alardha blog bannar and free books initiative

Collapse

إعلان

Collapse
لا يوجد إعلانات حتى الآن.

KJA_adsense_ad5

Collapse

وقفات مع دالية البرعي

Collapse
X
 
  • فرز
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts

  • وقفات مع دالية البرعي

    هذه وقفات تحليلية ونقدية مع قصيدة الشاعر المشهور/
    عبد الرحيم البرعي
    ـ رحمه الله ـ .

    نبذة عن الشاعر:

    وهو عبد الرحيم بن أحمد بن علي البرعي اليماني .

    شاعر، فقيه، متصوف من شعراء اليمن في القرن الثامن .

    أفتى ودرس في (زبيد) وله ديوان شعر أكثره في المدائح النبوية.

    والبرعي نسبة إلى بُرع وهو جبل بتهامة الحديدة على البحر الأحمر .

    وتوفي البرعي سنة (803هـ) وديوانه مطبوع .


    الحلقة الأولى:

    سوف أتناول هذه الدالية المشهورة في عدة حلقات في كل حلقةٍ أقوم بتحليل المقطع المختار وبيان ما فيه من مظاهر الشعر وخصائصه، وهذا المقطع الأول:
    ضربت سعاد خيامها بِفؤادي ** من قَبل سفك دَمي بسفح الوادي
    وَغدت تجرعني الهموم فمَن لِمَن ** قصمت عراه شماتة الحساد؟
    وَكأَنَّني وَكأَنَّها متودد ** متلطف لظويلم متمادي
    لعب الفراق بها وَبي فَلَها وَلي ** خبر كوى كبدي بغير زناد
    وتوعرت طرق التَواصل بَينَنا ** فغدوت نضو صبابة وَبعاد
    ما كان حجة من أَقام بِمَكَّة ** أَن لا يحدثني حَديث سعاد
    بعثت إِلي من الحجاز خَيالها ** شتان بين بلادها وَبلادي
    يا هذه عودتني أَلم الضنا ** وأَراكَ لست أَراك في العواد
    وبأي آونة أَزوركِ بَعدَما ** حملتِ هجرك أَضعف الأجساد
    فبحق حقك إن ملكتِ فأسجحي ** شيمَ الكِرام وإن أَسرتِ فَفادي





    التحليل:

    ففي هذا المقطع نشاهد أنه انطلق في الغزل وافتتح مطلعه بما يدل على ذلك صراحة كما هي عادة الشعراء المعروفة حيث قال:
    ضربت سعاد خيامها بِفؤادي ** من قَبل سفك دَمي بسفح الوادي
    فجعل ما تقوم به من استهواء سفكاً للدماء على طريق المجاز البليغ .
    وَغدت تجرعني الهموم فمَن لمن ** قصمت عراه شماتة الحساد؟
    وهنا يتساءل من له؟
    وَكأَنَّني وَكأَنَّها متودد ** متلطف لظويلم متمادي
    وهذا وصف للحال الذي هما عليه .
    لعب الفراق بها وَبي فَلَها وَلي ** خبر كوى كبدي بغير زناد
    وهنا يجنح إلى المساواة بينهما في عذاب الفراق والأخبار الضارة بالجسم وبالغ فعبر بعضو خطير لا يحتمل الكي وهو (الكبد) وبالفعل فقد كان هذا الكي بغير زناد .
    وتوعرت طرقُ التَواصل بَينَنا ** فغدوتُ نِضْو صبابةٍ وَبعاد
    وهنا يبين أن التواصل بينهما بات صعباً، وأضر به الفراق والبعاد أكثر حتى صار كالنِّضو .
    ما كان حجة من أَقام بِمَكَّة ** أَن لا يحدثني حَديث سعاد
    وهذا من حسن التخلص، وهو التفاتٌ من التكلم إلى الغيبة فقد كان يتحدث عن نفسه ثم ذهب يتحدث عن غيره ممن أقام بمكة !
    بعثت إِليّ من الحجاز خَيالها ** شتان بين بلادها وَبلادي
    صدق؛ فالحجاز محط الرحال، ومهد الجمال، فشتان بين بلادها وبلاده .
    يا هذه عودتِني أَلم الضنا ** وأَراكِ لست أَراك في العُوّادِ



    وهنا ينتقل من الغيبة إلى الخطاب وهو (التفاتٌ) أيضاً مشهور، يقول: إنها عوّدته ألم الضنا الذي هو المرض ولم تعُده مع العُوّاد فهي مقصرة جافية !

    وبأي آونة أَزوركِ بَعدَما ** حملتِ هجرك أَضعف الأجساد؟!

