أين عبده و القصبي من المعركة؟
الاربعاء, 25 نوفمبر 2009
محمد الساعد
أين محمد عبده؟ أين ناصر القصبي وعبدالله السدحان وحسن عسيري، ومحمد نور وياسر القحطاني؟ أين نجوم المجتمع وشاغلو الإعلام؟ أين هم من جنودنا الواقفين بصدورهم «الخضراء» في وجه المعركة؟ لماذا لم يتحرك «السوبر ستار» لمؤازرة أبطالنا وزيارتهم؟ وإقامة حفلات الترفيه لهم والرفع من حماستهم وتقديم الشكر لأرواح الشهداء؟
دعوني أتخيل وأحلم فقط، سأتخيل الفنان الكبير محمد عبده «سفير النوايا الحسنة»، ومعه عبدالمجيد عبدالله، وراشد الماجد، ومجموعة أخرى من المطربين والموسيقيين، يقومون بزيارة للأبطال في الجبهة المشتعلة بحب الوطن والشهادة دونه، يشدون من أزرهم، وينشدون فيهم الأغاني الحماسية، وفي الوقت نفسه يزورون أيضاً مخيمات أهلنا من النازحين عن قراهم، يداعبون الأطفال، ويشاركونهم وجباتهم، ويقدمون لهم الهدايا. وفي طرف آخر من الجبهة يقوم فايز المالكي، وحسن عسيري، وناصر القصبي، ورفيق دربه عبدالله السدحان، بعمل مسرحي للأسر النازحة، يستمر أياماً عدة، ويشاركون الأطفال ويطيبون خواطرهم الموجوعة من الحرب وآثارها.
إنها أحلام لمجتمع مدني مثالي أتمنى أن تنتشر عدواه بيننا، وعلى الخط المقابل لم نرَ لجمعيات الثقافة والفنون، بفرقها ونشاطاتها المتعددة، أي نشاطات ترفيهية وثقافية داخل المخيمات! أم أنها في انتظار توجيه ما يحل «عبقرية المبادرة» التي يبدو أنها غابت عنها داخل مكاتبها، ولم تنفث التراب العالق بها حتى الآن!
ولماذا أيضاً لم تبث قناة «أجيال» السعودية الموجهة للطفل من هناك؟ من حيث ينام ويعيش الأطفال النازحون؟ لعلها تقترب من ضحكاتهم وقلوبهم، وتأتينا بصورة لذلك الطفل الأسمر المليح، الذي ترك مدرسته وساحة منزله، وطيوره المهاجرة عالقة بين أغصان القرى، في انتظار عودته القريبة.
لم نرَ تحركاً حقيقياً لمؤسسات المجتمع المدني، ولم نرَ سوى صورة مستفزة لشاب من جمعية خيرية، يقوم بتوزيع مظروف به «وريقات» مالية لكهل حطم الزمن أضلعه، والشاب يلتفت في أناقة لحيته ونظاراته السوداء باتجاه المصور، ليلتقط له صورة «لتبرعه»، فيما الكهل في خلف الصورة يقبل المظروف في أسوأ مشاركة في هذا الحدث.
كنت أتخيل أن رجال الأعمال، خصوصاً مستوردي الألعاب وملابس الأطفال، سيقومون بالارتحال إلى «جنوبنا الأشم»، حاملين معهم هدايا عيد الأضحى، ليزرعوا بسمة ولو قليلاً! أليس من واجب المجتمع المدني والحضاري أن يقود مبادرات أخرى غير مبادرات «الأكل»؟
أجزم بأن الحكومة لم ولن تتوانى عن إعالة النازحين وتوفير المعيشة والسكن الكريم لهم، وهو ما لمسه الجميع خلال ساعات من بداية الأزمة، وكذلك الجمعيات الخيرية قامت بجهودها المشكورة، لكنها تظل جهوداً مرتبطة بالإعاشة والمساعدة المالية فقط، إلا أن هناك لمسات أخرى على الجانب الآخر من الروح والنفس والعقل، لا يقوم بها إلا رجال الأعمال والفنانون ونجوم الرياضة.
ألم ينشد محمد عبده في حرب الخليج أجمل أغانيه الوطنية؟ وأكثرها حماسة أشعلت النفوس وشاركت في إذكاء الروح الوطنية؟ ألم يشارك المجتمع بكل أطيافه وقتها في حملات التطوع والحراسة وتأمين الجبهة الداخلية؟ إذن من المعيب أن يتخلى الفنانون والموسيقيون والممثلون عن واجبهم في مشاركة الوطن في الذود عن ترابه، ومن المعيب أيضاً أن تتخلى البنوك ورجال الأعمال عن تبني المبادرات الكبرى وإنجازها، خصوصاً أن النازحين هم سكان أكثر من 240 قرية، كانت مليئة بسكانها «المستورين».
إنها فرصة لكل منظري العمل المدني والتطوعي ولكل البنوك والشركات الكبرى، أن تتناول طرف الأفكار، وتعيد تشكيلها بما يخدم إخوتنا هناك، فمن يبادر بإنشاء مكتبة متنقلة للأطفال سيكون رائداً في هذا العمل، ويكون قد غرس الفكر قبل أن يقدم قرص «العيش»، ومن يبادر بعمل مشاغل حرفية صغيرة للنساء، يكون كمن فتح نافذة لصنع الحياة، وفي غالب الأمر أن الناس يحتاجون أيضا لأشياء أخرى قد تكون أثمن من المال.
