بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله وحدَه ُ، بيده ناصيتي ، وله الأمرُ كلُّهُ... والصّلاة والسّلام على خير خلقه محمد بن عبدالله ، وعلى آله وصحابته ومن والاه.
أمّا بعدُ،
فإن عنوان الأسماء العالية في التاريخ العربي الإسلامي الحديث ، كالشمس يُذْكَرُ غير ملقّب، لأنّه يسمو على التلقيب بالألقاب ، والتحلية بالنّعوت.
إنّه لا يعرف بها ، ولكن هي تعرف به.
وإنّ حلية مثله لفي عَطَلِه.
والجواهرُ تُذكرُ أسماءً مجرّدة ، ولا توصف ؛ لأنّ معانيها هي أوصافها.
ويقال "الشّمسُ" و "القمرُ" ولا يُحَلَّيان ، لأنّ حليتهما في كمالهما وتمامهما.
ما كلام الأنامِ في الشّمس، إلا *** أنّها الشمسُ، ليس فيها كلام!
وقديماً أنكرت طباع العرب أن يعرَّف المشهور في الأمْلاء ، فقال قائلهم:
"قد عرفناه ،وهل يخفى القمر"؟
وإنّ منالأسماء نكراتٍ ، مُغْرِقةً في التّنكير، حُلّيت بالألقاب ، ورُصَّت لها ألفاظالتّفخيم والتّعظيم رصّاً سطوراً بعد سطور ، لِتُعَرَّفَ فَتُعْرَفَ ، فما زادتهاإلا تنكيراً وضموراً وخفاءً ، ومات أصحابها وماذُكِروا.
وقد يموتُأُناسٌ لا تُحسُّهُمُ *** كأنهم من هَوانِ الخَطْب ماوُجِدُوا
لقد نزعتالأصالة العربية إلى التجريد ، وتعلقت بالجواهر والمعاني , فسَمَّتْ عظماءها أيامالعزّة بأسمائهم المجردة ، ولم تغرقهم بالألقاب.
ولمّا استحلبعضُ الطِّباع ، أيّامَ تغلّب البُغاة الطُّغاة على ديار العرب والإسلام ، استحلىالمستدرَجُون المستكينون ما حلاهم به من الألقاب البراقة ، واستعذبوا ما أذاقوهم منحلاوات الرُّتَب المُعْلِيِةالمُدْنِية.
وفي سِماتأيام العزّة جمالٌ وجلالٌ فطرّيان ، عليهما من الصّدق والصّفاء رونق ورُواء ،وبالمعاني تشاد المعالي ويرفع البنيان.
فلا عَلَيَّأن أُسمّي "محمد بن عبدالوهاب" ولا ألقّبه.
إنه معنىكريم .. استقرّ في الضّمائر ، وليس جسداً تطوف حوله الأجساد . في حروف اسمه القلائلالصِّغار ، خِصال عبقرّية كِبار .. ائتلفتْ فأنشأتْ مزاجاً فرداً ، عجيباً في أخذهوعطائه.
ذهنيّةٌعبقرية ، في تكوينٍ سَوِيّ ، من طِراز خارق للمألوف قياساً إلى العادة والزمانوالمكان ، وفي حاقِّ الجِبِلَّة والتّكوين.
وقوّةٌنفسيّة وثقى ، متوثّبة ومتحدّية .. تفرض الهزيمة على القُوَى المضادّة فرضاً ،وتثبت ثباتَ طَمّاحِ الذوائب الأشمّ بوجه الأعاصير ، تتناوح من عن يمينه وشماله ،ومن أمامه ومن خلفه ، تريد زحزحته ، فترتدّ عنه وتبيد ، وهو(هُوَ)غيرمضار.
وقِيَمٌخُلُقية صافية صفاءَ ألق الضّياء في يوم الصحو البهيج ، ليس دونه حجاب .. ترفعت علىشهوات النفس ، وتحلت بالإيثار ، يصرّفها عقل دَرّاك وقلب يَقِظُ ، وترفدهاالرَّكانة والزَّكانة ، والتصوُّرُ الشُّموليّ الذي يخرج من دائرة الفكر المحدودليبسط أبعاده على الآفاق.
