«التأتأة».. تسبب الإحراج
تنتج عن مزيج من الجينات وجوانب فسيولوجية عصبية وأسرية
تنتج عن مزيج من الجينات وجوانب فسيولوجية عصبية وأسرية

واشنطن: دان سلاتر*
أكثر ما أتذكره في ما يتعلق بمشكلة «التأتأة» (التلعثم في الكلام) (stuttering) التي أعاني منها ليس الشلل الذي يصيب أحبالي الصوتية، ولا زيغ بصري، ولا التجربة القاسية التي أواجهها يوميا عند الحديث مع الآخرين، ولا الأصوات المرتدة من الجزء الخلفي من أسناني مثل العملات المعدنية التي تحاول الهروب من حافظة العملات. وهذه هي آليات «التأتأة»، أو تلك الحقائق التي يتعين على المتلعثمين أن يغيروا توقعاتهم وآمالهم في الحياة تبعا لها. ولكن أكثر ما يهم في موضوع «تأتأتي» أو تلعثمي، هو الدور الغريب الذي تلعبه هذه المشكلة في تحديد إحساسي بالآخرين.
أكثر ما أتذكره في ما يتعلق بمشكلة «التأتأة» (التلعثم في الكلام) (stuttering) التي أعاني منها ليس الشلل الذي يصيب أحبالي الصوتية، ولا زيغ بصري، ولا التجربة القاسية التي أواجهها يوميا عند الحديث مع الآخرين، ولا الأصوات المرتدة من الجزء الخلفي من أسناني مثل العملات المعدنية التي تحاول الهروب من حافظة العملات. وهذه هي آليات «التأتأة»، أو تلك الحقائق التي يتعين على المتلعثمين أن يغيروا توقعاتهم وآمالهم في الحياة تبعا لها. ولكن أكثر ما يهم في موضوع «تأتأتي» أو تلعثمي، هو الدور الغريب الذي تلعبه هذه المشكلة في تحديد إحساسي بالآخرين.
وقد غدا تلعثمي مقياسا لمدى الثقة التي أشعر بها أثناء وجودي مع الآخرين. وهل أعتبرهم ودودين وصبورين وعطوفين؟ أم قاسين وعدوانيين؟ إلى أي مدى ابتسامتهم كانت حقيقية؟ هل يعجبون بمواهبي، أم يشعرون بالقلق من صفاتي غير اللائقة؟ وبهذه الطريقة قسمت جميع الناس إلى صنفين، أولئك الذين قد أتلعثم أثناء وجودي معهم وآخرين أحاول أن لا أتلعثم أثناء وجودهم حولي.
* ظهور «التأتأة»
* وقد بدأت مشكلة «التأتأة» تظهر معي في ظل ظروف نموذجية: إذ كان عمري 4 سنوات؛ وكان أبي يتلعثم منذ مرحلة البلوغ، وفي ذلك الوقت، حدثت مشكلات كبيرة ومريرة بين والديّ، بدا أن الأمور متجهه إلى دمار مؤكد للعلاقة بينهما وانفصالهما.
وقد سجلت والدتي مشكلات «التأتأة» التي أواجهها في مذكراتها بتاريخ 26 سبتمبر (أيلول) 1981: «خلال الأسابيع الماضية كان دانيال يقوم بقضم أظافره، كما كان يتلعثم أثناء الكلام». وبتاريخ 8 يوليو (تموز) 1982: «وبعد مكالمة هاتفية (مع والده) كان دان يتلعثم بصورة ليست بسيطة، ويواجه صعوبة في نطق الكلام».
وقد كان والدي يعاني من نوع مختلف من «التأتأة» أو اضطرابات النطق، حيث كان يعاني من النوع الأكثر تقليدية، كما يصفه أخصائي علاج مشكلات النطق والتخاطب، إذ إنه كان يكرر المقطع الأول من الكلمة، على سبيل المثال كلمة مثل «باس» ينطقها هكذا «ابا - ابا - اباس». لكن النوع الذي أعاني منه كان أقل حدة مما كان يعانيه الملك جورج السادس (والد إليزابيث الثانية، ملكة بريطانيا الحالية)، كما صوره كولين فيرث، في الفيلم الجديد «خطاب الملك» (The King›s Speech).
إن أحبالي الصوتية قد تعوق وتمنع خروج أصوات معينة. كما أجد صعوبة في نطق الحروف الثابتة، مثل: كيه (k) ودي (d) وسي (c) وجي (g).
وقد ساعدتني سنة كاملة من العلاج الذي تلقيته أثناء فترة طفولتي على تطوير مجموعة من الأدوات للتغلب على هذا المشكلة، أو على الأقل إخفائها بصورة جيدة تساعدني على خداع معظم الناس لمعظم الوقت. ومثل الآخرين الذين لديهم مشكلات في النطق، فقد طورت بعض المهارات اللفظية.
