غرام الشاعر
قلّ من الشعراء ، تالداً وطريفاً ، من لم يحرك قلبَه الحبّ ،وإذا لم يحركه جاء شعره جافّاً نابياً ..ولذا فالعشاق من الشعراء كثيرون في الجاهلية ..منهم - عنترة وعبلة ،المخبل السعديّ والميلاء ، حاتم الطائي وماوية ، المرقش الأكبر وأسماء ، النمر بن تولب وممزة ، و سحيم بن الحسحاس وعمرة - .
امّا في صدر الإسلام فقد اشتهر رعيل من العشاق الشعراء ( جميل وبثينة )
وأول ما قاد المودة بيننـا
بوادي بغيض يا بثين سبابُ
فقلت لها قولاً فجاءت بمثله
لكلّ كلامٍ يا بثيـن جـوابُ
وعمر بن ابي ربيعة.. الذي اشتهر بتصببه وتشببه في كل حسناء حتى في الطواف .. وقد تعرض لأشهر نسوة العرب ومنهن ..فاطمة بنت مروان بن عبد الملك - الخليفة الأموي- ولكنه خشي ذكر اسمها من عقاب الخليفة لو علم ...فلما عادت من الحج قال فيها ..
كدت يوم الرحيل أقضي حياتي
ليتني مت قبل يـوم الرحيـل
لا اطيق الكلام من شدة الخوف
ودمعـي يسيـل كـل مسيـل
ذرفت دمعها وفاضت دموعي
وكلانا يلقـي بلـب اصيـل
واشهرهم .. مجنون ليلى ..
أعد الليالـي ليلـة بعـد ليلـة
وقد كنت من قبل لا أعد اللياليا
أراني اذا صليت يممت نحوهـا
بوجهي وإن كان المصلّى ورائيا
أصلّي فما ادري اذا ما ذكرتهـا
اثنتيـن صلـيـت أم ثمانـيـا
وما بي إشـراك ولكـن حبهـا
كعود الشجا أعيا الطبيب المداويا
و( كثير عزة ) وسواهم الكثير الكثير مما يضيق المجال هنا لذكرهم جميعاً ..
اما صاحبنا .. ديك الجنّ ...فبينما كان يتنزه مع صحب له يتسامرون بعد العشاء في متنزه الميماس - بحمص - وعلى مرج اخضر ، زاهي اللون ، ينعش القلب ،ويخلب اللب ،ويموج بالورود وشقائق النعمان .. جلسوا معاً على أصوات إنشاد المغنين .. وتلاعب الوتار ... ودارت الصهباء دورتها .. فلعبت برؤوسهم جميعاً ... وعلى حين غرة ساد الجمع صمت لم تقطعه سوى همسات شاب طويل كالرمح السمهري هو بكر بن رستم .. صديق ديك الجن المقرّب .. همس في اذن ديك الجن كلمات .. فقال له ديك الجن ..:
علام التشاؤم يا بكر ، وليس في هذا الجو الشذي الاّ ما يبعث على البشر والتفاؤل .. انت في ربيع الحياة يا صديقي فلا تنظر الى الدنيا بمنظار اسود .. وقال له ...:ابياتاً من الشعر لأبي نواس :
إشرب فُديت علانية
أمّ التستـر زانيـة
اشرب فديتك واسقني
حتى انـام مكانيـه
ودع التستر والرياء
فما هما من شأنيـه
سمعها شاب خفيف الظل فراح ينشد :
ولا تبكين على ناسك !... وإن مات ذو طربٍ فابكه
وأخذ الندامى في تحريك رؤوسهم لفرط النشوة والطرب مرددين :
رحمة العود والجنوك عليه...وصلاة القانون والمزمار
وبينما هم كذلك وإذا بصوت ابو الطيب القاصف - ابن عم ديك الجنّ واحد وجهاء حمص ومقرباً من ولاة الأمر .. يتهددهم بالغلال اذا لم يتفرقوا في الحال ..فما كان من جمعهم ال وان تفرق .. ، حيث مضى كل الى سبيله .. بينما تابع ديك الجن وصديقه بكر بين الحقول والكدر يأخذ منهما مأخذه ،
بين البساتين .. وكانا قد دخلا ارضاً تابعة لأحد الأديرة النصرانية عن غير وعي منهما .. سمعا بين ظلال اشجارها اصوات صبايا يتسامرن ويتراقصن ويغنين .. فاقتربا من الجمع .. واصاخا السمع حتى خرجت تنهيدة من ديك الجن لجمال الصوت الذي سمع .. فانكشف امرهما ..
