هذا شاعر قديم دار من حوله كلام كثير, وشغل زمانه, ولا يزال يشغلنا بعد خمسة عشر قرنا من الزمان.
لقب بالنابغة لنبوغه في الشعر وتفوقه فيه.
حتى لقد ارتضاه شعراء عصره حكما بينهم في سوق عكاظ (حيث كانت تضرب له قبة حمراء متميزة, ويأتيه الشعراء من شتى القبائل ليعرضوا عليه شعرهم).
وهو الذي حكم بتفضيل الخنساء على حسان بن ثابت في قصة له مأثورة.
ولا يذكر النابغة أو زياد بن معاوية ـ فهذا هو اسمه الحقيقي ـ إلا ويذكر فن الاعتذاريات في شعرنا العربي القديم باعتباره علمه الأول والرائد المبدع فيه. وقد أوقعه في هذه الاعتذاريات اتصاله المبكر بالنعمان بن المنذر حاكم الحيرة ـ والملقب بأبي قابوس
ـ وسرعان ما أصبح النابغة شاعر بلاطه الأول, والأثير والمقرب إليه, والنعمان يقدمه عليه ويجزل له في العطايا والهبات. ويقربه أكثر فأكثر جاعلا منه نديمه في مجالس أنسه وسمره وشرابه
وكان النابغة ـ فيما يقال ـ يصف المتجردة زوجة النعمان وصفا أفحش فيه, مما أثار غيرة المنخل اليشكري الذي كان يهواها بدوره فوشى به إلى زوجها النعمان. وعندما أحس النابغة بتغير النعمان أسرع بالفرار من الحيرة.
أياً ما كان الأمر, فإن قصيدة المتجردة للنابغة أصبحت أشهر قصائده على الإطلاق, وأجلبها للقيل والقال, خاصة بالنسبة لأبياتها الأخيرة التي أفحش فيها النابغة وتبذل, وهي أبيات سنسقطها ـ آسفين ـ
والنابغة لا يختلف عن سائر شعراء عصره غرابة وبداوة ومعجما شعريا وصورا مستوحاة من بيئته ومنتزعة من واقعه. لكنه يختلف عنهم من حيث ذوقه الحضاري الرقيق المرهف الذي اكتسبه من خلال اتصاله الطويل بكل من المناذرة والغساسنة في الحيرة والشام, ومخالطته للبلاطين المقصودين من كثير من شعراء ذلك الزمان. من هنا يتمثل هذا الذوق الرقيق المرهف في انتقاء مفرداته واختيار زوايا صوره, وفي الطابع الحضاري الذي يكسو شعره, وينثر في ثناياه أفكارا وصورا مسيحية, خاصة عندما يكون الأمر متصلا بمدح الغساسنة الذين يدينون بالمسيحية. وفي البرهنة على سبق النابغة وابتكاره لفن الاعتذار في الشعر العربي ووضع تقاليده الفنية, كثر الاستشهاد بأبيات للنابغة تقف في فضاء هذا الفن الشعري باعتبارها منارات هادية ومعالم كاشفة, ومنها قوله:
أتاني ـأبيت اللعن ـأنك لمتني وتلك التي أهتم منها وأنصـبُ
حلفت فلم أترك لنفسـك ريبـةً وليس وراء الله للمرء مذهـبُ
لئن كنت قد بلغت عني خيانـة لمبلغك الواشي أغش وأكـذبُ
وقوله في قصيدة أخرى :
وعيد أبي قابوس في غير كنهه أتاني ودوني راكس فالضواجع
فبت كأني ساورتنـي ضئيلـةُ من الرقش في أنيابها السم ناقعُ
ومنها البيتان اللذان يحفظهما الناس ويتداولونهما لما فيهما من صورة مفزعة افتن في إبداعها النابغة ـ على غير مثال سابق أو وضع مألوف ـ حتى ليتحسس كل من يستمع إليهما رأسه أو رقبته, مخافة أن تكون هذه الخطاطيف المقوسة قد أدركته وانغرست فيه لتجذبه وتشده.