وقد يكونالإنسان صاحب ذهنّية عبقريّة ، ولكنه لا يملك القوّة النّفسيّة المتوثّبة المتحدّية . فيكون منه صاحبُ تصورات فكريّة ، وليس صاحب قوّة فاعلة ، وقد يُغْنِي في مجالالفكر ، ولا يُغْنِي في مجال الفعل.
وقد يكونصاحبَ قوّة نفسيّة ، ولكنّه لا يملك القوّة الذهنيّة العبقريّة التي تصرِّف القوّةعلى مَسار السَّداد والتّوفيق ، فتتعطل قوته ، فلا يأتي بأمر ذيبال.
وقد يكونصاحبَ ذهنيّة عبقريّة وقوّة نفسيّة متوثّبة ، ولكنّه يفتقد القيم الخلقيّة الرفيعة، فلا تُجْديهِ خاصِّيَّتاه ، أو يفتقد العقل الشّموليّ ، فيحبس جهده على أفق خاصيدور في دائرته الضَّيِّقة ، محدوداً بحدودها ، لا يخرج منها إلى ما وراءها من آفاقوأبعاد .. فلا يكون منه أمر كبير.
ولقد جمعالله في (محمّد بن عبدالوهاب) هذه الخصالَ جمعاء ، متمازجةً متحابّة ، ومترافدة ،ليجيء منه الإنسان العظيم ، الذي يصنع العظيم.
وهنا يجيءالسؤال الكبير:
ما الصنعالعظيم الذي صنعه (محمّد بن عبدالوهّاب)؟
الجوابُ عنهذا السؤال الكبير ، يصوغه واقع التاريخ وحقائقه ، ولست أنا منيصوغه.
واقع التاريخ، يقرر في صراحة ووضوح بيان أنه الرجل الذي أيقظ العملاق العربي المسلم من سُبات فيجزيرة العرب دام دهراً داهراً ، وأشعره وجوده الحي الفاعل ، وأعاد إليه دينه الصحيح، ودولته العزيزة المؤمنة ، ودفعه إلى الحياة الفاعلة ليعيد سيرة الصدر الأولعزائمَ وعظائمَ وفتوحاً..
ويقرر غيرَمُنازَع أنّه رجل التوحيد والوحدة ، والثائر الأكبر الذي رفض التفرق في الدين رفضاًحاسماً ، فلم يكن من جنس من يأتون بالدعوات ليضيفوا إلى أرقام المذاهب والطرائقالمِزَقِ رقماً جديداً ، يزيد العدد ويكثّره ، ولكنّه أوجب إلغاءَ هذه الأرقام ،ودعا لتحقيق "الرقم الفرد" وحدَهُ: الرقم الذي لا يقبل التجزئة كالجوهر الفرد ، ألاوهو(الإسلام).
والإسلام ،طريقة واحده ، لا تتفرّع ، ولا تتعدّد.
وقد جاءتالبينات كفلق الصباح بأن هذا "الرقم الفرد" هو الذي استقام به أمر العرب ، وكوّنالوحدة الكبرى ، والدولة العظمى وقد انضوى تحت لوائها الخفّاق أهل الأرض من كل جنسمابين مشرقٍ للشمس ومغيب ، متآخين في الله ، متساوين في الحقوق ، لا فضل فيها لأحدعلى أحد إلا بتقواه ، متعاونين على بناء حضارة أخلاقيّة جديدة تجمع إلى مطالبالمادة مُسْتَشْرَفات الروح.
فلمّا أُفِسدالتّوحيد ، وزالت الوحدة ، ذهب التفرق في العقيدة بهذا المجد العظيم .. فجاء (محمّدبن عبد الوهّاب) داعياً للعودة إلى الأصل الذي قام عليه ذلك المجد وعلا سمكه وعزّوطال ، وقد حقق ما أراده في جزيرة العرب ، وأشاع اليقظة في العالم المسلم ، وكانلدعوته في كلِّ صُقعٍ أثرٌ مشهود..
فهذا هوالصنع العظيم ، الذي صنعه الرجلالعظيم.




التعليق