    وهذا تساؤلٌ منه يقول: متى أزورك بعدما حمّلتِ هجرك أضعف الأجساد ويعني به: جسده الضعيف بسببها .
    فبحق حقك إن ملكتِ فأسجحي ** شيمَ الكِرام وإن أَسرتِ فَفادي
    هذا استعطافٌ بليغ للغاية كأنها ملكته فقال: إن ملكتِ فأسجحي أي: أعتقي المملوك، ثم قال: (شيمَ الكرام) فنصبها على الإغراء كأنه يقول: اسلكي شيم الكرام، وإن أسرتِ ففادي، كأنها أسرته فطلب منها الفداء بأي شيء ليصبح طليقاً من أسرها وقيودها .
    وهنا لابد أن ننتقد قوله: (فبحق حقك) فهذا لا يجوز؛ لأنه قسم، والقسم لا يجوز بغير الله تعالى، وفي الحديث الصحيح: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك" .
    وأكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، وإلى حلقةٍ أخرى إن شاء الله تعالى أستكمل فيها تحليل القصيدة .














  • #2
    يا هذه عودتِني أَلم الضنا ** وأَراكِ لست أَراك في العُوّادِ

    ما أجمل هذا !

    شكراً أستاذ جبران سحاري .

    التعليق


    • #3
      قصيدة رآئعة حقآ
      اشكرك شكرآ جما على تحليلك وننتظر بقية التحليل
      تحياتي

      التعليق


      • #4
        المشاركة الأصلية بواسطة عاصم سحاري مشاهدة مشاركة
        يا هذه عودتِني أَلم الضنا ** وأَراكِ لست أَراك في العُوّادِ

        ما أجمل هذا !

        شكراً أستاذ جبران سحاري .
        أهلاً بحضورك الصباحي أبا عبد الله .
        وهذا كقول بعضهم: إني أعلم أنك تعلم أني لا أعلم فذلك خافٍ، ويسمى (فذلكة) .
        دمتَ بالخير موفوراً .

        التعليق


        • #5
          المشاركة الأصلية بواسطة فارضة احترامي مشاهدة مشاركة
          قصيدة رآئعة حقآ
          اشكرك شكرآ جما على تحليلك وننتظر بقية التحليل
          تحياتي
          مرحباً بك ترحيباً جماًّ ، والعزم موجود على إتمام التحليل حسب الوقت المتاح إن شاء الله تعالى .

          التعليق


          • #6
            ما اروع هذي القصيدة خصوصا قوله وان اسرت ففادي
            اشكرك شيخنا ونحن في شوق للتكملة مع تحليلك ونقدك لها من جميع الجوانب البلاغية والشرعيه

            التعليق


            • #7
              المشاركة الأصلية بواسطة سلمان سحاري مشاهدة مشاركة
              ما اروع هذي القصيدة خصوصا قوله وان اسرت ففادي
              اشكرك شيخنا ونحن في شوق للتكملة مع تحليلك ونقدك لها من جميع الجوانب البلاغية والشرعيه
              مرحباً بك يا سلمان وأشكر حرصك على الحضور الدائم وإبداء رأيك .
              وإن شاء سوف تكتمل الحلقات تباعاً .
              وقوله: (وإن أسرتِ ففادي) غاية في التلطف فلا غرو أن يستهويك لبراعتك .
              دمت بالخير موفوراً .

              التعليق


              • #8
                الحلقة الثانية


                نواصل الحديث عن (دالية البرعي) المشهورة، ومع المقطع الثاني الذي يقول فيه:



