
تخلى صناعيون وعمال ورش وأصحاب مهن مختلفة من تصليح سيارات وحرف يدوية، عن ورشهم في منطقة جازان بعد أن تم نقل الورش للمنطقة الصناعية الجديدة، التي وصفوها بأنها منطقة مهجورة، مطلقين عليها لقب "منطقة الأشباح".
المنطقة بعيدة، وكل عامل يضطر لدفع 30 ريالاً يومياً للمواصلات فقط، لكي يضع رجله في تلك المنطقة، التي لا تتوافر فيها أبسط مقومات الحياة على حد وصف عامليها، من مطاعم ومحلات تجارية أو حتى دورات للمياه أو مساجد، ناهيك عن المراكز الإسعافية، على الرغم من أهمية الأخيرة، لتعاظم احتمالات الإصابة في مثل هذه المناطق الصناعية.
ويؤدي عدم وجود مركز للدفاع المدني أو الدوريات في المكان، إلى تزايد المخاوف من مواجهة احتمالات الحريق والعجز عن مواجهته، حيث يبعد أقرب مركز للدفاع المدني عن الصناعية أكثر من 18 كيلومتراً. كما يتخوفون من مواجهة اللصوص الذين قد يستغلون فرصة الغياب الأمني فيعمدون إلى نهب الورش وسيارات الزبائن المتواجدة داخلها.
وأكثر ما أهم الصناعيين أن الكثير من الزبائن أصبح يفضل الذهاب إلى صناعية أبوعريش وصبيا، حيث إن احتياج مسمار واحد في صناعية جازان قد يكلف صاحبه أكثر من 50 ريالاً، لاضطرار الزبون إلى الذهاب إلى المدينة لشرائه.
أزمة مواصلات
وفي مواجهة هذا الواقع السيئ، اضطر كثير من الحرفيين والعمال إلى هجر الصناعية الجديدة، والذهاب للعمل في المدن الصناعية في المدن المجاورة، بعد أن أرهقتهم مصاريف المواصلات التي يتكبدونها يومياً ذهاباً وإياباً، أو كما قال أحدهم "نعمل من أجل سائقي الليموزين".
صيام إجباري ولعب الورق
وأدى غياب المطاعم والبوفيهات عن المدينة الصناعية، وبعدها عن مدينة جازان، إلى صعوبة حصول العاملين فيها على طعام طوال النهار، مما اضطر معظمهم إلى صيام إجباري، حيث لا يتناولون طعامهم إلا بعد العودة إلى المدينة ليلاً. وعمد البعض إلى اصطحاب طعامه معه منذ الصباح. ونظراً لمقاطعة الزبائن للصناعية الجديدة، لبعدها الشديد عن المدينة، فلا يجد العاملون أمامهم سوى قضاء الوقت في لعب الورق واحتساء الشاي والمشروبات الباردة، لاستهلاك الوقت الممل. واضطر الكثيرون إلى تقاسم أجور الإصلاح في السيارات القليلة التي تتسرب إليهم من مدينة جازان وقراها المحيطة بها.
مكانيكي يتحول إلى بائع شاي
وتمشياً مع الظروف القاهرة التي وجدوا أنفسهم فيها، يحاول العاملون الخروج من المأزق، فآثر عامل عربي يعمل في مجال الميكانيكا، بيع الشاي لزملائه بالصناعية بدلاً من الجلوس في انتظار سيارات لا تجيء، حيث يقوم بالتجول بترمس الماء الساخن، وأكياس الشاي والسكر، المحملة في حقيبته الحديدية، على الورش التي يعمل بها أقرانه من العمال، حتى يستطيع كسب قوت يومه.
وما يزيد سوء الأحوال في المدينة أن محلات قطع الغيار، تأخرت كثيراً عن التواجد، حيث ينتظر أصحابها بدء الشغل بكثافة في المدينة، حتى يستطيعوا أن يفتحوا محلاتهم، حيث إن فتحها في المرحلة الراهنة يعرضهم لخسائر كبيرة، هم في غنى عنها، خاصة وأن الزبون سيذهب إليهم حيثما كانوا. ولعل هذه الجزئية تمثل عصب المشكلة، حيث يعرض الزبائن عن الذهاب إلى المدينة الصناعية، تفادياً لرحلة عذاب يضطر إليها ذهاباً وإياباً من وإلى المدينة لشراء قطع الغيار اللازمة لإصلاح سيارته، والتي تكون بالفعل واقفة في إحدى الورش، فيضطر إلى استخدام التاكسي، أو الإثقال على أحد معارفه أو أفراد عائلته، للقيام بالمهمة الثقيلة، ويلخص المكانيكي محمد عوض، سوداني الجنسية، الحالة قائلاً "الزبائن لا يريدون الذهاب والعودة إلى مدينة جازان من أجل مسمار أو بوجيهات".
عنوان مجهول ونفايات متراكمة
الكثير من قاصدي المنطقة الصناعية، يتعرضون للتيه، لانعدام أي إشارة أو لوحة إرشادية تدل على مكانها، حتى منظرها العام يدل على أنها مشروع لم يستكمل بعد، على حد وصف سالم حكمي، أحد القادمين من أحد المسارحة، مضيفاً أنه لم يستطع الاستدلال على مكانها إلا بعد عناء كبير من السؤال لعدد كبير من الناس.
وبطبيعة الحال تنتشر النفايات بشكل ملفت في جوانب المنطقة الصناعية، حيث تغيب أعمال النظافة وعمالها عنها. ويقول محمد أبكر إنه ما من مرة ذهب إلى هذا المكان إلا ورأى نفايات متراكمة في جميع أرجائها، تنبعث منها الروائح الكريهة، وتحوم حولها الكلاب والذباب.



التعليق