يقول النابغة:
فإنك كالليل الذي هـو مدركـي وإن خلت أن المنتأى عنك واسعذ
خطاطيف حجن في حبال متينةٍ تمتد بهـا أيـد إليـك نـوازعُ
ثم البيت الذي يترافع به النابغة عن نفسه متهماً غيره من الظالمين الجناة:
أتوعد عبداً لـم يخنـك أمانـةً وتترك عبداً ظالماً وهو ضالعُ ؟
ويفتن الرواة في إيراد بعض التفاصيل عن قصة قصيدة المتجردة, فيقولون إن النابغة في بعض دخلاته على النعمان قد فاجأته المتجردة, فسقط نصيفها عنها ـ والنصيف نصف ثوب أو نصف خمار (أي غطاء الوجه) ومن هنا فقد سمي بالنصيف لأنه نصف ـ فغطت وجهها بمعصمها, فقال النابغة ما قاله واصفا مفتناً, وقد كنى عنها حتى لا يشير إليها صراحة, لكن شعره فضحه, وتصويره الرائع خذل ذكاءه وكشف عن مراده, فكان من الأمر ما كان.
واللوحة التي يبدعها النابغة, تقدم للمتجردة صورة فاتنة, تستثير الخيال والحواس معا, وتنبض بقدرته الفذة على التصوير والاستقصاء وصولا إلى أدق التفاصيل. إنه يرى بعين العاشق الذي فاجأه مشهد لم يتوقعه ولم يحسب حسابه, فنطق بالسر وباح. والعاشقون إن ينطقوا بالسر أبيحت دماؤهم كما يقول المتصوفة. لكن النابغة لم يكن متصوفا ولا عرف التصوف. إنه مصور حسي المزاج, موغل في نظرته الفاحصة التي تغزو وتقلب وتتذوق.
إن نظرة المتجردة قد أصابت فؤاده بسهمها النافذ, وكأنها نظرة الغزال الذي اكتملت تربيته وتزيينه, فما أجمل عينيها وما أروع سوادهما وما أبدع طول عنقها, وهي منعمة تطلى بالزعفران وتتطيب به, نعيماً ورفاهية, وهي بضة ناعمة, كالشمس إشراقا ونورا, وهي درة مكنونة في صدفتها حين أطلعها الغواص ورآها هلل لها وسجد شاكرا, مستمتعا بروعة صفائها ورقة بشرتها, ثم هي دمية من مرمر, كأنها مرفوعة منصوبة على قاعدة من رخام, رعاية لها وحفظا وإثارة لجمال المشهد والمعاينة وحين نصل إلى البيت الذي يقول فيه:
نظرت إليك بحاجة لم تقضها نظر السقيم إلى وجوه العوّد
نكون قد بلغنا ذروة الكشف عما كان يخالج وجدان النابغة وهو يصور لنا جمال المتجردة. إنها تنظر نظرا ضعيفا لا تقدر معه على الكلام, نظر خائف مراقب, وأرادت الكلام ـ وهو جوهر حاجتها ـ فلم تقدر خشية الرقباء والوشاة, فهي كالسقيم الذي ينظر إلى من يزوره من العواد بطرف فاتر ضعيف وهو غير قادر على الكلام!
