
جمع المجد من كل أطرافه
الأسطورة ..... غازي القصيبي
الرياض - شافي الوسعان
غازي القصيبي أسطورة جمع المجد من كل أطرافه ، لا يعرفه من لم يغص في أعماق شعره ، و بحر أفكاره ، وسحر كلماته ، وعذوبة ألفاظه . لم يكن كغيره من المسئولين الذين تكون زياراتهم الميدانية مقدرة بعدد الصور التي يودون أن تتناقلها وسائل الإعلام ، أو ممن يزداد نشاطهم أواخر فترات التكليف ، ماالذي يدفع وزيراً بحجمه مواصلة تقديم الطلبات في أحد مطاعم الوجبات السريعة ولثلاث ساعات متواصلة ، وماذا كان يريد من مشاركة موظفي السنترال في استقبال شكاوى المواطنين عندما كان وزيراً للمياه والكهرباء ، ولماذا كان يتقمص شخصيات المراجعين ويزور المستشفيات حين كان وزيراً للصحة ،حدث ذلك في وقت كانت وسائل الإعلام فيه أبعد ما تكون عن المواطن ، وحين كانت الصحافة تعتقد أن المسئول لا يخطيء ... إنه الإخلاص ياسادة واستشعار المسئولية ، إلى درجة أن مناوئيه وعلى مقدار نفوذهم ودرجة ترصدهم لم يجدوا سبيلاً إلى الطعن في ذمته ، كان يتمتع بأعلى درجات التواضع والكياسة والأدب وحسن الخلق ، لم يكن يخفي أراءه ولا ينكرها ، إنما كان يعلنها مدوية ويدافع عنها ، وهو ما جعله محبوباً من الناس قريباً إلى النفس ، كلما قرأوا له أكثر عرفوا عنه أكثر و أحبوه أكثر ، لم يكن متصنعاً ولا متكلفاً في كل ما يكتبه ، يتحدث عن ممارسته كوزير أو سفير كما لو كان يتحدث عن إنسان عادي ، يذكر في روايته ( الأسطورة ) أنه عندما يدخل المطبخ يرمي قشور الطماطم في الأدراج ، ويطلب من حفيده ( فهد) أن يتوسل إلى جدته ( أم سهيل ) أن تخبره ( لماذا لم توافق على دعوة ديانا إلى الشاي ) ... كانت كل حياته صخباً وعواصف ، تخللتها أعاصير ومنعطفات حرجة،ربما كان أبرزها قصيدته الشهيرة ( رسالة المتنبي الأخيرة إلى سيف الدولة )وقصيدة ( الشهداء ) في الفلسطينية آيات الأخرس ، وديوانه ( معركة بلا راية ) وكتابه ( حتى لا تكون فتنة ) . مرحلة الصدام الفكري مع الفكر الصحوي ازدادت اندلاعاً أوائل التسعينات ، وكان بمفرده يواجه تياراً يملك أدوات التأثير وأسباب القوة وتجييش الناس واستعداء السلطات ، انتصر بعين السلطة ، وانتصروا بأعين الناس ، وسائل وصوله إلى الناس لم تكن كافية ، بعكس وسائلهم التي سهلت مهمتم وزادت أطماعهم لتمكنهم من توسيع دائرة الصراع لتشمل الدولة وبعض كبار العلماء ،كانت( العلمانية ) أبرز التهم التي أثرت في نفسه واستدعت تأليف كتاب ينفيها عنه ، يعتقد كثير من المتابعين لذلك الصراع بأن ( القصيبي ) قد كسبه ، بدليل أن بعض رموز الصحوة آنذاك حينما تحرر من رق التبعية وسلطة الجماهير تخلى عن عدد من الأفكار التي يؤمن بها ، بل وأصبح من المقربين جداً للراحل ( أبي يارا) والقائلين فيه أنه كان أنموذجاً للتغيير وتطوير الذات ، وأنه كان موسوعياً جمع بين الثقافة واللغة والأدب والمعرفة الشرعية ، وأنه كغيره من الناس الذين لو قدر لهم قراءة ماكتبوه لأتفقوا مع بعضه أحياناً، ولا ختلفوا مع بعضه الآخر أحياناً أخرى ... يالغرابةالتاريخ :فهو أكثر الأشياء تطرفاً أغلب الذين يخلدهم طيبون جداً أو سيئون جداً ... غفر الله للفقيد غازي القصيبي وأسكنه جناته ، وألهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان ...














التعليق