أحبابي أعضاء المنتدى الكرام ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...... وبعد :
ركبت بعيري ومضيت إلى إحدى البوادي كما تعودت بين الحين والآخر ، وتوجهت إلى إحدى القرى التي لم يسبق لي زيارتها ، وعلى مشارف القرية لمحت من بعيد رجلاً يجلس في ظل شجرة ، فقصدته ممنياً نفسي بحظ من الفكاهة والأدب .
فلما وقفت عليه ألقيت السلام فرد على بقوله أهلاً ولم يلتفت نحوي فقلت في نفسي جلافة الأعراب المعهودة يا أصمعي فلا عليك من ذلك فإنما قصدك منطوقه .
جلست معه في الظل دون استئذان( أنا وهو في خلا ربي ) .
تأملت الرجل فإذا هو ينظر إلى الأفق فقالت لي نفسي ــــــ وما أكثر ما تقول لي ـــــ ظفرت يا أصمعي ، فهذا ولا شك شاعر بعيد الخيال ، ألا ترى طول تأمله ورميه ببصره في الأفق .
فقلت لها إن صدقت فراستك فلك مني يا نفس (رقدة ) يوم كامل دون تنغيص مكافأة لك .
ثم سألت الرجل لأستجلي الخبر ما يجلسك هنا يا عم ؟.
فقال : كما ترى أرعى ( المواشي ) .
فنظرت حولي يمنة ويسرة فلم أرى ( للمواشي ) أي أثر .
قلت : أصلحك الله وأين هي ( المواشي ) التي ترعاها ؟ .
فقال : هي ذي أمامك وعددها ألف ( سهم ) .
وبينما أنا أتأمل قوله محاولاً فهم ما يقصد إذ وثب الرجل من مكانه وهز عصاه وانطلق يعدو مبتعداً وهو يصيح ( حط ....حط ....حط....) ، فبهت من هول المفاجأة وأخذت أتأمل من أي بحور الشعر قوله ( حط ...حط ....حط ...) فلم أجدها في بحر من بحور الشعر ولا ( خليج من خلجانه ولا حقلة من حقاله ) .
وبعد قليل عاد الرجل يلهث فقلت ما لك يا عم . ؟
قال : ( الهامور ) ، أخذ كبشاً من ( المواشي ) .
فقلت في نفسي : لعل ( الهامور ) اسم من أسماء ( الذئب ) ولم أسمع به من قبل فأخذت أسجل ذلك ، وإذا بالرجل يفعل كما فعل أول مرة ثم تكرر ذلك منه مراراً ، عندها تركت الرجل وركبت بعيري ومضيت وأنا أقول رجل مجنون رفع الله عنه .
وعند مدخل القرية قابلني رجل تظهر بقايا آثار للنعمة على قسمات وجهه يركب حماراً بدون شد ولا ( براذع ) . فقلت لنفسي هذا الرجل من أهل النعمة ترك الترف وتزهد ومثله يكون أهل حكمة وموعظة .
فلما كاد بعيري يحاذي حماره صاح ( بيييييب ....بييييب ......) ، وأخذ يحرك يديه ورجليه كمن يقود ما تسمونه اليوم ( السيارة ) ، فلما توقفت وتوقف ، قال لي بكل حدة : يا راكب البعير ! .
قلت : لبيك .
قال : أبعد بعيرك عن سيارتي .
قلت : تقصد حمارك .
قال وقد استشاط غضباً : ما تقصد ؟ .
قلت : أقصد أنك تركب حماراً .
قال : بل أنت الـ ....... ( حذفناها لأن الرجل قالها في ساعة غضب ) هذا ( جمس ملكي ) ، ثم انطلق محدثاً صوت تفحيط بفمه .
فوقفت مشدوها أضرب كفا بكف .
قررت أن أترك القرية وأعود قبل أن يصيبني ما لا تحمد عقباه .
لمحت على بعد مجموعة من البشر يعملون فقلت لنفسي عند أهل الهمة والعمل تكون الفوائد والحكم ، فلما اقتربت وجدت رجلاً وثلاث نسوة يقلبون صخوراً كبيرة يحاولون بناء شيء ما ، وأمة من الصغار يحفرون بأيديهم التراب ولهم دوي كدوي النحل .
فسلمت عليهم ، فرفع الجميع أبصارهم إلي وسكتوا جميعا ، وأطبق على المكان صمت مخيف لم يبدده إلا صرخة من الرجل بكلمة لم أفهمها كررها مرتين( مضارب .....مضارب ) ، وصاح الجميع معه بنفسك الكلمة وهجموا على ، فنفر البعير وكاد يسقطني لولا لطف الله ثم حزام الأمان .