والآن إلى قصيدة المتجردة للنابغة الذبياني:
أمنَ آلِ((ميةَ))رائحٌ،أو مغتدِ،
عجلانَ،ذا زادٍ،وغيرَ مزودِ
أفدَ الترحلُ،غير أنّ ركابنا
لما تزلْ برحالنا،وكان قهدِ
زعمَ البوارحُ أنّ رحلتنا،غداً،
وبذاكَ خبرنا الغدافُ الأسود
لا مرحباً بغدٍ،ولا أهلاً بهِ،
إن كان تفريقُ الأحبةِ في غدِ
حانَ الرحيلُ،ولم تودعْ مهدداً،
والصبحُ والإمساءُ منها موعدي
في إثرِ غانيةٍ رمتكَ بسهمها،
فأصابَ قلبك،غير أن لم تقصدِ
غنيتْ بذلكَ،إذ همُ لكَ جيرةٌ،
منها بعطفِ رسالةٍ وتوددِ
ولقد أصابتْ قلبهُ من حبها،
عن ظهرِ مرنانٍ،بسهمٍ مصردِ
نظرتْ بمقلةِ شادنٍ مترببٍ،
أحوى،أحمّ المقلتينِ،مقلدِ
والنظمُ في سلكٍ يزينُ نحرها
ذهبٌ توقدُ،كالشهابِ الموقدِ
صفراءُ كالسيراء،اكمل خلقها
كالغصنِ،في غلوائهِ،المتأودِ
والبطنُ ذو عكنٍ، لطيفٌ طيهُ،
والإتبُ تنفخهُ بثديٍ مقعدِ
محطوطةُ المتنينِ،غيرُ مفاضةٍ،
ريا الروادفِ، بضةُ المتجردِ
قامتْ تراءى بينَ سجفيْ كلةٍ،
كالشمسِ يومَ طلوعها بالأسعدِ
أو درةٍ صدفيةٍ غواصها
بهجٌ،متى يرها يهلّ ويسجدِ
أو دميةٍ من مرمرٍ، مرفوعةٍ،
بنيتْ بآجر،تشادُ،وقرمدِ
سقطَ النصيفٌ،ولم تردْ إسقاطهُ،
فتناولتهُ،واتقتنا باليدِ
بمخضبٍ رخصٍ،كأنّ بنانهُ
عنمٌ،يكادُ منَ اللطافةِ يعقدُ
نظرتْ إليكَ بحاجةٍ لم تقضها،
نظرَ السقيمِ إلى وجوهِ العودِ
تجلو بقادمتيْ حمامةِ أيكةٍ،
برداً أسفّ لثاتهُ بالإثمدِ
كالأقحوان،عداةَ غبّ سمائه،
جفتْ أعاليه،وأسفلهُ ندي
زعم الهمامُ بأنّ فاها باردٌ،
عذبٌ مقبلهُ،شهي الموردِ
زعمَ الهمامُ،ولم أذقهُ،أنهُ
عذبٌ،إذا ما ذقتهُ قلت:ازددِ
زعم الهمامُ،ولم أذقهُ،أنهُ
يشفي،بريا ريقها،العطشُ الصدي
أخذ العذارى عقدها،فنظمنهُ،
من لؤلؤٍ متتابعٍ،متسردِ
لو أنها عرضتْ لأشمط راهبٍ،
عبد الإله،صرورةٍ،متعبدِ
لرنا لبهجتها،وحسنِ حديثها،
ولحالهُ رشداً وإن لم يرشدِ
بتكلمٍ، لو تستطيعُ سماعهُ،
لدنتْ لهُ أروى الهضابِ الصخدِ
وبفاحمٍ رجلٍ،أثيثٍ نيتهُ،
كالكرمِ مال على الدعامِ المسندِ
فإذا لمست لمست أجثم جاثماً،
متحيزاً بمكانه،ملء اليدِ
وإذا طعنت طعنت في مستهدفٍ،
رابي المجسةِ،بالعبير مقرمدِ
وإذا نزعت نزعت عن مستحصفٍ
نزع الحزورِ بالرشاء المحصدِ
وإذا يعضّ تشدهُ أعضاؤهُ،
عضّ الكبيرِ منِ الرجالِ الأدردِ
ويكادُ ينزعُ جلد منْ يصلى به
بلوافحٍ،مثلِ السعيرِ الموقدِ
لا واردٌ منها يحورُ لمصدرٍ
عنها،ولا صدرٌ يحورُ لموردِ
لقب بالنابغة لنبوغه في الشعر وتفوقه فيه.