                يا راحلينَ إلى منىً بقيادي ** هيجتُمُ يومَ الرحيل فؤادي
                سرتم وسار دليلكم يا وحشتي ** والعيس أطربني وصوت الحادي
                حرمتمُ جفني المنام لبعدكم ** يا ساكنين المنحنى والوادي
                فإذا وصلتُم سالمينَ فبلّغوا ** منّي السلام أهيلَ ذاك الوادي
                وتذكّروا عند الطواف متيماً ** صبّاً فنيْ بالشوق والإبعاد
                لي من ربا أطلال مكّة مرغبٌ ** فعسى الإلهُ يجودُ لي بمرادي
                ويلوحُ لي ما بين زمزم والصفا ** عند المقام سمعت صوت منادي
                ويقول لي يا نائماً جدَّ السُرى ** عرفاتُ تجلو كلّ قلبٍ صادي
                تاللَه ما أحلى المبيت على مِنى ** في يوم عيد أشرفِ الأعيادِ
                الناسُ قد حجّوا وقد بلغوا المنى ** وأنا حججتُ فما بلغتُ مرادي
                حجوا وقد غفر الإلهُ ذنوبَهُم ** باتوا بِمُزدَلَفٍ بغيرِ تمادِ
                ذبحوا ضحاياهُم وسال دماؤُها ** وأنا المتَيَّمُ قد نحرتُ فؤادي
                حلقوا رؤوسَهمو وقصّوا ظُفرَهُم ** قَبِلَ المُهَيمنُ توبةَ الأسيادِ
                لبسوا ثياب البيض منشور الرّضا ** وأنا المتيم قد لبست سوادي
                يا ربِّ أنت وصلتَهُم وقطَعتني ** فبحقِّهِم يا ربّ حل قيادي
                باللَه يا زوّارَ قبرِ محمّدٍ ** من كان منكُم رائحٌ أو غادِ
                لِتُبلغوا المُختارَ ألفَ تحيّةٍ ** من عاشقٍ متقطِّع الأكبادِ
                قولوا له: عبدُ الرحيم متيَّمٌ ** ومفارقُ الأحبابِ والأولادِ
                صلّى عليكَ اللَهُ يا علمَ الهدى ** ما سارَ ركبٌ أو ترنَّمَ حادِ
                فقفِ المطيَّ ولوْ كلمحةِ ناظرٍ ** بربا المحصبِ أو مِنىً يا حادي
                وأعدْ حديثكَ عنْ أباطحِ مكةٍ ** وعنِ الغريقِ أرائحٌ أمْ غادي
                ومسرةً للناظرينَ بدتْ لنا ** ما بينَ سوقِ سويقةٍ وجيادِ
                قنصتْ عقولَ أولي النهى بحبائلٍِ الـ ** ـصبواتِ لا بحبائلِ الصيادِ
                ومحاسنٌ طلعتْ طلائعهنَّ عنْ ** حللِ الكمالِ لحاضرٍ ولبادي
                عكفتْ بساحتها الرفاقُ وإنما ** عكفوا على كبدٍ منَ الأكبادِ
                هطلَ الغمامُ على الحطيمِ وزمزمٍ ** وعلى َبقاعٍ بالنقا ووهادِ
                وسرى النسيمُ بطيبِ نسمةِ طيبةٍ ** فنشقتُ نفخةَ عنبرٍ وجسادِ
                بلدٌ سمتْ أوطانهُ وتشرفتْ ** بمحمدٍ قمرِ الكمالِ الهادي
                قمرٌ محا دينَ الضلالةِ بالهدى ** وأذلَّ أهلَ البغيِ والإلحادِ
                آخر تعديل كان بواسطة جبران سحاري; 01-26-2011, 06:23 AM.

                التعليق


                • #9
                  التحليل


                  ينتقل بنا الشاعر عبد الرحيم البُرَعي في هذا المقطع ـ بعد تلك المقدمة الغزلية السابقة ـ إلى منى ومشهد عظيم من مشاهد الحجيج في تلك الأيام مع شرف الزمان وشرف المكان فيقول:
                  يا راحلينَ إلى منىً بقيادي ** هيجتُمُ يومَ الرحيل فؤادي
                  أي: لأنكم رحلتم دوني فهيجتم فؤادي شوقاً .
                  سرتم وسار دليلكم يا وحشتي ** والعيس أطربني وصوت الحادي
                  أي: لما انصرفتم أُصبتُ بوحشة، وأطربني صوت العيس وهي الجمال التي تحدي بهم وصوت حاديها ـ وهو الذي يسوقها ـ مطربٌ أيضاً .
                  حرمتمُ جفني المنام لبعدكم ** يا ساكنين المنحنى والوادي
                  وهذا وصف حالٍ من الوحدة .
                  فإذا وصلتُم سالمينَ فبلّغوا ** منّي السلام أهيلَ ذاك الوادي
                  وهنا صغّر كلمة (أهل) على (أهيل) وهو تصغيرٌ للتعظيم؛ كقول لبيد:
                  * دويهيّة تصفرُّ منها الأناملُ *