اقتربت الصبايا منهما ..وههددتهما احداهن بان تصرخ فتجمع علبه اهل الدير لينالا عقاب كشف سترهن والتعدّي على حرمة الجمع في مكان مخصص للدير واهله فقط ، هنا قال لها ديك الجن وقد فتن بجمالها وبياض خديها ، اوتدرين لمن الأبيات التي كنتِ تتغنين بها منذ قليل .. قالت هذه لشاعر يدعى ( ديك الجنّ) فقال لها أنا ديك الجن ... فلم تصدقه قائلة ان ديك الجن اكثر شهامة ومروءة من هذه التصرفات ولا يعقل ان تكون انت .. واذا كنت انت فاتني بابيات تثبت ذلك من وحي افكارك الان .. فقال لها ..بصوته المتهدج الذي خالطه الوجد والجوى اللاعج ..:
قولـي لطيفـك ينثنـي
عن مضجعي وقت المنام
كي استريـح وتنطفـي
نار تؤجج فـي العظـام
دنـف تقلبـه الأكــف
على فراش من سقـام
أما أنـا فكمـا علمـتِ
فهل لوصلك من دوام ؟
سرت الحسناء .. لكنها لم تصدق بعد .. وقالت له باستطاعة اي هاوٍ قول ذلك مرة واحدة او حفظ الأبيات .. فهلاّ غيرت القافية ..
قال :
قولـي لطيفـك ينثنـي
عن مضجعي وقت الرقاد
كي استريـح وتنطفـي
نار تؤجج فـي الفـؤاد
دنـف تقلبـه الأكـف
على فراش مـن قتـاد
أما أنـا فكمـا علمـتِ
فهل لوصلك من معاد ؟
( هذه المقطوعة السابقة غنّتها كوكب الشرق أم كلثوم )
بدأت الحسناء عندها تتيقن ولكنها طلبت منه تكرار تغيير القافية كي تقطع الشك باليقين ..فقال :
قولـي لطيفـك ينثـنـي
عن مضجعي وقت الهجوع
كـي استريـح وتنطفـي
نار تؤجج فـي الضلـوع
دنـف تقلبـه الأكــف
على فراش مـن دمـوع
أمـا أنـا فكمـا علمـتِ
فهل لوصلك من رجوع ؟
... وكرر ذلك مرة رابعة .. ايضاً .. فأعجبت الغادة الحسناء بشاعريته .. وقد كان اسمه قد سبقه اليها فوقعت في غرامه كما هام بها .... وبارك لهما هذا الحب صديقه بكر .. الذي كان يفديه بروحه ودمه ليراه سعيداً ...
تزوج العاشقان ... ديك الجن الحمصي .. وورد بنت الناعمة
وكانت حياتهما عسل وشهد وحب ووفاء .. وصديقه بكر بن رستم أكثر منهما سعادة من فرط حبه وإخلاصه لــ ديك الجن .. رفيق صباه ودربه .. وكذا ديك الجن كان يثق بصديقه ويسر له بكل صغيرة وكبيرة ..
لم يعجب هذا الوضع شيطان اسمه ( ابو الطيب ) ابن عم ديك الجن .. فبدأ يتردد على بيته ويتودد من ورد في غياب زوجها ديك الجن بحجة سؤالها ان كانت تحتاج شيئاً .. وهي تصده وتصون غياب ديك الجن .. فبدأ الشيطان يخيط في رأس أبي الطيب مكيدة .. ينتقم بها من ابن عمه وينفث سموم حقده .. خاصة وانه كان يخاف ان تذيع ورد سرّ مراوداته لها ومحاولاته اليائسة للنيل منها ..فيفتضح امره ..
كان ديك الجن متلافاً للمال .. فقد انفق كل ما ورث عن ابيه وجده من مال وعقار .... واستدان مبلغاً من أبي الطيب ذات يوم .. قبل زفافه من محبوبته .. فوجد أبو الطيب ضالته بهذا الأمر .. وبدأ مضايقاته لــ ديك الجنّ بحجة المال وحاجته له والإصرار عليه في أقرب وقت .. ولم تنفع توسلات ديك الجن معه .. فقرر ديك الجن السفر الى سلمية احدى مناطق الشام لمقابلة الأمير الهاشمي فيها ( احمد بن علي ) الذي كان يوده ..لعله يحضر ما يسد به حاجة ابن عمه ويقضي عنه دينه .. اوصى صديقه بكر خيراً بــ ورد .. وودعها وسار مع القافلة ..،
*******
يتبع ( المؤامرة وقتل الحبيب والصديق )
.
