alardha blog bannar and free books initiative

Collapse

إعلان

Collapse
لا يوجد إعلانات حتى الآن.

KJA_adsense_ad5

Collapse

نكبةَ الأمةِ بالمنافقين تسبقُ كلّ النكبات

Collapse
X
 
  • فرز
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts

  • نكبةَ الأمةِ بالمنافقين تسبقُ كلّ النكبات

    يُخطئُ من يَظنُّ أنَّ النفاقَ الذي أفاضَ القرآنُ في الحديثِ عنهُ، وأنَّ المنافقين الذين أسهبَ القرآنُ في التحذيرِ منهم، كان يُمثلُ مرحلةً تاريخيةً انقضت بدخولِ الناسِ في دين أفواجاً، فالعصرُ الذهبيُ للبشريةِ عامة – وللمسلمين خاصة - الذي شهِدت الأرضُ طهرتَ أيام الرسالةِ المحمديةِ ، لم يخلُ من ظُلمِ النفاقِ وظُلماتِه ، فهل تُعصمُ منه العصورُ التالية ؟


    إنَّ جوهرَ النفاقِ وطينةَ المنافقين واحدةٌ على مرِّ العصور، ولكن الفرقَ في الظروفِ المتوفرةِ للمنافقين بين الأمسِ واليوم ، فالنفاقُ في مراحلِ تمكين الدين وغلبةِ المسلمين كان ذُلّاً يَستخفي ، وضعفاً يتواري ، وخضوعاً مقموعاً ، يمثلهُ عمالقةٌ في الظاهرِ وفي الحقيقةِ هم أقزامٌ ورؤوسٌ أزلام، وهي حياتٌ وعقاربٌ موطوءةٌ تكادُ ألاَّ تنفثَ السمَّ إلاَّ وهي تلفظُ الحياة ، كان تمكينُ الدينِ وقتَها يُمكنُ المؤمنين من جهادِ أولئك المنافقين الأسافلِ باليدِ واللسانِ والقلب، وإقامةِ الحدودِ، وكان القرآنُ ينزلُ كاشفاً لخبايا نفوسهم، وخبثَ طويتهم ، ولذا فلا يُرى أحدُهم إلاَّ وهو محاصرٌ مكدود، ، ومحذورٌ أو مجلود، أو معتذرٌ مكشوفٌ ؟


    أمَّا اليوم فالنفاقُ صرحٌ مُمرد، وقواعدُ وجيوشٌ تتحرك ، وقلاعٌ تُشيَّد، إنَّهُ اليومَ دولةٌ بل دولٌ، ذاتُ هيئاتٍ وأركانٍ ، وأحلافٍ وتكتلات، معسكراتٌ وسلطانٌ – ، يُمارسُ الضرارَ في كلِّ مضمار ؟!


    ومن هُنا- معاشرَ المسلمين – وجبَ الحذرُ والتحذيرُ من النفاقِ وكشفِ المنافقين، ويكفيكَ – يا أخا الإسلام- أن تُطالعَ في القرآنِ وفي صحيحِ السنةِ والسيرةِ النبوية – كشفَهم وملامحَهم وأساليبَهم –

    فبضاعتُهم الحلفُ والكذب (( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)) (سورة المجادلة: 14) .

    وسيِماهم لمزُ المطَّوعين من المؤمنين، إنَّهم بُخلاء جُبناء ، حائرون مترددون كالشاهِ العائرةِ بين الغنمين، [ مسلمٌ والنسائي جامع الأصول 11/571] وهي المترددةُ بين قطيعين، لا تدري أيُّهما تتبع، مذبذبون في توجهاتِهم وسلوكياتِهم، لا إلى هؤلاءِ ولا إلى هؤلاء، [ النهاية : 3/1328]

    منكوسةً فطرُهم، أو يأمرون بالمنكرِ وينهونَ عن المعروف ، ومعوجةٌ أخلاقُهم إذ يحلفون على الكذبِ وهم يعلمون ، ومطبوعٌ على قلوبِهم فهم لا يفقهون، مظاهرُ جوفاءَ، رعاديدُ عند المواجهةِ واللقاء (( وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ)) (سورة المنافقون: 4) .