                  وتذكّروا عند الطواف متيماً ** صبّاً فنيْ بالشوق والإبعادِ
                  يقول: تذكروني عند الطواف ولو بدعوة، وعبر عن نفسه بالغيبة؛ فقال: (تذكروا صباًّ) ولم يقل: (فتذكروني) وسكّن الفعل الماضي (فنيَ) لضرورةِ الوزن، وهذه الضرورة مغتفرة .
                  لي من ربا أطلال (مكّة) مرغبٌ ** فعسى الإلهُ يجودُ لي بمرادي
                  أي: يرغب في زيارة تلك المشاعر، وقد عبّر عنها بـ(الأطلال) لأنه سبق وأن تكلم عن الغزل وأطلال الأحبة؛ فأردفها بوصف المشاعر، ولولا رقة القصيدة وجمالها وعمق عاطفتها لانتُقد في التعبير عن المشاعر بـ(الأطلال) لأن المشاعر معمورة بالناسكين، وليست أطلالاً خاوية ورسوماً بالية !
                  ويلوحُ لي ما بين (زمزم) و(الصفا) ** عند (المقام) سمعت صوت منادي
                  أي: يناديه بمواصلة السير إلى المشاعر المقدسة .
                  ويقول لي يا نائماً جدَّ السُرى ** (عرفاتُ) تجلو كلّ قلبٍ صادي
                  أي: فانهض إلى عرفات، وتعرّض فيها للرحمات .
                  تاللَه ما أحلى المبيت على مِنى ** في يوم عيد أشرفِ الأعيادِ
                  وقوله: (تالله) قسم؛ فيقسم بروعة المبيت في منى وحلو المقام فيها في يوم عيد النحر الذي هو أشرف الأعياد؛ لأنه يوم الحج الأكبر، وهو أشرف وأفضل من عيد الفطر .
                  الناسُ قد حجّوا وقد بلغوا المنى ** وأنا حججتُ فما بلغتُ مرادي
                  لأنه ـ كما سبق ـ مقيّد فربما حجّ ولم يسعفه الوقت بالزيارة التي يهفو إليها، والمقصود بها: زيارة المسجد النبوي .
                  حجوا وقد غفر الإلهُ ذنوبَهُم ** باتوا بِمُزدَلَفٍ بغيرِ تمادِ
                  أي: باتوا بمزدلفة، وحذف التاء للعلم بها، وليستقيم الوزن، ولتجنب ضرورة تسكين التاء لو أتى بها، وهي مثبتة في بعض النسخ خطأً .
                  ذبحوا ضحاياهُم وسال دماؤُها ** وأنا المتَيَّمُ قد نحرتُ فؤادي
                  وهذا مشهد عظيمٌ لنحر الأضاحي؛ حيث إنهم ذبحوا الضحايا وسالت دماؤها تقرباً إلى الله، وهو متيّمٌ بالشوق إلى مواصلة النسك وقد نحر فؤاده؛ لأنه محبوسٌ عن السير، ولكنه نحره بذبح الهوى ومضى إلى استلهام المعاني العظيمة للحج .
                  حلقوا رؤوسَهمو وقصّوا ظُفرَهُم ** قَبِلَ المُهَيمنُ توبةَ الأسيادِ
                  وهذه من أعمال يوم العيد، وهي: الحلق، والتحلل بقص الأظفار؛ امتثالاً لقوله تعالى: (ثم ليقضوا تفثهم) قال جماعة من المفسرين من السلف: قضاء التفث المقصود به: تقليم الأظفار .
                  (قبل المهيمن توبة الأسياد) لإخلاصهم وتفانيهم في العمل لله تعالى .
                  لبسوا ثياب البيض منشورَ الرّضا ** وأنا المتيّمُ قد لبست سوادي
                  وهنا يشير إلى لباسهم الموحد، وهو لباس الإحرام (الأبيض) وهو متيّمٌ قد لبس سواده كنايةً عن سرعة تحلله وخروجه من الإحرام إلى الحل !
                  يا ربِّ أنت وصلتَهُم وقطَعتني ** فبحقِّهِم يا ربّ حل قيادي
                  أيضاً: هنا يرجو من ربه أن يصلهم على سبيل التلطف، ويطلب من ربه أن يحل قياده الذي قيّده عن حذو حذوهم .
                  وقوله: (فبحقهم) أيضاً سؤالٌ لله بحق المخلوق، وهذا شبيه القسم، وقد تقدم بيان النهي عن ذلك .
                  باللَه يا زوّارَ قبرِ محمّدٍ ** من كان منكُم رائحٌ أو غادِ
                  هنا يخاطب زوار القبر، ويحتمل أنه يريد: زوار المسجد؛ لأن بعض السلف عبروا عن زيارة المسجد بزيارة القبر ـ كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ في (الرد على البكري) و(الرد على الأخنائي) وهنا يزول المحذور .
                  ويحتمل أنه يريد: زيارة القبر الحقيقية، وهنا لا يُشرع شد الرحال لزيارة القبر لذاته، بل لزيارة المسجد النبوي والصلاة فيه، ومن ثم السلام على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصاحبيه أبي بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ .
                  وعلى المعنى الثاني يكون محذوراً .
                  لِتُبلغوا المُختارَ ألفَ تحيّةٍ ** من عاشقٍ متقطِّع الأكبادِ
                  هنا يطلب منهم تبليغ سلامه للنبي المختار ـ صلى الله عليه وسلم ـ من عاشق متقطع الأكباد شوقاً لزيارته .
                  قولوا له: عبدُ الرحيم متيَّمٌ ** ومفارقُ الأحبابِ والأولادِ
                  وهذا البيت فيه وصف حاله .
                  صلّى عليكَ اللَهُ يا علمَ الهدى ** ما سارَ ركبٌ أو ترنَّمَ حادِ
                  وهذا انطلاقٌ في الصلاة على النبي الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ على طريق الكثرة التي عبّر عنها بقوله: (ما سار ركبٌ أو ترنم حادي) .