قلّ من الشعراء ، تالداً وطريفاً ، من لم يحرك قلبَه الحبّ ،وإذا لم يحركه جاء شعره جافّاً نابياً ..ولذا فالعشاق من الشعراء كثيرون في الجاهلية ..منهم - عنترة وعبلة ،المخبل السعديّ والميلاء ، حاتم الطائي وماوية ، المرقش الأكبر وأسماء ، النمر بن تولب وممزة ، و سحيم بن الحسحاس وعمرة - .
امّا في صدر الإسلام فقد اشتهر رعيل من العشاق الشعراء ( جميل وبثينة )
وأول ما قاد المودة بيننـا
بوادي بغيض يا بثين سبابُ
فقلت لها قولاً فجاءت بمثله
لكلّ كلامٍ يا بثيـن جـوابُ
وعمر بن ابي ربيعة.. الذي اشتهر بتصببه وتشببه في كل حسناء حتى في الطواف .. وقد تعرض لأشهر نسوة العرب ومنهن ..فاطمة بنت مروان بن عبد الملك - الخليفة الأموي- ولكنه خشي ذكر اسمها من عقاب الخليفة لو علم ...فلما عادت من الحج قال فيها ..
كدت يوم الرحيل أقضي حياتي
ليتني مت قبل يـوم الرحيـل
لا اطيق الكلام من شدة الخوف
ودمعـي يسيـل كـل مسيـل
ذرفت دمعها وفاضت دموعي
وكلانا يلقـي بلـب اصيـل
واشهرهم .. مجنون ليلى ..
أعد الليالـي ليلـة بعـد ليلـة
وقد كنت من قبل لا أعد اللياليا
أراني اذا صليت يممت نحوهـا
بوجهي وإن كان المصلّى ورائيا
أصلّي فما ادري اذا ما ذكرتهـا
اثنتيـن صلـيـت أم ثمانـيـا
وما بي إشـراك ولكـن حبهـا
كعود الشجا أعيا الطبيب المداويا
و( كثير عزة ) وسواهم الكثير الكثير مما يضيق المجال هنا لذكرهم جميعاً ..
اما صاحبنا .. ديك الجنّ ...فبينما كان يتنزه مع صحب له يتسامرون بعد العشاء في متنزه الميماس - بحمص - وعلى مرج اخضر ، زاهي اللون ، ينعش القلب ،ويخلب اللب ،ويموج بالورود وشقائق النعمان .. جلسوا معاً على أصوات إنشاد المغنين .. وتلاعب الوتار ... ودارت الصهباء دورتها .. فلعبت برؤوسهم جميعاً ... وعلى حين غرة ساد الجمع صمت لم تقطعه سوى همسات شاب طويل كالرمح السمهري هو بكر بن رستم .. صديق ديك الجن المقرّب .. همس في اذن ديك الجن كلمات .. فقال له ديك الجن ..:
علام التشاؤم يا بكر ، وليس في هذا الجو الشذي الاّ ما يبعث على البشر والتفاؤل .. انت في ربيع الحياة يا صديقي فلا تنظر الى الدنيا بمنظار اسود .. وقال له ...:ابياتاً من الشعر لأبي نواس :
إشرب فُديت علانية
أمّ التستـر زانيـة
اشرب فديتك واسقني
حتى انـام مكانيـه
ودع التستر والرياء
فما هما من شأنيـه
سمعها شاب خفيف الظل فراح ينشد :
ولا تبكين على ناسك !... وإن مات ذو طربٍ فابكه
وأخذ الندامى في تحريك رؤوسهم لفرط النشوة والطرب مرددين :
رحمة العود والجنوك عليه...وصلاة القانون والمزمار
وبينما هم كذلك وإذا بصوت ابو الطيب القاصف - ابن عم ديك الجنّ واحد وجهاء حمص ومقرباً من ولاة الأمر .. يتهددهم بالغلال اذا لم يتفرقوا في الحال ..فما كان من جمعهم ال وان تفرق .. ، حيث مضى كل الى سبيله .. بينما تابع ديك الجن وصديقه بكر بين الحقول والكدر يأخذ منهما مأخذه ،
بين البساتين .. وكانا قد دخلا ارضاً تابعة لأحد الأديرة النصرانية عن غير وعي منهما .. سمعا بين ظلال اشجارها اصوات صبايا يتسامرن ويتراقصن ويغنين .. فاقتربا من الجمع .. واصاخا السمع حتى خرجت تنهيدة من ديك الجن لجمال الصوت الذي سمع .. فانكشف امرهما ..