حتى لقد ارتضاه شعراء عصره حكما بينهم في سوق عكاظ (حيث كانت تضرب له قبة حمراء متميزة, ويأتيه الشعراء من شتى القبائل ليعرضوا عليه شعرهم).
وهو الذي حكم بتفضيل الخنساء على حسان بن ثابت في قصة له مأثورة.
ولا يذكر النابغة أو زياد بن معاوية ـ فهذا هو اسمه الحقيقي ـ إلا ويذكر فن الاعتذاريات في شعرنا العربي القديم باعتباره علمه الأول والرائد المبدع فيه. وقد أوقعه في هذه الاعتذاريات اتصاله المبكر بالنعمان بن المنذر حاكم الحيرة ـ والملقب بأبي قابوس
ـ وسرعان ما أصبح النابغة شاعر بلاطه الأول, والأثير والمقرب إليه, والنعمان يقدمه عليه ويجزل له في العطايا والهبات. ويقربه أكثر فأكثر جاعلا منه نديمه في مجالس أنسه وسمره وشرابه
وكان النابغة ـ فيما يقال ـ يصف المتجردة زوجة النعمان وصفا أفحش فيه, مما أثار غيرة المنخل اليشكري الذي كان يهواها بدوره فوشى به إلى زوجها النعمان. وعندما أحس النابغة بتغير النعمان أسرع بالفرار من الحيرة.
أياً ما كان الأمر, فإن قصيدة المتجردة للنابغة أصبحت أشهر قصائده على الإطلاق, وأجلبها للقيل والقال, خاصة بالنسبة لأبياتها الأخيرة التي أفحش فيها النابغة وتبذل, وهي أبيات سنسقطها ـ آسفين ـ
والنابغة لا يختلف عن سائر شعراء عصره غرابة وبداوة ومعجما شعريا وصورا مستوحاة من بيئته ومنتزعة من واقعه. لكنه يختلف عنهم من حيث ذوقه الحضاري الرقيق المرهف الذي اكتسبه من خلال اتصاله الطويل بكل من المناذرة والغساسنة في الحيرة والشام, ومخالطته للبلاطين المقصودين من كثير من شعراء ذلك الزمان. من هنا يتمثل هذا الذوق الرقيق المرهف في انتقاء مفرداته واختيار زوايا صوره, وفي الطابع الحضاري الذي يكسو شعره, وينثر في ثناياه أفكارا وصورا مسيحية, خاصة عندما يكون الأمر متصلا بمدح الغساسنة الذين يدينون بالمسيحية. وفي البرهنة على سبق النابغة وابتكاره لفن الاعتذار في الشعر العربي ووضع تقاليده الفنية, كثر الاستشهاد بأبيات للنابغة تقف في فضاء هذا الفن الشعري باعتبارها منارات هادية ومعالم كاشفة, ومنها قوله:
أتاني ـأبيت اللعن ـأنك لمتني وتلك التي أهتم منها وأنصـبُ
حلفت فلم أترك لنفسـك ريبـةً وليس وراء الله للمرء مذهـبُ
لئن كنت قد بلغت عني خيانـة لمبلغك الواشي أغش وأكـذبُ
وقوله في قصيدة أخرى :
وعيد أبي قابوس في غير كنهه أتاني ودوني راكس فالضواجع
فبت كأني ساورتنـي ضئيلـةُ من الرقش في أنيابها السم ناقعُ
ومنها البيتان اللذان يحفظهما الناس ويتداولونهما لما فيهما من صورة مفزعة افتن في إبداعها النابغة ـ على غير مثال سابق أو وضع مألوف ـ حتى ليتحسس كل من يستمع إليهما رأسه أو رقبته, مخافة أن تكون هذه الخطاطيف المقوسة قد أدركته وانغرست فيه لتجذبه وتشده.