                  التعليق


                  • #10
                    فقفِ المطيَّ ولوْ كلمحةِ ناظرٍ ** بربا المحصبِ أو مِنىً يا حادي
                    وهنا يطلب إيقاف المطي وهي الرواحل كالإبل ونحوها، ولو لحظة واحدة كلمحة ناظر بربا المحصّب وهو مكان معروف قريبٌ من منى، أو قف بها في مِنى يا حادي؛ أي يا حاديها ـ وهو السائق كما تقدم ـ .
                    وأعدْ حديثكَ عنْ أباطحِ مكةٍ ** وعنِ الغريقِ أرائحٌ أمْ غادي
                    وهذا عودٌ على بدءٍ فيما سبق وأن تذكره من أباطح مكة .
                    ومسرةً للناظرينَ بدتْ لنا ** ما بينَ سوقِ سويقةٍ وجيادِ
                    وهذا أيضاً رجْعٌ إلى الغزل .
                    قنصتْ عقولَ أولي النهى بحبائلٍِ الـ ** ـصبواتِ لا بحبائلِ الصيادِ
                    وهذا ملحظٌ في سلب العقول بحبائل الصب وهو الميل والعشق لا بحبائل الصياد، وهي معروفة .
                    ومحاسنٌ طلعتْ طلائعهنَّ عنْ ** حللِ الكمالِ لحاضرٍ ولبادي
                    وهذا وصفٌ للجمال .
                    عكفتْ بساحتها الرفاقُ وإنما ** عكفوا على كبدٍ منَ الأكبادِ
                    وهذه متابعة للوصف .
                    هطلَ الغمامُ على الحطيمِ وزمزمٍ ** وعلى َبقاعٍ بالنقا ووهادِ
                    وهذا وصفٌ للحال بخير جم من التفاؤل بالنعم والخيرات .
                    وسرى النسيمُ بطيبِ نسمةِ طيبةٍ ** فنشقتُ نفخةَ عنبرٍ وجسادِ
                    و(طيبة) هي: المدينة النبوية .
                    بلدٌ سمتْ أوطانهُ وتشرفتْ ** بمحمدٍ قمرِ الكمالِ الهادي
                    وهنا شرع في مدح النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو المقصود من القصيدة كلها؛ لأنها من أشهر مدائحه النبوية، وعبّر عنه بقوله: (قمر الكمال الهادي) وهو كذلك ـ صلى الله عليه وسلم ـ .
                    قمرٌ محا دينَ الضلالةِ بالهدى ** وأذلَّ أهلَ البغيِ والإلحادِ
                    ويواصل واصفاً له هنا بأنه: محا دين الضلالةِ بالهدى، وأذل أهل البغي والإلحاد بعزته ودينه المهيمن على طغيانهم وجاهليتهم، وهم كفار قريش .
                    وأكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، وأكمل بقية تحليل المديح النبوي في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى .

                    التعليق


                    • #11
                      الحلقة الثالثة

                      نواصل الحديث عن (دالية البُرعي) بعد أن انتهينا إلى قوله في المقطع السابق:
                      بلدٌ سمتْ أوطانهُ وتشرفتْ ** بمحمدٍ قمرِ الكمالِ الهادي
                      قمرٌ محا دينَ الضلالةِ بالهدى ** وأذلَّ أهلَ البغيِ والإلحادِ .
                      وهذا شروعٌ منه في مدح النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ .
                      وهو هنا في المقطع التالي يستمر في المدح فيقول:


                      قمرٌ أضاءَ النورُ ليلةَ وضعهِ ** منْ مكةٍ لدمشقَ أو بغدادِ
                      قمرٌ حمى الدينَ الحنيفَ بسيفهِ ** شرفاً وأحرزَ سبقَ كلِّ جهادِ
                      قمرٌ أبادَ المشركينَ بسادةٍ ** فاقتْ عزائمهمْ على َالآسادِ
                      قمرٌ سقى الجيشَ العظيمَ بكفهِ ** نهراً أزالَ غليلَ كلِّ فؤادِ
                      هوَ أشرفُ العربينِ مجداً باذخا ** وأحقُّ منْ يعلو على الأمجادِ
                      هوَ شمسُ عبدِ منافٍ العليا علتْ ** مضرٌ بجدَّيهِ على الأنجادِ
                      هوَ جاوزَ السبعَ السمواتِ العلى ** و العرشَ فيما صحَّ منْ إسنادِ
                      هوَ في الجلالةِ قالَ سيدهُ لهُ ** سلْ ما تحبُّ فأنتَ خيرُ عبادي
                      هوَ خيرُ منْ كملَ الأناسُ بهِ منَ الـ ** أبناءِ والآباءِ والأجدادِ
                      هوَ سيدُ الكونينِ والثقلينِ لاَ ** شبهٌ لهُ في الغورِ والأنجادِ


                      التحليل
                      قمرٌ أضاءَ النورُ ليلةَ وضعهِ ** منْ مكةٍ لدمشقَ أو بغدادِ
                      فالنور فاعل للفعل (أضاء) ولهذا يسمى (قمر بني هاشم) صلى الله عليه وسلم .
                      قمرٌ حمى الدينَ الحنيفَ بسيفهِ ** شرفاً وأحرزَ سبقَ كلِّ جهادِ
                      فهو أشجع البشر ـ صلى الله عليه وسلم ـ .
                      قمرٌ أبادَ المشركينَ بسادةٍ ** فاقتْ عزائمهمْ على َالآسادِ
                      فكان أصحابه من خيرة الفرسان المقاتلين لأعداء الدين من اليهود والمشركين .
                      قمرٌ سقى الجيشَ العظيمَ بكفهِ ** نهراً أزالَ غليلَ كلِّ فؤادِ
                      فهو مباركٌ ـ عليه الصلاة والسلام ـ .
                      هوَ أشرفُ العربينِ مجداً باذخا ** وأحقُّ منْ يعلو على الأمجادِ
                      فهو حقاًّ من أشرفهم نسباً ومكانة ومحتداً .
                      هوَ شمسُ عبدِ منافٍ العليا علتْ ** مضرٌ بجدَّيهِ على الأنجادِ
                      فتشرفت مضرٌ به؛ إذ إليها يُنسب؛ فيقال: (المختار من مضر) .
                      هوَ جاوزَ السبعَ السمواتِ العلى ** و العرشَ فيما صحَّ منْ إسنادِ
                      كما هو معروفٌ في حديث الإسراء والمعراج الطويل .
                      هوَ في الجلالةِ قالَ سيدهُ لهُ ** سلْ ما تحبُّ فأنتَ خيرُ عبادي
                      فلا يُرد له سؤلٌ، بل هو مجابُ الدعوة فيما سأل ـ صلى الله عليه وسلم ـ .
                      هوَ خيرُ منْ كمُلَ الأناسُ بهِ منَ الـ ** أبناءِ والآباءِ والأجدادِ
                      فقد حوى شرف الكمال البشري حقاًّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ .
                      هوَ سيدُ الكونينِ والثقلينِ لاَ ** شبهٌ لهُ في الغورِ والأنجادِ
                      أي: لا أحد يشبهه في هذه المكانة والشمائل المحمدية ـ عليه الصلاة والسلام ـ .
                      وأستكمل بقية التحليل في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى .

                      التعليق


                      • #12
                        الحلقة الرابعة
                        ويستمر الحديث عن (دالية البُرعي) ومع المقطع الرابع وفيه يواصل مديحه للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيقول:

                        هو أكرمُ الكرماءِ إنْ عصفتْ بهِ ** ريحُ السماحِ وأجودُ الأجوادِ
                        هوَ ذخرتي هوَ موئلي ومؤملي ** هوَ عمدتي هوَ عدتي وعتادي
                        هوَ أحمدُ الهادي المجاهدُ والذي ** يروَى بكوثرهِ الغليلُ الصادي
                        هوَ تحتَ ساقِ العرشِ يسجدُ شافعاً ** في الخلقِ إنْ حشروا إلى الميعادِ
                        هوَ منْ يلوذُ غداً بظلِ لوائهِ ** كلُّ الورى والرسلِ والأشهاد
                        هوَ عمدةُ الأممِ التي لوْ لمْ يكنْ ** فيها لقدْ كانتْ بغيرِ عمادِ
                        هوَ هازمُ الأقرانِ في فتكاتهِ ** ومدمرُ العشراتِ بالآحادِ
                        ما إنْ رجوتُ بهِ الهدى لضلالتي ** إلاَّ لقيتُ به صلاحَ فسادي
                        مولايَ خذْ بيدَيَّ واقضِ حوائجي ** واعطفْ عليَّ ولبِّ حينَ أنادي
                        واقبلْ خويدمكَ المعلمَ إنهُ ** فلْسٌ منَ التقوى قليلُ الزادِ