اقتربت الصبايا منهما ..وههددتهما احداهن بان تصرخ فتجمع علبه اهل الدير لينالا عقاب كشف سترهن والتعدّي على حرمة الجمع في مكان مخصص للدير واهله فقط ، هنا قال لها ديك الجن وقد فتن بجمالها وبياض خديها ، اوتدرين لمن الأبيات التي كنتِ تتغنين بها منذ قليل .. قالت هذه لشاعر يدعى ( ديك الجنّ) فقال لها أنا ديك الجن ... فلم تصدقه قائلة ان ديك الجن اكثر شهامة ومروءة من هذه التصرفات ولا يعقل ان تكون انت .. واذا كنت انت فاتني بابيات تثبت ذلك من وحي افكارك الان .. فقال لها ..بصوته المتهدج الذي خالطه الوجد والجوى اللاعج ..:
قولـي لطيفـك ينثنـي
عن مضجعي وقت المنام
كي استريـح وتنطفـي
نار تؤجج فـي العظـام
دنـف تقلبـه الأكــف
على فراش من سقـام
أما أنـا فكمـا علمـتِ
فهل لوصلك من دوام ؟
سرت الحسناء .. لكنها لم تصدق بعد .. وقالت له باستطاعة اي هاوٍ قول ذلك مرة واحدة او حفظ الأبيات .. فهلاّ غيرت القافية ..
قال :
قولـي لطيفـك ينثنـي
عن مضجعي وقت الرقاد
كي استريـح وتنطفـي
نار تؤجج فـي الفـؤاد
دنـف تقلبـه الأكـف
على فراش مـن قتـاد
أما أنـا فكمـا علمـتِ
فهل لوصلك من معاد ؟
( هذه المقطوعة السابقة غنّتها كوكب الشرق أم كلثوم )
بدأت الحسناء عندها تتيقن ولكنها طلبت منه تكرار تغيير القافية كي تقطع الشك باليقين ..فقال :
قولـي لطيفـك ينثـنـي
عن مضجعي وقت الهجوع
كـي استريـح وتنطفـي
نار تؤجج فـي الضلـوع
دنـف تقلبـه الأكــف
على فراش مـن دمـوع
أمـا أنـا فكمـا علمـتِ
فهل لوصلك من رجوع ؟
... وكرر ذلك مرة رابعة .. ايضاً .. فأعجبت الغادة الحسناء بشاعريته .. وقد كان اسمه قد سبقه اليها فوقعت في غرامه كما هام بها .... وبارك لهما هذا الحب صديقه بكر .. الذي كان يفديه بروحه ودمه ليراه سعيداً ...
تزوج العاشقان ... ديك الجن الحمصي .. وورد بنت الناعمة
وكانت حياتهما عسل وشهد وحب ووفاء .. وصديقه بكر بن رستم أكثر منهما سعادة من فرط حبه وإخلاصه لــ ديك الجن .. رفيق صباه ودربه .. وكذا ديك الجن كان يثق بصديقه ويسر له بكل صغيرة وكبيرة ..
لم يعجب هذا الوضع شيطان اسمه ( ابو الطيب ) ابن عم ديك الجن .. فبدأ يتردد على بيته ويتودد من ورد في غياب زوجها ديك الجن بحجة سؤالها ان كانت تحتاج شيئاً .. وهي تصده وتصون غياب ديك الجن .. فبدأ الشيطان يخيط في رأس أبي الطيب مكيدة .. ينتقم بها من ابن عمه وينفث سموم حقده .. خاصة وانه كان يخاف ان تذيع ورد سرّ مراوداته لها ومحاولاته اليائسة للنيل منها ..فيفتضح امره ..
كان ديك الجن متلافاً للمال .. فقد انفق كل ما ورث عن ابيه وجده من مال وعقار .... واستدان مبلغاً من أبي الطيب ذات يوم .. قبل زفافه من محبوبته .. فوجد أبو الطيب ضالته بهذا الأمر .. وبدأ مضايقاته لــ ديك الجنّ بحجة المال وحاجته له والإصرار عليه في أقرب وقت .. ولم تنفع توسلات ديك الجن معه .. فقرر ديك الجن السفر الى سلمية احدى مناطق الشام لمقابلة الأمير الهاشمي فيها ( احمد بن علي ) الذي كان يوده ..لعله يحضر ما يسد به حاجة ابن عمه ويقضي عنه دينه .. اوصى صديقه بكر خيراً بــ ورد .. وودعها وسار مع القافلة ..،
*******
يتبع ( المؤامرة وقتل الحبيب والصديق )
.










التعليق