه وتعالى- يمدح أصحابها ويثنى عليهم ويعدهم الجزاء الحسن، فقد وردت هذه الآية في سياق صفات الأبرار في سورة الإنسان قال -تعالى-: "إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (5) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (6) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7) [الإنسان: 5، 7] ". وهذا بلا شك ثناء ومدح وتعظيم لهذه الصفة في ضمن مدحهم وثنائهم وتعظيمهم وهو يدل ـ بلا شك ـ على أنها قربى وعبادة يحبها الله -تعالى- ويرضاها. قال الحافظ ابن حجر: يُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ الْوَفَاء بِهِ قُرْبَةٌ لِلثَّنَاءِ عَلَى فَاعِله، لَكِنَّ ذَلِكَ مَخْصُوص بِنَذْرِ الطَّاعَة، وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق مُجَاهِد فِي قَوْله -تعالى- (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ) قَالَ: إِذَا نَذَرُوا فِي طَاعَة اللَّه، قَالَ الْقُرْطُبِيّ: النَّذْر مِنْ الْعُقُود الْمَأْمُور بِالْوَفَاءِ بِهَا الْمُثْنَى عَلَى فَاعِلهَا."
قطعا النذر هو أى طاعة يفرضها المسلم على نفسه دون أن يفرضها الله عليه فهو شىء زائد على الفرائض وعرف النذر يقول قتادة فقال:
"قال قتادة: كانوا ينذرون طاعة الله من الصلاة والصيام والزكاة والحج والعمرة وما افترض عليهم فسماهم الله أبراراً.
هذا ـ أيها الإخوة ـ من القرآن الكريم، فإذا ما ذهبنا نطوف في أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- وجدناها هي الأخرى قد دلت على أن النذر طاعة وعبادة لله كذلك ففي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يَعْصِه».
والحديث صريح في أن النذر طاعة وما كان طاعة فهو عبادة لله -تعالى- وفي الحديث الذي تقدم معنا في اللقاء السابق عن ثابت بن الضحاك -رضي الله عنه- قال:" نذر رجل أن ينحر إبلا ببوانة، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم: فقال: "هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ "قالوا: لا قال: "فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ ". قالوا: لا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم».
فأمره النبي أن يمضي ما نوى من الخير والطاعة لمّا لم يكن ثم مانع، والحديث أخرجه أبو داود وإسناده على شرط الصحيحين.
فإذا ثبت -أيها الإخوة- أن النذر عبادة من العبادات فإنه لا يصرف إلا لله -تعالى- وحده، ويحرم أن يصرف لغيره"
والمستفاد من الكلام ان النذر يكون بعمل طاعة زائدة لله وليس بعمل معصية
وتحدث عمن ينذرون عمل معاصى فقال :
ثانياً: حكم من نذر لغير الله.
أيها الإخوة الكرام! ثبت لنا أن النذر عبادة وطاعة يتقرب بها العبد إلى ربه سبحانه وهذا بالطبع إذا كان النذر في طاعة وليس في معصية كما سمعنا في حديث عائشة: من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه" فمن نذر نذر طاعة فليوف به وليفعله ومن نذر نذر معصية فلا يعمل به ولا يأته ولا يفعله. وبعض الناس يفهم خطأ أن النذر كله غير مرغوب فيه في الشرع المطهر فهماً منهم لبعض الأحاديث التي فيها أن النذر لا يأتي بخير وأنه إنما يستخرج به من البخيل
والتحقيق أن النذر نوعان: نذر مجازاة ونذر ابتداء فنذر المجازاة هو أن يقول الشخص شيئاً يلتزم فيه قربة من القربات في مقابل حدوث نعمة أو اندفاع نقمة، كما نسمع من بعض الناس يقول: إن نجح ابني فعلي لله كذا أذبح خروفًا، أتصدق بمائة جنيه وهكذا أو يقول: إن شفى الله مريضي تصدقت، أو إن عافاني الله من هذه المصيبة سأحج إلى بيته، أو فلله على أن أصوم كذا يوم، فهذا علق النذر على حصول شرط وهذا معنى المجازاة.