                        التعليق


                        • #13
                          التحليل

                          بعد أن وصفه في آخر بيت في المقطع السابق بأنه لا شبهٌ له في الغور والأنجاد بدأ هنا يذكر صفاته التي تفرّد بها عن غيره فقال:
                          هو أكرمُ الكرماءِ إنْ عصفتْ بهِ ** ريحُ السماحِ وأجودُ الأجوادِ
                          وصدق؛ إذ لا أكرم منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ فهو يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، ولا يقاربه أحدٌ في الكرم البتة .
                          هوَ ذخرتي هوَ موئلي ومؤملي ** هوَ عمدتي هوَ عدتي وعتادي
                          وهذا البيت فيه من الغلو ما لا يرضاه الشرع؛ فليس ـ صلى الله عليه وسلم ـ موئل أحد ولا مؤمله ولا عمدته ولا عدته ولا عتاده في كشف شيءٍ من الكُربِ، وإنما نحن مأمورون باتباعه فقط لننجو في الدنيا والآخرة، ولا يملك لأحدٍ ضراًّ ولا نفعاً، وإنما موئل الناس كلهم هو الله وحده .
                          هوَ أحمدُ الهادي المجاهدُ والذي ** يروَى بكوثرهِ الغليلُ الصادي
                          فهذه من أسمائه وصفاته وخصائصه ـ صلى الله عليه وسلم ـ .
                          هوَ تحتَ ساقِ العرشِ يسجدُ شافعاً ** في الخلقِ إنْ حشروا إلى الميعادِ
                          نعم، وهذا قد ثبت في الصحيح .
                          هوَ منْ يلوذُ غداً بظلِ لوائهِ ** كلُّ الورى والرسلِ والأشهاد
                          وهذا صحيح؛ بمعنى أنهم يرجعون إليه في أمر الشفاعة يوم القيامة .
                          هوَ عمدةُ الأممِ التي لوْ لمْ يكنْ ** فيها لقدْ كانتْ بغيرِ عمادِ
                          هو عمدتهم في تبليغ ما أنزل إليه من ربه لا غير ذلك .
                          هوَ هازمُ الأقرانِ في فتكاتهِ ** ومدمرُ العشراتِ بالآحادِ
                          لاشك في ذلك فهو هازم الأقران، وأشجع الشجعان ـ صلى الله عليه وسلم ـ .
                          وما أجمل قوله هنا: (ومدمر العشرات بالآحاد) فإن الواحد من أصحابه كان يغلب عشرة من الكفار لأنهم قومٌ لا يفقهون .
                          والآحاد إذا غلبت العشرات في جانب القتال دلّ ذلك على شرف القوم وأن قائدهم أشرف قائدٍ في تاريخ البشرية جمعاء ـ صلى الله عليه وسلم ـ .
                          وهذا بخلاف الأعمال فإن الحسنة بعشر والسيئة بواحدة، ولهذا قال السلف: "ويلٌ لمن غلبت آحادُه عشراته" .
                          ما إنْ رجوتُ بهِ الهدى لضلالتي ** إلاَّ لقيتُ به صلاحَ فسادي
                          هذا إنما يصح إذا كان يقصد: يرجو به الهدى باتباعه ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا غير ذلك .
                          مولايَ خذْ بيدَيَّ واقضِ حوائجي ** واعطفْ عليَّ ولبِّ حينَ أنادي
                          ظاهر هذا الخطاب من السياق: أنه يقصد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو ليس مولى لأحد ولا يأخذ بيد أحد ولا يقضي حوائج أحد بعد موته ولا يلبي نداء أحد، إلا من صلى عليه فإن الله يرد عليه روحه حتى يجيب عنه فقط ، وإنما يُصرف هذا الدعاء وهذه الاستغاثة إلى الله وحده .
                          واقبلْ خويدمكَ المعلمَ إنهُ ** فلْسٌ منَ التقوى قليلُ الزادِ
                          صغّر نفسه (خويدم) للتحقير، وقوله: (فلْس) بفتح الفاء وسكون اللام أي: خالٍ من التقوى قليل الزاد .
                          وبعض أبيات القصيدة جارية على نزعة صوفية كما أسلفت في ترجمته، ولكن بعض أبياتها بلغت الغاية في المدح الصادق، ولعلي أكتفي بهذا التحليل في هذه الحلقة، وأستكمل بقية التحليل في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى .

