alardha blog bannar and free books initiative

Collapse

إعلان

Collapse
لا يوجد إعلانات حتى الآن.

KJA_adsense_ad5

Collapse

الجذور التوراتية للسياسة الغربية

Collapse
X
 
  • فرز
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts

  • الجذور التوراتية للسياسة الغربية

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



    الجذور التوراتية للسياسة الغربية

    د. خالد بن محمد الغيث


    **********************************

    استماع:





    **********************************

    مقدمة:

    الحمد لله القائل : { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين}، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

    فمع إطلالة القرن العشرين ، تمكنت الدول الغربية من نشر بذرة القومية في العالم العربي ، وطُرح هذا الشعار على أنه الحل السحري لكل مشكلات العالم العربي ، وعلى أنه الفرصة الذهبية للاستقلال عن الدولة العثمانية. وبالفعل فقد ركبت بعض البلدان العربية قطار القومية ، فكانت النتيجة تعرض العالم العربي لأكبر حملة صليبية في تاريخه ، وذهبت كل الوعود ، والأكاذيب التي أعطيت للعرب أدراج الرياح.

    ومع ذلك فبمرور الوقت ، خرجت القوات الصليبية من العالم العربي ، ولكن بعد أن أشرفت على ولادة الدولة اليهودية بفلسطين ، في عام 1948م. ولقد تصدى العرب لتلك المؤامرة الصليبية اليهودية ، ولكن بنفس الشعارات التي رفعت من قبل، فكانت النتيجة مزيداً من الذل والهوان ، حيث وقع بيت المقدس في عام 1967م تحت الاحتلال اليهودي.

    أحبتي في الله ، إن المسجد الأقصى هو عنوان المواجهة المقبلة ، بين الأمة المسلمة ، وأهل الكتاب ، وهي مواجهة دينية عقدية بكل المقاييس ، شئنا أم أبينا. لكن المحزن ، أن تدخل الأمة المسلمة ، هذه المواجهة ، بشعارات قومية ، في حين أن أعداءنا يديرون الصراع بمنظور ديني عقدي ، حرصوا كثيراً على إخفائه ، حتى نستمر بنفس الشعارات السابقة.

    والسؤال الذي يطرح نفسه ، ما هو سر التحالف الصليبي اليهودي ، وهل هو زلة قدم ، أو زلة لسان ، أم نهج أصيل ثابت ؟

    *********************************

    حركة الإصلاح الديني في أوربا:

    لقد أدى الفساد الذي كانت تمر به الكنيسة الكاثوليكية في القرن السادس عشر الميلادي إلى تهيئة الأوضاع المناسبة لقيام حركة إصلاحية دينية ، أطلقها أحد القساوسة الألمان في عام 1517م ويدعى ( مارتن لوثر) حيث قام في هذه السنة بتعليق خمس وتسعين رسالة دينية على جدار الكنيسة في ألمانيا ، وأرسل نسخاً من هذه الرسائل التي يحتج فيها على فساد الكنيسة إلى باقي الكنائس الأخرى.

    لقد كانت تلك الرسائل إعلاناً تاريخياً عن بدء الحركة الإصلاحية البروتستانتية التي أحدثت انشطاراً في الكنيسة الكاثوليكية التي يتزعمها بابا الفاتيكان في روما.

    وفي سنة 1520م أرسل مارتن لوثر خطاباً حاداً إلى البابا ( ليو العاشر) جاء فيه : ( إنك ترعى ما يسمى بهيئة الكهنوت الرومانية التي لا تستطيع أنت ولا غيرك أن تنكر أنها أشد فساداً من بابل وسدوم ، وقد أظهرتُ احتقاري ، وانتابني الغضب لأن الشعب المسيحي يخدع تحت ستار اسمك ، واسم الكنيسة المسيحية ، لهذا قاومت ، وسأظل أقاوم ما وجد فيّ عرق ينبض بروح الإيمان) (1).

