لـعينيك تأوي عصافير روحي
وحده البحرُ يعادلُ حضورك البهيّ ، يعـطّـرُ الأشياءَ بالدهشة ، لك طعمُ الجرح في الذاكرةِ وملامحُك خمرةٌ معتقةٌ مشتهاةٌ ، تلتفُّ في دوامةِ عشقٍ مستحيلةِ الاحتواء ، كفُك سنابلُ مثقلةٌ بغلالِ الرؤى وصدرُك مرفأ ، ولكنّ الرحيل إليك مستحيل .
تأتي مطهَّـراً بالخمرِ والدموع ؛ طائراً سماوياً شفافاً أضاعَ طريقَـه فحطَّ على صدري واستراح ، أحضنه بألمٍ ، أليسَ الجرحُ في النهايةِ يحتضنُ الخنجرَ ؟ !
تختزلُ بصوتِـكَ عنادَ الموجِ وحنوَّ النزفِ ، بلحظةٍ تعربد طعناتٍ حاذقة ، وبابتسامةٍ تلغي لونَ الأشياءِ الكئيب ، ترفُّ وشاحَ دفءٍ على العالم .
أيُّـها المتعبُ حدّ البهاء ..
أيُّ وجعٍ تمارسهُ الأشياءُ ضدي إذ أُحبُّـك كما أحِـبّك !
حبُّكَ داخلي قنبلة موقوتة للعمر كلّـه ! لعينكَ تأوي عصافيرُ روحي ، ومعكَ أمارسُ نزفي حتى قعرِ الأوجاع .
لك في ذاكرتي ألفُ عرسٍ ولونُ حدادٍ ، وإذ ألمُّ بقايا صوتِـك تتشكّـلُ أصداؤه أنيناً وهديلاً ، ترحلُ دوماً وأعرف أن لا بدّ أن تعود .
ناء كوجه الطفولةِ الملطخ بالمسافات ، متوحدٌ بالحزن ومحنّـى ببهاء الوطن ، كفُّـكَ تحوي وجهي ، تتطابقُ وإياه تماماً بحرٌ ومدى ، والمدى لم يُـخلق لغير البحر! أوشكُ أنْ أمضي ودفء كفك !
بحضورك تكتمل الأشياءُ ، تمارسُ إنسانيّـتها ، تحطُ المساءاتُ على ضفة الحلم، الدروبُ تنادي بالمشاوير ، الخطى إيقاعٌ لنبض دافقٍ بالفرح ، معاً تضيءُ الشوارعُ قناديلَ حزنها ، تبعثرُ القرى حنينَـها ، تنسى المواويـلُ أشرعـةَ الصّمتِ وتبحـرُ إليك..
أيها المسافر بين النبض والنبض ..
وجهك صخبٌ لذيذٌ يعتركُ الأعماقَ ، جنونك بيدرٌ خصبٌ وجوعى مدى ، ليس يحويه أطرُ كونٍ مطعونٍ ، لمسافاته شهقةُ احتضارٍ سريعة ، وأنت تعلنُ أنْ ثمة مسافاتٍ مطلقة الجنون والامتداد تسكنُ الحلم .
أنت فجوةُ صمت في صرخة فجيعة يطلقها الكون منذ الأزل ؟ لطفولتك داخلي ألفُ تشكيل للحب .
أيُّـها الشاسعُ فيّ ، المفترش أعماقي لعنةً جميلة ! أمارسُ فقدَك كمن يتجرّعُ سُمّاً في أوجِ فرحة ، صدى ابتسامتك شوكةٌ تترنّـحُ في حلقي ، أفتقدكَ ، أفتقدك ، ألقيها شالاً على كتفِ الكون وانتحبُ بعري .
شيء حميمٌ يفقد حضوره في أعماقي ، ظلٌ قاتمٌ يصبغُ مساحات العمر ، رحيلُـك حسبتُـه طعنةً تعشبُ فجيعتَـها لموسمٍ واحد ، لكنه خصبٌ شرس يتخم العمرَ كله ! بقعةٌ خاوية تتسع بقسوةٍ ، تتدحرجُ داخلي ، تتقلبُ بألفِ وجهٍ وألفِ امتدادٍ للحزن .