                          التعليق


                          • #14
                            الحلقة الخامسة
                            لا يزال الحديث موصولاً عن (دالية البُرعي) والمقطع الخامس إذ يقول فيه:
                            حملتُ ذي النفسَ الضعيفةَ ثقلها ** وشُغِلتُ بينَ أصادقٍ وأعادي
                            في الخيمةِ انقصمتْ عرايَ لزلتي ** والنارُ للعاصينَ بالمرصادِ
                            وعريضُ جاهكَ يا محمدُ عصمتي ** و كفايتي وهدايتي ورشادي
                            فاشددْ عرى عبدِ الرحيمِ برحمةٍ ** يلقى بها في الحشرِ خيرَ مهاد
                            واجعلْ يديكَ حمى لهُ ولأهلهِ ** و الصحبِ والآباءِ والأولادِ
                            فلأنتَ أمنعُ منْ لجأتُ إليهِ في الـ ** دارينِ دارِ إقامتي ومعادي
                            واعطفْ عليَّ بنفحةٍ نبويةٍ ** لأنالَ غايةَ مطلبي ومرادي
                            ومكارمِ موصولةٍ بمكارمِ ** و لطائفٍ وعواطفٍ وأيادي



                            التحليل
                            يعودُ بالوصف إلى نفسه ملتفتاً من صيغة الغيبة إلى التكلم ومبيناً سبب كونه فلْساً من التقوى قليل الزاد كما في البيت الذي ختم به المقطع السابق فقال:
                            حملتُ ذي النفسَ الضعيفةَ ثقلها ** وشُغِلتُ بينَ أصادقٍ وأعادي
                            أي: فلم يطق هذا الحِمْل، وانشغل عما هو أهم بمداراة الأصدقاء والأعداء .
                            في الخيمةِ انقصمتْ عرايَ لزلتي ** والنارُ للعاصينَ بالمرصادِ
                            يبين هنا أن عراه انقصمت بسبب الزلل، ويرسل رسالة للجميع بأن النار بالمرصاد للعصاة الذين لازموا الزلل طيلة حياتهم .
                            وعريضُ جاهكَ يا محمدُ عصمتي ** و كفايتي وهدايتي ورشادي
                            وهذا البيتُ فيه توسل واعتصام بجاه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهذا لا يجوز كما أسلفنا مراراً، فالتوسل بجاه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يجوز بعد موته؛ لأنه لا يملك لأحدٍ نفعاً ولا ضراًّ .
                            فاشددْ عرى عبدِ الرحيمِ برحمةٍ ** يلقى بها في الحشرِ خيرَ مهاد
                            هذا الخطاب إن كان موجهاً للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو الظاهر فهذا غلط ، وإن كان لله فهو الصحيح، ولا يجوز دعاء أحدٍ غير الله تعالى .
                            واجعلْ يديكَ حمى لهُ ولأهلهِ ** و الصحبِ والآباءِ والأولادِ
                            وهذا يقال فيه كسابقه .
                            فلأنتَ أمنعُ منْ لجأتُ إليهِ في الـ ** دارينِ دارِ إقامتي ومعادي
                            وهذا كذلك فلا يجوز اللجوء إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأنه ميت لا يملك نصرة أحد، بل قد قال لأصحابه في حياته: "لا أغني عنكم من الله شيئاً" .
                            واعطفْ عليَّ بنفحةٍ نبويةٍ ** لأنالَ غايةَ مطلبي ومرادي
                            وهذا كالأبيات السابقة فيه نظر .
                            ومكارمِ موصولةٍ بمكارمِ ** و لطائفٍ وعواطفٍ وأيادي
                            وهذا عطف على قوله: (مطلبي ومرادي) والمعنى: لأنال غاية مكارمٍ موصولةٍ بمكارم وغاية لطائفٍ وعواطفٍ وأيادٍ .
                            وأكتفي بهذا القدر، وإلى بقية التحليل في الحلقة القادمة وهي الأخيرة إن شاء الله تعالى .

                            التعليق


                            • #15
                              متابع للحلقات كلها وبانتظار الحلقه الاخيرة
                              شكرا ناقدنا الكبير

                              التعليق

                              KJA_adsense_ad6

                              Collapse
                              جاري التنفيذ...
                              X