    أركسهُم الله بما كسبوا، وفي الفتنةِ سقطوا، يُقلِّبون الأمور، ويسخرون بالمؤمنين، ومن هَلَعِهم وفَرَقهم : (({لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ} (سورة التوبة: 57)

    ألسنتُهم ظاهراً مع المسلمين، وقُلوبُهم مع الكافرين، (( وَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ)) (سورة التوبة: 56) .

    يخشونَ الدوائرَ ويُسارِعون في موالاةِ الكافرين، وشعارُهم ((نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ)) (سورة المائدة:52) .

    يُحبون أن تشيعَ الفاحشةُ في الذين آمنوا، ورؤوسُهم يُمارسون إكراه فتياتهم على البغاء ؟

    فتاريخُهم حاملٌ بإفسادِ المرأة ، وشرُّهم سابقٌ في إشعالِ الفتنة .

    إنَّهم عيونُ الأعداءِ على المسلمين، كما وصفهم الطبري ( جامع البيان 30/ 70) وابن الجوزي ( زاد الميسر 8/286) والواقعُ يُثبتُ يوماً بعدَ يومٍ أنَّ نكبةَ الأمةِ بالمنافقين تسبقُ كلّ النكباتِ، فالكافرُ الظاهر – على خطرهِ وضررهِ – يعجزُ في كلِّ مرةٍٍ أن يواجهَ فيها أمةَ الإسلام، أو أن ينفردَ بإحرازِ نصرٍ شاملٍ عليها ما لم يكن مَسْتُوراً بجيشِ المنافقين – يُخلِصُ لهم في النصحِ، ويفتحُ لهم الأبوابَ، ويُذللُ أمامَهم العقباتِ، وقاتلَ اللهُ المنافقين كم جَنوا على بلادِهم وأبناءِ جلدتِهم من الويلاتِ والنكبات ، ومن يُهنِ اللهُ فما لهُ من مكرم، وقاتلَ اللهُ المنافقين أنَّى يؤفكون .

    معاشرَ المسلمين

    إنَّ الحديثَ عن المنافقين يطولُ ، كيف لا وآياتُ القرآنِ صرَّحت بذكرِ النفاقِ والمنافقين في نحوِ سبعٍ وثلاثين آية ، وفصّلت، وفرَّعت في الكلامِ عنهم أضعافَ ذلك من الآياتِ، موزعةً على إحدى عشرةَ سورة ([1])

    أمَّا الحديثُ عن ( من في قلوبهم مرض ) فكثيراً أيضاً، وهؤلاءِ المرضى للقلوبِ فئةٌ من المنافقين، وفئةٌ أخرى رديفةٌ لهم ، ومخزونٌ احتياطي لهم .

    ومن هُنا وجبَ الحذرُ من مرضِ القلبِ – بالشهوةِ أو الشبهة – ومعالجةُ ذلك عاجلاً بالصدقِ والإيمانِ والمجاهدةِ، ذلكم أنَّ المتأملَ في حديثِ القرآن عن مرضى القلوبِ، يُمكنُ أن يستنتجَ أنَّ هؤلاء لديهم الاستعداد، لأن يكونوا منافقين معلومي النفاق بما لديهم من شهوةٍ أو شبهة، فهم قومٌ ضعِيفوا الإيمانِ إلى أدنى حدٍ، حتى إنَّ أحوالهم تكادُ تنقلبُ إلى معسكرِ النفاقِ الصريحِ، لفرطِ قنوطهم وفتورهم، وقلة يقينهم ، ولشدةِ تعلقهم بالدنيا ومطامعها .

    ويُقال أنَّ مرضى القلوبِ يُمارسون تطرفاً صارخاً باتجاهين ، فهم يتطرفون في بُغض أهلِ الدين، وإساءةِ الظنِ بهم، ويتطرفونَ في الدفاعِ عن الكفارِ وحسنَ الظنِّ بهم، وهذا جوهرُ مرضِ القلبِ ( عبد العزيز كامل : جهاد المنافقين : البيان : شهر 1/1422)

    ألا ففتِّشوا عن أنفسكم ومدى ولائِكم ومحبتكم للمؤمنين – وإن كانوا ضعفاء مقهورين –، وبغضُكم وبراءتُكم من الكافرين، وإن كانوا ظاهرينَ مُتسلطين، وخلِّصوا أنفُسَكم في قلوبِهم من النفاق وسمات المنافقين.