الخطيب احمد الجوهرى والخطبة تدور حول النذور حلالها وحرامها وفى مستهل خطبته تحدث عن أن من صفات المؤمنين بالوفاء بالنذر فقال :
"أما بعد فيا أيها الإخوة! أثنى الله -تبارك وتعالى- على أهل الإيمان فقال: "يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا". [الإنسان: 7] فمدحهم لأنهم وفوا بما نذروا يُعلمنا هذا أن الوفاء بالنذر من شيم المؤمنين وخصال الإيمان المتين، ويعلمنا كذلك أن النذر قربى من القربات وعبادة من العبادات التي يتعبد بها لله -تعالى- ولا ينبغي لما كان كذلك أن يصرف لغيره -عز وجل-."
ثم تحدث عن أن بعض الناس حولوا طاعة الله لمعصية من خلال النذر لفلان أو لعلان أو فلانة أو علانة أو مكان ما أو غير هذا فقال :
"لكن نفراً من المسلمين وليسوا بالقلة وإنما هم كثيرون صرفوا هذه العبادة لغير الله -تعالى- فمنهم من راح يبذلها رخيصة سهلة عند قبر أو ضريح أو مشهد سواء لصاحب الضريح أو سدنته وخدمه فحادوا بذلك عن سواء السبيل وفي هذا اللقاء -أيها الإخوة- نتحدث عن هذا الموضوع ونتناوله من جميع جوانبه حتى نحذَر ونُحذِّر مما فعلوا."
وتحدث عن كون النذر واحدة من العبادات فذكر قصة نذر والدة مريم لها فقال :
"أولاً هل النذر عبادة؟
يجب أن نبحث عنه في القرآن الكريم والسنة المطهرة المشرفة حتى نعرفه فتعالوا بنا نطوف سويّاً في آيات القرآن الكريم التي ذكر فيها النذر وما يتصل به عسانا نعرف الجواب السديد والقول الرشيد. فمن هذه الآيات التي تدلنا على ذلك قوله -تعالى- عن سيدة كريمة وزوج رجل صالح كريم وأم أنثى كريمة وجدة نبي كريم عليهم جميعاً السلام من العزيز الكريم، إنها امرأة عمران أم مريم وجدة عيسى ابن مريم وهؤلاء جميعاً هم آل عمران إنها حنة بنت فاقوذ التي قص الله علينا قصتها في القرآن الكريم في سورة سماها باسم هؤلاء الآل آل عمران فقال -تعالى-: "إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34) إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37) [آل عمران/33 - 37] "
فهذه امرأة صالحة تعلم قدر النذر وعظمته وشأن التقرب به إلى الله -تعالى- فنذرت إن رزقها الله بذكر أن تجعله خادماً لبيت الله -تعالى- فلما رزقها الله أنثى جعلتها لبيت الله وكانت تتمنى أن يكون ذكراً ليفيد في الخدمة أكثر وأعظم.
وقولها: إني نذرت لك ما في بطني محرراً؛ محرراً: أي خالصاً لك لا يشغله شيء عنك فهذا الله يخبر عن امرأة صالحة تعرف أن الله -تعالى- يحب النذر ويحب من فعله فتقربت إليه بما يحبه وتلك هي العبادة.
فالعبادة هي: كل ما يحبه الله -تعالى- من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
ولما ربى الله هذه الأنثى المباركة التي نذرتها أمها لخدمة بيت المقدس وصار لها شأن عظيم أراد الله -تعالى- أن تكون مصدر آية بل وأن تكون هي كذلك أية من آياته سبحانه فكانت هذه الأنثى هي مريم أم عيسى (ص* كما نعرف جميعا من قصتها وفيها أنها لما خافت قومها وأرادت أن تدافع عن نفسها قال لها الملك يلقنها موقفها وتصرفها: "فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (26)."
واستخلص الخطيب من الآية كون النذر حكم من أحكام الله التى كانت فى الرسالات السابقة وهى موجودة فى الرسالة الأخيرة فقال :
"ها هو النذر ـ مرة أخرى ـ يأتي ذكره على لسان صالحة من آل عمران فالنذر إذاً عبادة قديمة شرعها الله للتقرب إليه سبحانه.