ونجوت منهم والبعير يعدو بأقصى سرعة ، ولم أفكر وقتها بالرادار ولا برجال المرور ، فلما بعدت عنهم وأمنت منهم ، توقف البعير ولوى جرانه نحوي ونظر إلي يقول أخرجنا من هذه القرية ( الهبلان أهلها ) ، طبعا فهمت ذلك من عيونه فأنا أستطيع فهم ما يريد قوله من نظرات عيونه ــ موهبة من الله ـــ .
قالت لي نفسي : ما الذي يجري ؟ .
قلت : والله لا أدري !!!!!. كل ما أدريه أنني سأغادر هذه القرية .
قالت : ويحك تأتي عقيل وجلساءك في المنتدى بخبر ناقص ورواية مبتورة .
قلت : وماذا أفعل ؟ ، فأنت ترين حال الناس في هذه القرية .
قالت : عليك بكبير هذه القرية فلا بد من خبر .
قلت : أصبت والله ( شواية الحقيقة ) .
فلويت عنق البعير عائداً نحو القرية والبعير ينظر إلي ويقول : ( خيرة الله عليك ) .
فدرت في القرية حتى لمحت بيتاً كبيراً وقر في نفسي أنه بيت كبير القرية فاقتربت منه ، وإذا بشيخ تبدو عليه أمارات الوقار محتبٍ بفنائه ، فسلمت عليه فرد التحية بأحسن منها ، فقالت نفسي ليفرخ روعك يا أصمعي فقد وجدت عاقلاً .
فأجلسني قريباً منه ، وبدأ يأمر وينهى ، وأنت يا غلام أحضر كذا وأنت هنا وذاك هناك ، وأنا أتلفت فلا أرى غلاما ولا جارية .
ثم نظر إلي وقال : أنت من ( القروب ) ؟ .
فقلت : لا ، أصلحك الله أنا الأصمعي رجل من العرب .
قال : من الشيوخ ؟ .
قلت : لا أنا من أتباع أتباع الشيوخ كما صنفهم رجل حكيم عندنا اسمه ( الجذمي ) . فقال : إذن أنت ( فيبكو ) .
فلم أفهم ما يقصد .
ثم صاح فجأة : ارفعوا العروض..... ارفعوا العروض ...... ، وجحظت عيناه ، وبدا ينظر إلي نظر المريب ، فقمت رويدا رويدا وهو يتبعني بنظراته حتى غبت عنه .
وبينما أنا أسير في أزقة القرية وبين ( خداريشها ) سمعت صوت المؤذن فدخلت المسجد وإذا بشاب جالس يقرأ ، فركعت ركعتين ثم جلست بالقرب منه متوسما فيه الخير ، ومددت يدي له مسلماً فصافحني ، فطمأنت نفسي .
فقلت : أصلحك الله ، هل أنت من أهل هذه القرية ؟ .
قال : نعم .
قلت : بعد تردد أسالك عن أهل هذه القرية . فنظر إلي متبسما وكأنه يعرف ما أريد أن أسأله عنه ، وقال : هل رابك من أمرهم شيء ؟ .
قلت : بل والله أشياء .
قال : وما هي ؟ .
قلت : تصرفات غريبة وأحوال عجيبة حتى ظننت أني لن أجد فيها عاقلاً .
فقال : اقصص على ما لديك .
فأخبرته الخبر كاملا من مبتداه على منتهاه .
فقال بعد صمت : قاتل الله من كان السبب ، ثم استطرد قائلاً : اعلم وفقك الله أن أهل هذه القرية كانوا من أعقل الناس عقلا ، وأسعدهم حظا ، و أهنأهم عيشا ، ثم جاءنا رجل واجتمع بنا ودعانا إلى ما سماه بتجارة الأسهم ، وأخذ يصف لنا ما فيها من مكاسب ومرابح ، وما زال يمنينا ويغرينا حتى استجاب له البعض وأعطوه بعض المال ليتاجر لهم به ، وأعطاهم في الشهر الأول مكاسب يسيل لها اللعاب ، فطمع القوم وزادوا في رؤوس أموالهم فزادهم ربحا في الشهر الثاني فطمع القوم في عظم المكسب ويسره فباعوا أملاكهم وأعطوه ، ثم انهار السوق كما يقول وضاعت الأموال فأصاب الناس مرض عجيب قريب من الجنون سماه الأطباء ( الاستسهام ) فيقال لم أصيب به فلان ( مسهوم ) على وزن مجنون وأعراضه ما رأيت بنفسك .