    عبادَ اللهِ: و من واقعِ السيرةِ النبوية – ومواقفَ المنافقينَ في عهدِ النبوة ، يستطيعُ القارئُ الفطنُ أن يرصدَ تعاونَ المنافقين مع أكثر من طرفٍ ، فهم مع المُشركين على المسلمين ، وهم حُلفاءُ بل إخوانٌ لليهود – بنص القرآن – وهم مُتحالفون مع الأحزابِ وهم عونٌ للنصارى في حربهم ضدَّ المسلمين وإليكم البيانُ

    ففي غزوة أحدٍ – حين جاءت قريشٌ بكبريائها، تريدُ الثأرَ لتقلاها في بدر، قامَ المنافقونَ وفي أحلكِ الظروف بخذلان المؤمنين ، وانسحب زعيمُهم عبدُ الله بنُ أبي بثلثِ الجيش، ودخلَ المدينةَ بأتباعهِ تاركاً المسلمينَ وحدهُم في ساحاتِ الجهاد، يُواجِهون عدواً يفُوقُهم في العددِ والعُدة الحربية، وهذا الانسحاب المُخزي أوشكَ أن يوقعَ الفشلُ في طوائف من المؤمنين، قال اللهُ عنهم (( إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَاللّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)) (سورة آل عمران:122 ) .

    وأحدثَ هذا التراجعُ المُذلُ من المنافقين اختلافاً بين المؤمنينَ في التعاملِ مع المنافقين، فرقةٌ تقولُ نقتلهم، والأخرى تقولُ لا نقتلهم، فأنزل اللهُ (( فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً)) (سورة النساء:88) .

    وحينها قال رسولُ الله- صلى الله عليه وسلم- : (( إنَّها طيبةُ وإنَّها تنفي الخبثَ كما تنفي النارُ خبثَ الفضةِ )) أخرجهُ أحمد والشيخان ( في تفسير سورة النساء (خ) ومسلمٌ في المنافقين )

    أمَّا المنافقون فقد ظنوا باللهِ الظنونَ السيئةِ، وكشفَ القرآنُ خبيئتَهم فقال تعالى : (({ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)) (سورة آل عمران:154) .

    وحين انكشفت المعركةُ وأصيبَ من أصيبَ من المؤمنين، تشفى المنافقونَ وسُرُّوأ لمصابهم، واشتركوا مع اليهودِ في المشاعرِ الفاسدة ، قال ابنُ حجر " حين بكى المسلمون على قتلاهم سُرَّ المنافقون ، وظَهَرَ غَشَشُ اليهودِ ، وفارت المدينةُ بالنفاق ، فقالت اليهودُ لو كان نبياً ما ظهروا عليه ، يعني – المشركين - وقال المنافقون لو أطاعونا ما أصابهم هذا ؟ [ الفتح : 7/347] .

    بل جعلوا يقولونَ لأصحابِ رسولِ الله صلى الله عليه و سلم لو كان من قُتلَ منكم عندنا ما قُتل ، وهم يَهدِفون إلى تفريق المسلمين، والتخذيل عن مصاحبةِ النبيِّ صلى الله عليه و سلم، وأنَّى لهم ذلكَ مع قومٍ قالوا لمن قال لهم: إنَّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل !

    إنَّهم بحكم القرآن إخوانٌ لليهود، وهم جَاهزونَ للخروجِ معهم لو أُخرجوا، ومستعدُون للقتالِ معهم، ولو باللسانِ إن قُوتلوا ؟ فهل بعد هذا من نصرةٍ وتقاربٍ بين المنافقينَ واليهود،، ومن رامَ تفصيلَ ذلك فليقرأ في تفسيرِ الآية، وليقف عندَ حوادثَ السيرةِ النبوية .

    وبقي وحيُ السماءِ موعظةً وذكرى لكلِ عملٍ ظاهرُهُ الحسنى، وباطنُه النفاقُ والكفر، أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم : (( وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ)) (سورة التوبة : 107 , 108) .

  • #2
    جزاك الله خيراً يا شيخ علي .