ومن هذه الآيات التي تدلنا على أن النذر عبادة قوله -تعالى-: "وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه وما للظالمين من أنصار". فالله -تعالى- يخبر بأنه عالم بجميع ما يفعله العاملون من الخيرات من النفقات والمنذورات، وتضمن مجازاته على ذلك أوفر الجزاء للعاملين لذلك ابتغاء وجهه ورجاء موعوده، وتوعد من لا يعمل بطاعته بل خالف أمره وكذب خبره وعبد معه غيره، ولاحظ أخي الكريم هذا الارتباط في قوله -تعالى-: "وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر"فالصدقة والنذر كلاهما طاعة يتقرب بها العبد لله فكما أن الصدقة عبادة فالنذر عبادة وكلاهما يتزلف ويتقرب العباد به لربهم جل وعلا."
وتفسيرى للنذر فى الآية هو أنه أى عمل صالح وفى تفسيرها قلت:
وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه وما للظالمين من أنصار"يفسره قوله تعالى بسورة المزمل"وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله"وقوله بسورة الطلاق"وإن الله قد أحاط بكل شىء علما "وقوله بسورة الشورى"والظالمون ما لهم من ولى"فالإنفاق أى النذر هو تقديم الخير للنفس كما بسورة المزمل وعلم الله به هو إحاطته بكل شىء كما بسورة الطلاق والأنصار هم الأولياء كما بسورة الشورى ومعنى الآية وما عملتم من عمل أى فعلتم من فعل فإن الله يعرفه وما للكافرين من أولياء،يبين الله للناس أنهم ما أنفقوا من نفقة أى ما نذروا من نذر والمراد ما عملوا من عمل إلا يعلمه الله أى يعرفه الله ،ويبين الله لنا أن الظالمين وهم الكافرين ليس لهم أنصار أى أولياء ينقذونهم من عذاب الله
وتحدث عن الوفاء بالنذر فى آيات الحج فقال :
"والله -تعالى- يخبر أنه يعلم بذلك ويجازي عليه الذين يعملونه، أما الذين يصرفونه لغير الله فيتوعدهم الله -تعالى- على ذلك بأن الله ينصر المؤمنين أما هم فما لهم من أنصار وهذا يدل على أن النذر كالصدقة طاعة، لأنه -تعالى- يجازي عليه، فهذه الآية أيضاً تبين لنا أن النذر عبادة يتقرب بها إلى الله كالصوم والصلاة.
ومن الآيات التي تدلنا على هذا المعنى ـ كذلك أيها الإخوة ـ قوله -عز وجل-: "وليوفوا نذورهم" وذلك أن الله -تعالى- أخبر أن من منافع الحج التي تعود على أهله والقائمين به منافع دنيوية ومنافع أخروية، أما منافع الآخرة فرضوان الله -تعالى- الذي يحصلونه بالطاعات التي يعملونها من الطواف بالبيت وذكر الله -تعالى- والهدى وغيرها من أعمال الحج ومن هذه العبادات الوفاء بالنذر الذي نذروه للبيت قال سبحانه: "وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29) [الحج/27 - 29] "فأخبر الله أن الحج فرصة لوفاء الناذر لهدي أو ذبح أو غيره عند البيت أن يفي بنذره في هذا المكان المبارك وهذا لا يكون عليه من الله -تعالى- هذا الحث الشديد إلا إن كان عبادة من أجلّ العبادات."