((رأي صحفي جريدة الحياة))
الاربعاء, 25 نوفمبر 2009
محمد الساعد
أين محمد عبده؟ أين ناصر القصبي وعبدالله السدحان وحسن عسيري، ومحمد نور وياسر القحطاني؟ أين نجوم المجتمع وشاغلو الإعلام؟ أين هم من جنودنا الواقفين بصدورهم «الخضراء» في وجه المعركة؟ لماذا لم يتحرك «السوبر ستار» لمؤازرة أبطالنا وزيارتهم؟ وإقامة حفلات الترفيه لهم والرفع من حماستهم وتقديم الشكر لأرواح الشهداء؟
دعوني أتخيل وأحلم فقط، سأتخيل الفنان الكبير محمد عبده «سفير النوايا الحسنة»، ومعه عبدالمجيد عبدالله، وراشد الماجد، ومجموعة أخرى من المطربين والموسيقيين، يقومون بزيارة للأبطال في الجبهة المشتعلة بحب الوطن والشهادة دونه، يشدون من أزرهم، وينشدون فيهم الأغاني الحماسية، وفي الوقت نفسه يزورون أيضاً مخيمات أهلنا من النازحين عن قراهم، يداعبون الأطفال، ويشاركونهم وجباتهم، ويقدمون لهم الهدايا. وفي طرف آخر من الجبهة يقوم فايز المالكي، وحسن عسيري، وناصر القصبي، ورفيق دربه عبدالله السدحان، بعمل مسرحي للأسر النازحة، يستمر أياماً عدة، ويشاركون الأطفال ويطيبون خواطرهم الموجوعة من الحرب وآثارها.
إنها أحلام لمجتمع مدني مثالي أتمنى أن تنتشر عدواه بيننا، وعلى الخط المقابل لم نرَ لجمعيات الثقافة والفنون، بفرقها ونشاطاتها المتعددة، أي نشاطات ترفيهية وثقافية داخل المخيمات! أم أنها في انتظار توجيه ما يحل «عبقرية المبادرة» التي يبدو أنها غابت عنها داخل مكاتبها، ولم تنفث التراب العالق بها حتى الآن!
ولماذا أيضاً لم تبث قناة «أجيال» السعودية الموجهة للطفل من هناك؟ من حيث ينام ويعيش الأطفال النازحون؟ لعلها تقترب من ضحكاتهم وقلوبهم، وتأتينا بصورة لذلك الطفل الأسمر المليح، الذي ترك مدرسته وساحة منزله، وطيوره المهاجرة عالقة بين أغصان القرى، في انتظار عودته القريبة.
لم نرَ تحركاً حقيقياً لمؤسسات المجتمع المدني، ولم نرَ سوى صورة مستفزة لشاب من جمعية خيرية، يقوم بتوزيع مظروف به «وريقات» مالية لكهل حطم الزمن أضلعه، والشاب يلتفت في أناقة لحيته ونظاراته السوداء باتجاه المصور، ليلتقط له صورة «لتبرعه»، فيما الكهل في خلف الصورة يقبل المظروف في أسوأ مشاركة في هذا الحدث.
كنت أتخيل أن رجال الأعمال، خصوصاً مستوردي الألعاب وملابس الأطفال، سيقومون بالارتحال إلى «جنوبنا الأشم»، حاملين معهم هدايا عيد الأضحى، ليزرعوا بسمة ولو قليلاً! أليس من واجب المجتمع المدني والحضاري أن يقود مبادرات أخرى غير مبادرات «الأكل»؟
أجزم بأن الحكومة لم ولن تتوانى عن إعالة النازحين وتوفير المعيشة والسكن الكريم لهم، وهو ما لمسه الجميع خلال ساعات من بداية الأزمة، وكذلك الجمعيات الخيرية قامت بجهودها المشكورة، لكنها تظل جهوداً مرتبطة بالإعاشة والمساعدة المالية فقط، إلا أن هناك لمسات أخرى على الجانب الآخر من الروح والنفس والعقل، لا يقوم بها إلا رجال الأعمال والفنانون ونجوم الرياضة.
ألم ينشد محمد عبده في حرب الخليج أجمل أغانيه الوطنية؟ وأكثرها حماسة أشعلت النفوس وشاركت في إذكاء الروح الوطنية؟ ألم يشارك المجتمع بكل أطيافه وقتها في حملات التطوع والحراسة وتأمين الجبهة الداخلية؟ إذن من المعيب أن يتخلى الفنانون والموسيقيون والممثلون عن واجبهم في مشاركة الوطن في الذود عن ترابه، ومن المعيب أيضاً أن تتخلى البنوك ورجال الأعمال عن تبني المبادرات الكبرى وإنجازها، خصوصاً أن النازحين هم سكان أكثر من 240 قرية، كانت مليئة بسكانها «المستورين».
إنها فرصة لكل منظري العمل المدني والتطوعي ولكل البنوك والشركات الكبرى، أن تتناول طرف الأفكار، وتعيد تشكيلها بما يخدم إخوتنا هناك، فمن يبادر بإنشاء مكتبة متنقلة للأطفال سيكون رائداً في هذا العمل، ويكون قد غرس الفكر قبل أن يقدم قرص «العيش»، ومن يبادر بعمل مشاغل حرفية صغيرة للنساء، يكون كمن فتح نافذة لصنع الحياة، وفي غالب الأمر أن الناس يحتاجون أيضا لأشياء أخرى قد تكون أثمن من المال.
((رأي صحفي جريدة الحياة))



التعليق