يقول النابغة:
فإنك كالليل الذي هـو مدركـي وإن خلت أن المنتأى عنك واسعذ
خطاطيف حجن في حبال متينةٍ تمتد بهـا أيـد إليـك نـوازعُ
ثم البيت الذي يترافع به النابغة عن نفسه متهماً غيره من الظالمين الجناة:
أتوعد عبداً لـم يخنـك أمانـةً وتترك عبداً ظالماً وهو ضالعُ ؟
ويفتن الرواة في إيراد بعض التفاصيل عن قصة قصيدة المتجردة, فيقولون إن النابغة في بعض دخلاته على النعمان قد فاجأته المتجردة, فسقط نصيفها عنها ـ والنصيف نصف ثوب أو نصف خمار (أي غطاء الوجه) ومن هنا فقد سمي بالنصيف لأنه نصف ـ فغطت وجهها بمعصمها, فقال النابغة ما قاله واصفا مفتناً, وقد كنى عنها حتى لا يشير إليها صراحة, لكن شعره فضحه, وتصويره الرائع خذل ذكاءه وكشف عن مراده, فكان من الأمر ما كان.
واللوحة التي يبدعها النابغة, تقدم للمتجردة صورة فاتنة, تستثير الخيال والحواس معا, وتنبض بقدرته الفذة على التصوير والاستقصاء وصولا إلى أدق التفاصيل. إنه يرى بعين العاشق الذي فاجأه مشهد لم يتوقعه ولم يحسب حسابه, فنطق بالسر وباح. والعاشقون إن ينطقوا بالسر أبيحت دماؤهم كما يقول المتصوفة. لكن النابغة لم يكن متصوفا ولا عرف التصوف. إنه مصور حسي المزاج, موغل في نظرته الفاحصة التي تغزو وتقلب وتتذوق.
إن نظرة المتجردة قد أصابت فؤاده بسهمها النافذ, وكأنها نظرة الغزال الذي اكتملت تربيته وتزيينه, فما أجمل عينيها وما أروع سوادهما وما أبدع طول عنقها, وهي منعمة تطلى بالزعفران وتتطيب به, نعيماً ورفاهية, وهي بضة ناعمة, كالشمس إشراقا ونورا, وهي درة مكنونة في صدفتها حين أطلعها الغواص ورآها هلل لها وسجد شاكرا, مستمتعا بروعة صفائها ورقة بشرتها, ثم هي دمية من مرمر, كأنها مرفوعة منصوبة على قاعدة من رخام, رعاية لها وحفظا وإثارة لجمال المشهد والمعاينة وحين نصل إلى البيت الذي يقول فيه:
نظرت إليك بحاجة لم تقضها نظر السقيم إلى وجوه العوّد
نكون قد بلغنا ذروة الكشف عما كان يخالج وجدان النابغة وهو يصور لنا جمال المتجردة. إنها تنظر نظرا ضعيفا لا تقدر معه على الكلام, نظر خائف مراقب, وأرادت الكلام ـ وهو جوهر حاجتها ـ فلم تقدر خشية الرقباء والوشاة, فهي كالسقيم الذي ينظر إلى من يزوره من العواد بطرف فاتر ضعيف وهو غير قادر على الكلام!