    التعليق


    • #3
      {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ}

      التعليق


      • #4
        المشاركة الأصلية بواسطة علي حريصي
        يُخطئُ من يَظنُّ أنَّ النفاقَ الذي أفاضَ القرآنُ في الحديثِ عنهُ، وأنَّ المنافقين الذين أسهبَ القرآنُ في التحذيرِ منهم، كان يُمثلُ مرحلةً تاريخيةً انقضت بدخولِ الناسِ في دين أفواجاً، فالعصرُ الذهبيُ للبشريةِ عامة – وللمسلمين خاصة - الذي شهِدت الأرضُ طهرتَ أيام الرسالةِ المحمديةِ ، لم يخلُ من ظُلمِ النفاقِ وظُلماتِه ، فهل تُعصمُ منه العصورُ التالية ؟


        إنَّ جوهرَ النفاقِ وطينةَ المنافقين واحدةٌ على مرِّ العصور، ولكن الفرقَ في الظروفِ المتوفرةِ للمنافقين بين الأمسِ واليوم ، فالنفاقُ في مراحلِ تمكين الدين وغلبةِ المسلمين كان ذُلّاً يَستخفي ، وضعفاً يتواري ، وخضوعاً مقموعاً ، يمثلهُ عمالقةٌ في الظاهرِ وفي الحقيقةِ هم أقزامٌ ورؤوسٌ أزلام، وهي حياتٌ وعقاربٌ موطوءةٌ تكادُ ألاَّ تنفثَ السمَّ إلاَّ وهي تلفظُ الحياة ، كان تمكينُ الدينِ وقتَها يُمكنُ المؤمنين من جهادِ أولئك المنافقين الأسافلِ باليدِ واللسانِ والقلب، وإقامةِ الحدودِ، وكان القرآنُ ينزلُ كاشفاً لخبايا نفوسهم، وخبثَ طويتهم ، ولذا فلا يُرى أحدُهم إلاَّ وهو محاصرٌ مكدود، ، ومحذورٌ أو مجلود، أو معتذرٌ مكشوفٌ ؟


        أمَّا اليوم فالنفاقُ صرحٌ مُمرد، وقواعدُ وجيوشٌ تتحرك ، وقلاعٌ تُشيَّد، إنَّهُ اليومَ دولةٌ بل دولٌ، ذاتُ هيئاتٍ وأركانٍ ، وأحلافٍ وتكتلات، معسكراتٌ وسلطانٌ – ، يُمارسُ الضرارَ في كلِّ مضمار ؟!


        ومن هُنا- معاشرَ المسلمين – وجبَ الحذرُ والتحذيرُ من النفاقِ وكشفِ المنافقين، ويكفيكَ – يا أخا الإسلام- أن تُطالعَ في القرآنِ وفي صحيحِ السنةِ والسيرةِ النبوية – كشفَهم وملامحَهم وأساليبَهم –

        فبضاعتُهم الحلفُ والكذب (( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)) (سورة المجادلة: 14) .

        وسيِماهم لمزُ المطَّوعين من المؤمنين، إنَّهم بُخلاء جُبناء ، حائرون مترددون كالشاهِ العائرةِ بين الغنمين، [ مسلمٌ والنسائي جامع الأصول 11/571] وهي المترددةُ بين قطيعين، لا تدري أيُّهما تتبع، مذبذبون في توجهاتِهم وسلوكياتِهم، لا إلى هؤلاءِ ولا إلى هؤلاء، [ النهاية : 3/1328]

        منكوسةً فطرُهم، أو يأمرون بالمنكرِ وينهونَ عن المعروف ، ومعوجةٌ أخلاقُهم إذ يحلفون على الكذبِ وهم يعلمون ، ومطبوعٌ على قلوبِهم فهم لا يفقهون، مظاهرُ جوفاءَ، رعاديدُ عند المواجهةِ واللقاء (( وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ)) (سورة المنافقون: 4) .

        أركسهُم الله بما كسبوا، وفي الفتنةِ سقطوا، يُقلِّبون الأمور، ويسخرون بالمؤمنين، ومن هَلَعِهم وفَرَقهم : (({لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ} (سورة التوبة: 57)

        ألسنتُهم ظاهراً مع المسلمين، وقُلوبُهم مع الكافرين، (( وَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ)) (سورة التوبة: 56) .

        يخشونَ الدوائرَ ويُسارِعون في موالاةِ الكافرين، وشعارُهم ((نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ)) (سورة المائدة:52) .

        يُحبون أن تشيعَ الفاحشةُ في الذين آمنوا، ورؤوسُهم يُمارسون إكراه فتياتهم على البغاء ؟

        فتاريخُهم حاملٌ بإفسادِ المرأة ، وشرُّهم سابقٌ في إشعالِ الفتنة .