قلت وفقك الله بين لي حال كل واحد ممن أخبرتك خبره من أهل هذه القرية .
قال : نعم ، أما الرجل الأول فكان يملك بعض الغنم والضأن لا يزيد عددها عن الـ( 100) رأس ولما دخل في الأسهم باعها جميعاً واشترى ( 1000) سهم في ( المواشي ) فلما حدث الانهيار وضاع المال أصابه المرض فأصبح يخرج كل صباح كما يخرج الرعيان وكأنه راعي له غنم ويضل يصيح ويدعي أن ( الهامور ) أخذ رأس من ( المواشي ) وهكذا من أول اليوم إلى غروب الشمس وهذا حاله .
وأما راكب الحمار ، فاعلم يا أخ العرب أنه ربيب نعمة وسليل غنى وكان يملك
( صالون vxr ) فباعة بعد أن أغراه صاحبنا بأنه سيركب ( هيلوكبتر ) ، فلما ضاعت أمواله ضاع عقله .
وأما من رأيتهم يقلبون الصخر ويحفرون التراب بأيديهم فاعلم أنهم أسرة ( مقيم ) كان له ( موقد ) يصنع فيه ( الشوب والروب ) ـــ القطران ــ وحفرة يصنع فيها ( البخش ) ـــ الفحم ـــ فأعطى المساهم كل ما يملك وترك العمل بل إنه مع بداية المكاسب هدم ( الموقد ) ( ودفن ) الحفرة وودع حياة الشقاء كما يقول ثم أصبحت حاله الآن كما ترى .
وأما كبير القرية فوعده المساهم أن يكون من كبار الشيوخ في البادية فباع كل أراضيه وعقاره و اشترى له مجموعة أسهم في سهم ( الشيوخ ) كما يدعي وهو سهم ( المصافي ) فلما حلت النكبة أصابه المرض مثل غيره .
قلت قد عرف الآن ما أشكل علي ، لكن وأنت وفقك الله ألم تساهم معهم ؟ .
فلما سألته هذا السؤال توقف عن الكلام وتوجه ناحية القبلة وفتح المصحف وبدأ يقرأ ولم يرد علي ، فعلمت أن الرجل ( يرقي ) نفسه من المرض وأنه قد أصابه ما أصابهم .
ركبت بعيري ومضيت إلى إحدى البوادي كما تعودت بين الحين والآخر ، وتوجهت إلى إحدى القرى التي لم يسبق لي زيارتها ، وعلى مشارف القرية لمحت من بعيد رجلاً يجلس في ظل شجرة ، فقصدته ممنياً نفسي بحظ من الفكاهة والأدب .
فلما وقفت عليه ألقيت السلام فرد على بقوله أهلاً ولم يلتفت نحوي فقلت في نفسي جلافة الأعراب المعهودة يا أصمعي فلا عليك من ذلك فإنما قصدك منطوقه .
جلست معه في الظل دون استئذان( أنا وهو في خلا ربي ) .
تأملت الرجل فإذا هو ينظر إلى الأفق فقالت لي نفسي ــــــ وما أكثر ما تقول لي ـــــ ظفرت يا أصمعي ، فهذا ولا شك شاعر بعيد الخيال ، ألا ترى طول تأمله ورميه ببصره في الأفق .
فقلت لها إن صدقت فراستك فلك مني يا نفس (رقدة ) يوم كامل دون تنغيص مكافأة لك .
ثم سألت الرجل لأستجلي الخبر ما يجلسك هنا يا عم ؟.
فقال : كما ترى أرعى ( المواشي ) .
فنظرت حولي يمنة ويسرة فلم أرى ( للمواشي ) أي أثر .
قلت : أصلحك الله وأين هي ( المواشي ) التي ترعاها ؟ .
فقال : هي ذي أمامك وعددها ألف ( سهم ) .
وبينما أنا أتأمل قوله محاولاً فهم ما يقصد إذ وثب الرجل من مكانه وهز عصاه وانطلق يعدو مبتعداً وهو يصيح ( حط ....حط ....حط....) ، فبهت من هول المفاجأة وأخذت أتأمل من أي بحور الشعر قوله ( حط ...حط ....حط ...) فلم أجدها في بحر من بحور الشعر ولا ( خليج من خلجانه ولا حقلة من حقاله ) .
وبعد قليل عاد الرجل يلهث فقلت ما لك يا عم . ؟
قال : ( الهامور ) ، أخذ كبشاً من ( المواشي ) .