لحظةَ بغيب يشحبُ لون دمي ، تصفرُ أغصانُ روحي ، وتهذي أناملي بجنون تتلمّسُ دفءَ حضورك ! يشرئب الحنين إليك ، يجوسُ ذكرياتنا الراعفةَ كأنامل نحاتٍ أعمى تخلقُ شمساً ليس يراها الآخرون !
تتقيأني الساعاتُ ، تسلمني بقرف سجّانة عجوز للجرح الآتي ، عيناك مدى قدسيّ مستباح وسنابل قلبي تدمن الانكسار ، وتنحني جذوة القلب للمسات البرد ، وأنت يا أنت ، تمتدُّ هناك باتساع الجرح في الأعماق .
تتكسر أواني العمر ، وتذوي بين الضلوع رغبةُ الاستمرار ، تطلُ من خاصرة الأفق أفعى العبثِ وتلوحُ خريطةُ العمر موشاةً بالتعب ..
أيُّـها الموغل في الأعماق …
أيُّـها النابض في كل الأشياء .
عيناك حزن شفيف يتسكع على أرصفة البوح .. ولا ينحني ! وللحظات أن تمارس كبرياءها إذ يحطُ صوتُـك المتعب على راحتيّ دموعاً ، لستَ تدركُ لهفتي أن أسدّ مسامك بأدمعي ! لستَ تدرك أنّ نزفك في محراب حناني ناراً توجع لكن تطهرني بالفرح ! وأعود راعية بدائية الطيبة والشراسة أرعى عشب عينيك ، هو الحبُ إذ يتوهّـجُ في صدر أنثى يشقُ أكمامَ البوحِ ليزهرَ بشراسة وجود يتحقق .
من أين آتي بأشرعةِ البوح ؟ !
الهواءُ الباردُ يثقلُ الروحَ بالاشتياق . وللمطر طعمُ النزف ، بلحظةٍ مذهلةٍ تحنو السماء وتذرو أنامل الغمام وجه من تحب ! يستنبتُ في الأعماق عطشاً لدفء شفيف كأسُ شاي مزنّـر بالرشفات المتهامسة ، له وحده أعلن ولائي وأنحني أمارسُ إنسانيتي المغيّـبة ، تتكئُ أحلامي على زندك ، وترتشفُ أناملك أدمعه العالقة بمرآة الروح .
أيُّـها المتعب بالمحبة والوطن ، لكَ كل هذا الحنين ! ما زلتَ طفلاً ترجّـل عن ساعدي ، خُـطا باتجاه شمس تعلنُ نزفها القاني ، تعيد لهذا المدى بهاه ، جرحٌ يتمردُ على الوجع اليومي ، تمعن في الحلم ولا تنحني ، لا تنحني ! وأنت تدرك أنّ الطائر الحبيس يخون نفسه حين يغني ! ترتدي عري الوطن ويرتديك في لحظة توحدٍ مستحيلة .
لا زلتَ خطأي البهيّ ، أقترفه ملء صحوي ووسعَ إنسانيتي وامتداد جنوني ، أشكّـله ـ على مهل ـ بأناملي المغموسة بالنار ، وأزرعـهُ وساماً معمَّداً بطهر الخطيئة .
أيها المسافر بين النبض والنبض .
لحظاتُ فقدك وخزات تستفز القلب للنزف ، تتشكّـل بلون البحر ، وللبحر رائحة الأشياء مجتمعة ، أكوِّم فكرة رحيلك ، أقذفها ، تشرنقني من الداخل ، لسر ما ـ يا صديقي ـ تشتعلُ ألسنةُ اللهب على ضفاف الجرح وتموت سريعاً جذوة الحياة في عيون الفرح !
ويا أنت ..
لا شيء يستطيع اغتيالك داخلي ! مَـن يستلُّ المدى المرصّع بالرؤى والبهاء .. من جسد البحر ؟ ! إنّـه المستحيل الوحيد في هذه الفوضى اللاهثة !
حبيي .. وبعد ،
وكيف أردُّ تفتق الحنين في جنبات الروح إليك ؟ وإن لاح في آخر العمل ظلٌ لوجهك ، كيف لا أنسى دمي ونزفي إليك بكل الجراح ، وكيف أهدهد وجدي عليك، وكيف وكيف ولا شيء يظللُ شقوقَ الظمأ فيكَ وفي غيرُ خيولِ السراب !
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــ
المبدعة/حنان بيروتي...




التعليق