        إنَّهم عيونُ الأعداءِ على المسلمين، كما وصفهم الطبري ( جامع البيان 30/ 70) وابن الجوزي ( زاد الميسر 8/286) والواقعُ يُثبتُ يوماً بعدَ يومٍ أنَّ نكبةَ الأمةِ بالمنافقين تسبقُ كلّ النكباتِ، فالكافرُ الظاهر – على خطرهِ وضررهِ – يعجزُ في كلِّ مرةٍٍ أن يواجهَ فيها أمةَ الإسلام، أو أن ينفردَ بإحرازِ نصرٍ شاملٍ عليها ما لم يكن مَسْتُوراً بجيشِ المنافقين – يُخلِصُ لهم في النصحِ، ويفتحُ لهم الأبوابَ، ويُذللُ أمامَهم العقباتِ، وقاتلَ اللهُ المنافقين كم جَنوا على بلادِهم وأبناءِ جلدتِهم من الويلاتِ والنكبات ، ومن يُهنِ اللهُ فما لهُ من مكرم، وقاتلَ اللهُ المنافقين أنَّى يؤفكون .

        معاشرَ المسلمين

        إنَّ الحديثَ عن المنافقين يطولُ ، كيف لا وآياتُ القرآنِ صرَّحت بذكرِ النفاقِ والمنافقين في نحوِ سبعٍ وثلاثين آية ، وفصّلت، وفرَّعت في الكلامِ عنهم أضعافَ ذلك من الآياتِ، موزعةً على إحدى عشرةَ سورة ([1])

        أمَّا الحديثُ عن ( من في قلوبهم مرض ) فكثيراً أيضاً، وهؤلاءِ المرضى للقلوبِ فئةٌ من المنافقين، وفئةٌ أخرى رديفةٌ لهم ، ومخزونٌ احتياطي لهم .

        ومن هُنا وجبَ الحذرُ من مرضِ القلبِ – بالشهوةِ أو الشبهة – ومعالجةُ ذلك عاجلاً بالصدقِ والإيمانِ والمجاهدةِ، ذلكم أنَّ المتأملَ في حديثِ القرآن عن مرضى القلوبِ، يُمكنُ أن يستنتجَ أنَّ هؤلاء لديهم الاستعداد، لأن يكونوا منافقين معلومي النفاق بما لديهم من شهوةٍ أو شبهة، فهم قومٌ ضعِيفوا الإيمانِ إلى أدنى حدٍ، حتى إنَّ أحوالهم تكادُ تنقلبُ إلى معسكرِ النفاقِ الصريحِ، لفرطِ قنوطهم وفتورهم، وقلة يقينهم ، ولشدةِ تعلقهم بالدنيا ومطامعها .

        ويُقال أنَّ مرضى القلوبِ يُمارسون تطرفاً صارخاً باتجاهين ، فهم يتطرفون في بُغض أهلِ الدين، وإساءةِ الظنِ بهم، ويتطرفونَ في الدفاعِ عن الكفارِ وحسنَ الظنِّ بهم، وهذا جوهرُ مرضِ القلبِ ( عبد العزيز كامل : جهاد المنافقين : البيان : شهر 1/1422)

        ألا ففتِّشوا عن أنفسكم ومدى ولائِكم ومحبتكم للمؤمنين – وإن كانوا ضعفاء مقهورين –، وبغضُكم وبراءتُكم من الكافرين، وإن كانوا ظاهرينَ مُتسلطين، وخلِّصوا أنفُسَكم في قلوبِهم من النفاق وسمات المنافقين.

        عبادَ اللهِ: و من واقعِ السيرةِ النبوية – ومواقفَ المنافقينَ في عهدِ النبوة ، يستطيعُ القارئُ الفطنُ أن يرصدَ تعاونَ المنافقين مع أكثر من طرفٍ ، فهم مع المُشركين على المسلمين ، وهم حُلفاءُ بل إخوانٌ لليهود – بنص القرآن – وهم مُتحالفون مع الأحزابِ وهم عونٌ للنصارى في حربهم ضدَّ المسلمين وإليكم البيانُ

        ففي غزوة أحدٍ – حين جاءت قريشٌ بكبريائها، تريدُ الثأرَ لتقلاها في بدر، قامَ المنافقونَ وفي أحلكِ الظروف بخذلان المؤمنين ، وانسحب زعيمُهم عبدُ الله بنُ أبي بثلثِ الجيش، ودخلَ المدينةَ بأتباعهِ تاركاً المسلمينَ وحدهُم في ساحاتِ الجهاد، يُواجِهون عدواً يفُوقُهم في العددِ والعُدة الحربية، وهذا الانسحاب المُخزي أوشكَ أن يوقعَ الفشلُ في طوائف من المؤمنين، قال اللهُ عنهم (( إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَاللّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)) (سورة آل عمران:122 ) .