فقلت في نفسي : لعل ( الهامور ) اسم من أسماء ( الذئب ) ولم أسمع به من قبل فأخذت أسجل ذلك ، وإذا بالرجل يفعل كما فعل أول مرة ثم تكرر ذلك منه مراراً ، عندها تركت الرجل وركبت بعيري ومضيت وأنا أقول رجل مجنون رفع الله عنه .
وعند مدخل القرية قابلني رجل تظهر بقايا آثار للنعمة على قسمات وجهه يركب حماراً بدون شد ولا ( براذع ) . فقلت لنفسي هذا الرجل من أهل النعمة ترك الترف وتزهد ومثله يكون أهل حكمة وموعظة .
فلما كاد بعيري يحاذي حماره صاح ( بيييييب ....بييييب ......) ، وأخذ يحرك يديه ورجليه كمن يقود ما تسمونه اليوم ( السيارة ) ، فلما توقفت وتوقف ، قال لي بكل حدة : يا راكب البعير ! .
قلت : لبيك .
قال : أبعد بعيرك عن سيارتي .
قلت : تقصد حمارك .
قال وقد استشاط غضباً : ما تقصد ؟ .
قلت : أقصد أنك تركب حماراً .
قال : بل أنت الـ ....... ( حذفناها لأن الرجل قالها في ساعة غضب ) هذا ( جمس ملكي ) ، ثم انطلق محدثاً صوت تفحيط بفمه .
فوقفت مشدوها أضرب كفا بكف .
قررت أن أترك القرية وأعود قبل أن يصيبني ما لا تحمد عقباه .
لمحت على بعد مجموعة من البشر يعملون فقلت لنفسي عند أهل الهمة والعمل تكون الفوائد والحكم ، فلما اقتربت وجدت رجلاً وثلاث نسوة يقلبون صخوراً كبيرة يحاولون بناء شيء ما ، وأمة من الصغار يحفرون بأيديهم التراب ولهم دوي كدوي النحل .
فسلمت عليهم ، فرفع الجميع أبصارهم إلي وسكتوا جميعا ، وأطبق على المكان صمت مخيف لم يبدده إلا صرخة من الرجل بكلمة لم أفهمها كررها مرتين( مضارب .....مضارب ) ، وصاح الجميع معه بنفسك الكلمة وهجموا على ، فنفر البعير وكاد يسقطني لولا لطف الله ثم حزام الأمان .
ونجوت منهم والبعير يعدو بأقصى سرعة ، ولم أفكر وقتها بالرادار ولا برجال المرور ، فلما بعدت عنهم وأمنت منهم ، توقف البعير ولوى جرانه نحوي ونظر إلي يقول أخرجنا من هذه القرية ( الهبلان أهلها ) ، طبعا فهمت ذلك من عيونه فأنا أستطيع فهم ما يريد قوله من نظرات عيونه ــ موهبة من الله ـــ .
قالت لي نفسي : ما الذي يجري ؟ .
قلت : والله لا أدري !!!!!. كل ما أدريه أنني سأغادر هذه القرية .
قالت : ويحك تأتي عقيل وجلساءك في المنتدى بخبر ناقص ورواية مبتورة .
قلت : وماذا أفعل ؟ ، فأنت ترين حال الناس في هذه القرية .
قالت : عليك بكبير هذه القرية فلا بد من خبر .
قلت : أصبت والله ( شواية الحقيقة ) .
فلويت عنق البعير عائداً نحو القرية والبعير ينظر إلي ويقول : ( خيرة الله عليك ) .
فدرت في القرية حتى لمحت بيتاً كبيراً وقر في نفسي أنه بيت كبير القرية فاقتربت منه ، وإذا بشيخ تبدو عليه أمارات الوقار محتبٍ بفنائه ، فسلمت عليه فرد التحية بأحسن منها ، فقالت نفسي ليفرخ روعك يا أصمعي فقد وجدت عاقلاً .
فأجلسني قريباً منه ، وبدأ يأمر وينهى ، وأنت يا غلام أحضر كذا وأنت هنا وذاك هناك ، وأنا أتلفت فلا أرى غلاما ولا جارية .
ثم نظر إلي وقال : أنت من ( القروب ) ؟ .
فقلت : لا ، أصلحك الله أنا الأصمعي رجل من العرب .
قال : من الشيوخ ؟ .
قلت : لا أنا من أتباع أتباع الشيوخ كما صنفهم رجل حكيم عندنا اسمه ( الجذمي ) . فقال : إذن أنت ( فيبكو ) .
فلم أفهم ما يقصد .