والآن إلى قصيدة المتجردة للنابغة الذبياني:
أمنَ آلِ((ميةَ))رائحٌ،أو مغتدِ،
عجلانَ،ذا زادٍ،وغيرَ مزودِ
أفدَ الترحلُ،غير أنّ ركابنا
لما تزلْ برحالنا،وكان قهدِ
زعمَ البوارحُ أنّ رحلتنا،غداً،
وبذاكَ خبرنا الغدافُ الأسود
لا مرحباً بغدٍ،ولا أهلاً بهِ،
إن كان تفريقُ الأحبةِ في غدِ
حانَ الرحيلُ،ولم تودعْ مهدداً،
والصبحُ والإمساءُ منها موعدي
في إثرِ غانيةٍ رمتكَ بسهمها،
فأصابَ قلبك،غير أن لم تقصدِ
غنيتْ بذلكَ،إذ همُ لكَ جيرةٌ،
منها بعطفِ رسالةٍ وتوددِ
ولقد أصابتْ قلبهُ من حبها،
عن ظهرِ مرنانٍ،بسهمٍ مصردِ
نظرتْ بمقلةِ شادنٍ مترببٍ،
أحوى،أحمّ المقلتينِ،مقلدِ
والنظمُ في سلكٍ يزينُ نحرها
ذهبٌ توقدُ،كالشهابِ الموقدِ
صفراءُ كالسيراء،اكمل خلقها
كالغصنِ،في غلوائهِ،المتأودِ
والبطنُ ذو عكنٍ، لطيفٌ طيهُ،
والإتبُ تنفخهُ بثديٍ مقعدِ
محطوطةُ المتنينِ،غيرُ مفاضةٍ،
ريا الروادفِ، بضةُ المتجردِ
قامتْ تراءى بينَ سجفيْ كلةٍ،
كالشمسِ يومَ طلوعها بالأسعدِ
أو درةٍ صدفيةٍ غواصها
بهجٌ،متى يرها يهلّ ويسجدِ
أو دميةٍ من مرمرٍ، مرفوعةٍ،
بنيتْ بآجر،تشادُ،وقرمدِ
سقطَ النصيفٌ،ولم تردْ إسقاطهُ،
فتناولتهُ،واتقتنا باليدِ
بمخضبٍ رخصٍ،كأنّ بنانهُ
عنمٌ،يكادُ منَ اللطافةِ يعقدُ
نظرتْ إليكَ بحاجةٍ لم تقضها،
نظرَ السقيمِ إلى وجوهِ العودِ
تجلو بقادمتيْ حمامةِ أيكةٍ،
برداً أسفّ لثاتهُ بالإثمدِ
كالأقحوان،عداةَ غبّ سمائه،
جفتْ أعاليه،وأسفلهُ ندي
زعم الهمامُ بأنّ فاها باردٌ،
عذبٌ مقبلهُ،شهي الموردِ
زعمَ الهمامُ،ولم أذقهُ،أنهُ
عذبٌ،إذا ما ذقتهُ قلت:ازددِ
زعم الهمامُ،ولم أذقهُ،أنهُ
يشفي،بريا ريقها،العطشُ الصدي
أخذ العذارى عقدها،فنظمنهُ،
من لؤلؤٍ متتابعٍ،متسردِ
لو أنها عرضتْ لأشمط راهبٍ،
عبد الإله،صرورةٍ،متعبدِ
لرنا لبهجتها،وحسنِ حديثها،
ولحالهُ رشداً وإن لم يرشدِ
بتكلمٍ، لو تستطيعُ سماعهُ،
لدنتْ لهُ أروى الهضابِ الصخدِ
وبفاحمٍ رجلٍ،أثيثٍ نيتهُ،
كالكرمِ مال على الدعامِ المسندِ
فإذا لمست لمست أجثم جاثماً،
متحيزاً بمكانه،ملء اليدِ
وإذا طعنت طعنت في مستهدفٍ،
رابي المجسةِ،بالعبير مقرمدِ
وإذا نزعت نزعت عن مستحصفٍ
نزع الحزورِ بالرشاء المحصدِ
وإذا يعضّ تشدهُ أعضاؤهُ،
عضّ الكبيرِ منِ الرجالِ الأدردِ
ويكادُ ينزعُ جلد منْ يصلى به
بلوافحٍ،مثلِ السعيرِ الموقدِ
لا واردٌ منها يحورُ لمصدرٍ
عنها،ولا صدرٌ يحورُ لموردِ








التعليق