وذكر الآية ألخرى التى بدأ بها الخطية فى الوفاء بالنذر فقال :
"ومن هذه الآيات التى تدلنا على أن النذر قربى وعبادة الآية التي قدمناها في صدر الخطبة وهي قوله -تعالى-: " يُوفُونَ بِالنَّذْرِ " فقد دلت على أن النذر طاعة وعبادة وقربى إلى رب العالمين -سبحانه وتعالى- يمدح أصحابها ويثنى عليهم ويعدهم الجزاء الحسن، فقد وردت هذه الآية في سياق صفات الأبرار في سورة الإنسان قال -تعالى-: "إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (5) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (6) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7) [الإنسان: 5، 7] ". وهذا بلا شك ثناء ومدح وتعظيم لهذه الصفة في ضمن مدحهم وثنائهم وتعظيمهم وهو يدل ـ بلا شك ـ على أنها قربى وعبادة يحبها الله -تعالى- ويرضاها. قال الحافظ ابن حجر: يُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ الْوَفَاء بِهِ قُرْبَةٌ لِلثَّنَاءِ عَلَى فَاعِله، لَكِنَّ ذَلِكَ مَخْصُوص بِنَذْرِ الطَّاعَة، وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق مُجَاهِد فِي قَوْله -تعالى- (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ) قَالَ: إِذَا نَذَرُوا فِي طَاعَة اللَّه، قَالَ الْقُرْطُبِيّ: النَّذْر مِنْ الْعُقُود الْمَأْمُور بِالْوَفَاءِ بِهَا الْمُثْنَى عَلَى فَاعِلهَا."
قطعا النذر هو أى طاعة يفرضها المسلم على نفسه دون أن يفرضها الله عليه فهو شىء زائد على الفرائض وعرف النذر يقول قتادة فقال:
"قال قتادة: كانوا ينذرون طاعة الله من الصلاة والصيام والزكاة والحج والعمرة وما افترض عليهم فسماهم الله أبراراً.
هذا ـ أيها الإخوة ـ من القرآن الكريم، فإذا ما ذهبنا نطوف في أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- وجدناها هي الأخرى قد دلت على أن النذر طاعة وعبادة لله كذلك ففي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يَعْصِه».
والحديث صريح في أن النذر طاعة وما كان طاعة فهو عبادة لله -تعالى- وفي الحديث الذي تقدم معنا في اللقاء السابق عن ثابت بن الضحاك -رضي الله عنه- قال:" نذر رجل أن ينحر إبلا ببوانة، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم: فقال: "هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ "قالوا: لا قال: "فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ ". قالوا: لا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم».
فأمره النبي أن يمضي ما نوى من الخير والطاعة لمّا لم يكن ثم مانع، والحديث أخرجه أبو داود وإسناده على شرط الصحيحين.
فإذا ثبت -أيها الإخوة- أن النذر عبادة من العبادات فإنه لا يصرف إلا لله -تعالى- وحده، ويحرم أن يصرف لغيره"
والمستفاد من الكلام ان النذر يكون بعمل طاعة زائدة لله وليس بعمل معصية
وتحدث عمن ينذرون عمل معاصى فقال :
ثانياً: حكم من نذر لغير الله.
أيها الإخوة الكرام! ثبت لنا أن النذر عبادة وطاعة يتقرب بها العبد إلى ربه سبحانه وهذا بالطبع إذا كان النذر في طاعة وليس في معصية كما سمعنا في حديث عائشة: من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه" فمن نذر نذر طاعة فليوف به وليفعله ومن نذر نذر معصية فلا يعمل به ولا يأته ولا يفعله. وبعض الناس يفهم خطأ أن النذر كله غير مرغوب فيه في الشرع المطهر فهماً منهم لبعض الأحاديث التي فيها أن النذر لا يأتي بخير وأنه إنما يستخرج به من البخيل
والتحقيق أن النذر نوعان: نذر مجازاة ونذر ابتداء فنذر المجازاة هو أن يقول الشخص شيئاً يلتزم فيه قربة من القربات في مقابل حدوث نعمة أو اندفاع نقمة، كما نسمع من بعض الناس يقول: إن نجح ابني فعلي لله كذا أذبح خروفًا، أتصدق بمائة جنيه وهكذا أو يقول: إن شفى الله مريضي تصدقت، أو إن عافاني الله من هذه المصيبة سأحج إلى بيته، أو فلله على أن أصوم كذا يوم، فهذا علق النذر على حصول شرط وهذا معنى المجازاة.

التعليق