ثم صاح فجأة : ارفعوا العروض..... ارفعوا العروض ...... ، وجحظت عيناه ، وبدا ينظر إلي نظر المريب ، فقمت رويدا رويدا وهو يتبعني بنظراته حتى غبت عنه .
وبينما أنا أسير في أزقة القرية وبين ( خداريشها ) سمعت صوت المؤذن فدخلت المسجد وإذا بشاب جالس يقرأ ، فركعت ركعتين ثم جلست بالقرب منه متوسما فيه الخير ، ومددت يدي له مسلماً فصافحني ، فطمأنت نفسي .
فقلت : أصلحك الله ، هل أنت من أهل هذه القرية ؟ .
قال : نعم .
قلت : بعد تردد أسالك عن أهل هذه القرية . فنظر إلي متبسما وكأنه يعرف ما أريد أن أسأله عنه ، وقال : هل رابك من أمرهم شيء ؟ .
قلت : بل والله أشياء .
قال : وما هي ؟ .
قلت : تصرفات غريبة وأحوال عجيبة حتى ظننت أني لن أجد فيها عاقلاً .
فقال : اقصص على ما لديك .
فأخبرته الخبر كاملا من مبتداه على منتهاه .
فقال بعد صمت : قاتل الله من كان السبب ، ثم استطرد قائلاً : اعلم وفقك الله أن أهل هذه القرية كانوا من أعقل الناس عقلا ، وأسعدهم حظا ، و أهنأهم عيشا ، ثم جاءنا رجل واجتمع بنا ودعانا إلى ما سماه بتجارة الأسهم ، وأخذ يصف لنا ما فيها من مكاسب ومرابح ، وما زال يمنينا ويغرينا حتى استجاب له البعض وأعطوه بعض المال ليتاجر لهم به ، وأعطاهم في الشهر الأول مكاسب يسيل لها اللعاب ، فطمع القوم وزادوا في رؤوس أموالهم فزادهم ربحا في الشهر الثاني فطمع القوم في عظم المكسب ويسره فباعوا أملاكهم وأعطوه ، ثم انهار السوق كما يقول وضاعت الأموال فأصاب الناس مرض عجيب قريب من الجنون سماه الأطباء ( الاستسهام ) فيقال لم أصيب به فلان ( مسهوم ) على وزن مجنون وأعراضه ما رأيت بنفسك .
قلت وفقك الله بين لي حال كل واحد ممن أخبرتك خبره من أهل هذه القرية .
قال : نعم ، أما الرجل الأول فكان يملك بعض الغنم والضأن لا يزيد عددها عن الـ( 100) رأس ولما دخل في الأسهم باعها جميعاً واشترى ( 1000) سهم في ( المواشي ) فلما حدث الانهيار وضاع المال أصابه المرض فأصبح يخرج كل صباح كما يخرج الرعيان وكأنه راعي له غنم ويضل يصيح ويدعي أن ( الهامور ) أخذ رأس من ( المواشي ) وهكذا من أول اليوم إلى غروب الشمس وهذا حاله .
وأما راكب الحمار ، فاعلم يا أخ العرب أنه ربيب نعمة وسليل غنى وكان يملك
( صالون vxr ) فباعة بعد أن أغراه صاحبنا بأنه سيركب ( هيلوكبتر ) ، فلما ضاعت أمواله ضاع عقله .
وأما من رأيتهم يقلبون الصخر ويحفرون التراب بأيديهم فاعلم أنهم أسرة ( مقيم ) كان له ( موقد ) يصنع فيه ( الشوب والروب ) ـــ القطران ــ وحفرة يصنع فيها ( البخش ) ـــ الفحم ـــ فأعطى المساهم كل ما يملك وترك العمل بل إنه مع بداية المكاسب هدم ( الموقد ) ( ودفن ) الحفرة وودع حياة الشقاء كما يقول ثم أصبحت حاله الآن كما ترى .
وأما كبير القرية فوعده المساهم أن يكون من كبار الشيوخ في البادية فباع كل أراضيه وعقاره و اشترى له مجموعة أسهم في سهم ( الشيوخ ) كما يدعي وهو سهم ( المصافي ) فلما حلت النكبة أصابه المرض مثل غيره .
قلت قد عرف الآن ما أشكل علي ، لكن وأنت وفقك الله ألم تساهم معهم ؟ .
فلما سألته هذا السؤال توقف عن الكلام وتوجه ناحية القبلة وفتح المصحف وبدأ يقرأ ولم يرد علي ، فعلمت أن الرجل ( يرقي ) نفسه من المرض وأنه قد أصابه ما أصابهم .













التعليق