إن نطق جملة كان مثل رفع اليدين والركض في ملعب الرغبي: سوف أبحث عن 5 أو 10 كلمات لصياغة هذه الجملة، وإذا وجدت كلمة، مثل «كامبنغ» سوف أسقطها وأعاود البحث عن كلمة أخرى أقل مقاومة، وقد اخترت تعبيرا أكثر حرفية للتعبير عنها وهو: «أريد أن أنام في الغابة في عطلة نهاية الأسبوع».
ولكن لم تكن استراتيجيات الإحلال والإطناب مضمونة النتائج على الدوام. لكن معضلة «التأتأة» كانت متربصة بي دائما. وعندما بلغت الرابعة عشرة من عمري، كنت أود أن أطلب من زميلة لي في المدرسة أن ترقص معي. ولسوء الحظ، كان اسمها كيم. واحتفظت بهذه المعلومة لعدة أيام، في انتظار الوقت الذي تصبح لدي الشجاعة الكافية لمحادثتها. وأخيرا، عندما اتصلت بها ردت والدتها فسألتها قائلا: «أهلا، كنت أتساءل عما إذا كانت أههههه... إذا أهههه... إذا...»، وكنت أريد تجاوز عقبة حرف الكية، ولكن ما استطعت فعله هو الحديث بسرعة ومن دون أخذ نفس لأن حرف الكية كان متشبثا بسقف فمي كتشبث القطة فوق الشجرة.
لذلك تنفست بعمق، وقلت في مرة واحدة: «أهلاأتساءلعماإذاكنتكيمموجودة»، وردت والدتها وهي تضحك قائلة: «كيم؟ هل أنت متأكد؟» وبنفس عميق آخر قلت: «نعمكيم».
وعندما تناولت كيم الهاتف، أخبرتني أن والدتها كانت تضحك لأنها كانت تعتقد أنك قد نسيت اسم من تريد محادثته. وضحكت معها، بطبيعة الحال، لأنه كان من الأفضل بالنسبة لي أن أنسى اسم الفتاة التي أحبها بدلا من أن ينظر إلى على أنني أبله.
* أسباب «التأتأة»
* ويعاني نحو أكثر من 3 ملايين أميركي من مشكلة «التأتأة» أثناء الكلام، وهو ما يمثل نحو واحد في المائة من تعداد سكان الولايات المتحدة. والذين يعانون من هذه المشكلة من الذكور أكثر بنحو أربعة أضعاف من مثيلاتهم من الإناث. ويعاني نحو خمسة في المائة من الأطفال الذين لم يصلوا إلى سن الالتحاق بالمدارس من مشكلة «التأتأة» كمشكلة نمو عادية ويتم تجاوزها مع مرور الوقت. وعلى الرغم من عدم وجود سبب واحد وراء هذا الأمر، يعتقد أن اضطراب «التأتأة» ينتج عن مزيج من الجينات (نحو 60 في المائة من أولئك الذين «يتأتأون» لديهم أقرباء يعانون من هذا المشكلة)، وديناميات فسيولوجية عصبية وأسرية، مثل إرث الأسرة من الإنجازات الكبيرة.
و«التأتأة»، مثل الأمراض الغامضة الأخرى، لها ماض متقلب، حيث تم رصدها ودراستها قبل أكثر من 2000 سنة، وتتابعت النظريات الغريبة الساعية إلى تفسيرها. ويرى أرسطو، الذي كان يعاني من نفس المشكلة، أن لسان الشخص الذي يتلعثم يكون ثقيلا وسميكا لدرجة تعوقه عن «مواكبة خياله». كما زعم غالينوس، الطبيب اليوناني، أن لسان المتلعثم رطب جدا، واقترح سيلسوس الطبيب الروماني غرغرة الفم وتدليك اللسان الضعيف لتقويته. وقد صل أوج هذا الجدل في القرن التاسع عشر، عندما قرر يوهان فريدريش ديفنباخ، جراح التجميل البروسي، أن ألسنة الذين يعانون من هذه المشكلة غير عملية أيضا، وقرر في الكثير من الحالات قطع جزء من اللسان.
ولم تتخذ خطوات جادة لفهم وعلاج مشكلة «التأتأة» حتى أوائل القرن العشرين. ويميل أخصائي علاج مشكلات النطق إلى التركيز على المراهقين لأن فترة المراهقة هي التي تشهد تطور المشكلة. وقد روج ألبرت ميرفي، أخصائي علم أمراض التخاطب في جامعة بوسطن، نظرية نفسية، مما يوحي بأن جذور «التأتأة» «تكمن في العلاقات الشخصية المتوترة واهتزاز ثقة المريض في نفسه».


التعليق