        وأحدثَ هذا التراجعُ المُذلُ من المنافقين اختلافاً بين المؤمنينَ في التعاملِ مع المنافقين، فرقةٌ تقولُ نقتلهم، والأخرى تقولُ لا نقتلهم، فأنزل اللهُ (( فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً)) (سورة النساء:88) .

        وحينها قال رسولُ الله- صلى الله عليه وسلم- : (( إنَّها طيبةُ وإنَّها تنفي الخبثَ كما تنفي النارُ خبثَ الفضةِ )) أخرجهُ أحمد والشيخان ( في تفسير سورة النساء (خ) ومسلمٌ في المنافقين )

        أمَّا المنافقون فقد ظنوا باللهِ الظنونَ السيئةِ، وكشفَ القرآنُ خبيئتَهم فقال تعالى : (({ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)) (سورة آل عمران:154) .

        وحين انكشفت المعركةُ وأصيبَ من أصيبَ من المؤمنين، تشفى المنافقونَ وسُرُّوأ لمصابهم، واشتركوا مع اليهودِ في المشاعرِ الفاسدة ، قال ابنُ حجر " حين بكى المسلمون على قتلاهم سُرَّ المنافقون ، وظَهَرَ غَشَشُ اليهودِ ، وفارت المدينةُ بالنفاق ، فقالت اليهودُ لو كان نبياً ما ظهروا عليه ، يعني – المشركين - وقال المنافقون لو أطاعونا ما أصابهم هذا ؟ [ الفتح : 7/347] .

        بل جعلوا يقولونَ لأصحابِ رسولِ الله صلى الله عليه و سلم لو كان من قُتلَ منكم عندنا ما قُتل ، وهم يَهدِفون إلى تفريق المسلمين، والتخذيل عن مصاحبةِ النبيِّ صلى الله عليه و سلم، وأنَّى لهم ذلكَ مع قومٍ قالوا لمن قال لهم: إنَّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل !

        إنَّهم بحكم القرآن إخوانٌ لليهود، وهم جَاهزونَ للخروجِ معهم لو أُخرجوا، ومستعدُون للقتالِ معهم، ولو باللسانِ إن قُوتلوا ؟ فهل بعد هذا من نصرةٍ وتقاربٍ بين المنافقينَ واليهود،، ومن رامَ تفصيلَ ذلك فليقرأ في تفسيرِ الآية، وليقف عندَ حوادثَ السيرةِ النبوية .

        وبقي وحيُ السماءِ موعظةً وذكرى لكلِ عملٍ ظاهرُهُ الحسنى، وباطنُه النفاقُ والكفر، أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم : (( وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ)) (سورة التوبة : 107 , 108) .

        بارك الله فيك أيها الفاضل , وإلى الأمام في فضح هذه الهوام , التي أوتيت من القوة والسطوة , ما جعلها تظهر على حقيقتها , وتخرج من الظلام إلى النور , فلولم يكن في هذا الزمن حسنة إلا هذه الحسنة , لكفا بها حسنة , أن عرفنا جحور هذه الهوام ومن يتستر عليها ويحميها .

        التعليق


        • #5
          والأزمات تفضح كل منافق فترقبوا .

          التعليق


          • #6
            بارك الله فيك أخوي علي حريصي ونفع بك الأمه

            التعليق


            • #7
              بارك الله فيك اخي علي حريصي واسأل الله تعالى أن ينفع بعلمك وأن يجعله خالص لوجهه تعالى ويرد كل من جنح عن طريق الحق الى الحق بفضله ثم بأهل الخير والصلاح أمثالكم ولك مني جزيل الشكر والتقدير
              {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا}

              التعليق


              • #8
                بل والله قد فضحت الأزمات جمهرة من المنافقين رأيت ذلك بعيني .

                التعليق


                • #9
                  مروركم ايها الكرام سرني

                  التعليق

                  KJA_adsense_ad6

                  Collapse
                  جاري التنفيذ...
                  X