    وفي عام 1523م أصدر مارتن لوثر كتاباً بعنوان (عيسى ولد يهودياً) قال فيه: ( إن الروح القدس أنزل كل أسفار الكتاب المقدس عن طريق اليهود وحدهم ، إن اليهود هم أبناء الله ، ونحن الضيوف الغرباء ، ولذلك فإن علينا أن نرضى بأن نكون كالكلاب التي تأكل ما يسقط من فتات مائدة أسيادها) (2).

    كذلك دعا مارتن لوثر إلى تفصيل الطقوس العبرية في العبادة على تعقيدات الطقوس الكاثوليكية ، كما دعا إلى دراسة العبرية على أنها (كلام الله في الناس) ثم قام بترجمة
    التوراة إلى اللغة الألمانية (3).

    كل ما سبق دفع الكنيسة الكاثوليكية إلى إصدار قرار الحرمان ضد مارتن لوثر ، متهمة إياه أنه من اليهود الذين تنصروا من أجل هدم الكنيسة (4).

    هذا وقد أثبتت الأيام تحالف (مارتن لوثر) مع اليهود حيث نشرت مجلة ( كاثوليك جازيت) في عام 1936م وثيقة يهودية مهمة تبين دور اليهود في نشأة المذهب البروتستانتي ، ومما جاء في تلك الوثيقة : ( والآن دعونا نوضح لكم كيف مضينا في سبيل الإسراع بقصم الكنيسة الكاثوليكية ، فاستطعنا التسرب إلى دخائلها الخصوصية ، وأغوينا البعض من رعيتها [ قساوستها ] ليكونوا رواداً في حركتنا ، ويعلمون من أجلنا.. أمرنا عدداً من أبنائنا بالدخول في جسم الكاثوليكية ، مع تعليمات صريحة بوجوب العمل الدقيق ، والكفيل بتخريب الكنيسة من قلبها ، عن طريق اختلاق فضائح داخلية ، ونكون بذلك قد عملنا بنصيحة أمير اليهود ، الذي أوصانا بحكمة بالغة : دعوا بعض أبنائكم يكونون كهنة ورعاة أبرشيات [ من أماكن العبادة عند النصارى ]، فيهدمون كنائسهم.

    ومع الأسف الشديد ، لم يبرهن جميع اليهود من أبناء العهد عن إخلاصهم للمهمة الموكلة إليهم ، فخان كثيرون العهد ، لكن الآخرين حافظوا على عهدهم ، ونفذوا مهماتهم بشرف وأمانة.

    نحن أباء جميع الثورات التي قامت في العالم ... ونستطيع التصريح اليوم بأننا نحن الذين خلقنا حركة الإصلاح الديني للمسيحية. فكالفن [ هو أحد القساوسة الذين أدوا دوراً مشابهاً لدور مارتن لوثر] كان واحداً من أولادنا ، يهودي الأصل ، أمر بحمل الأمانة ، بتشجيع المسؤولين اليهود ، ودعم المال اليهودي ، فنفذ مخطط الإصلاح الديني.

    كما أذعن (مارتن لوثر) لإيحاءات أصدقائه اليهود ، وهنا أيضاً نجح برنامجه ضد الكنيسة الكاثوليكية ، بإدارة المسؤولين اليهود وتمويلهم. ونحن نشكر البروتستانت على إخلاصهم لرغباتنا ، برغم أن معظهم ، وهم يخلصون الإيمان لدينهم ، لا يعون مدى إخلاصهم لنا. إننا جد ممتنون للعون القيم الذي قدموه لنا في حربنا ضد معاقل المدنية والمسيحية ، استعداداً لبلوغ مواقع السيطرة الكاملة في العالم) (5).





  • #2
    يتبع

    وفي عام 1544م نشر ( مارتن لوثر) أفكاره الصهيونية عن عودة اليهود إلى فلسطين بحجة التخلص منهم ، حيث ذكر في كتابه ( اليهود وأكاذيبهم) ما نصه : ( من الذي يحول دون اليهود وعودتهم إلى يهودا ، لا أحد... إننا سنزودهم بكل ما يحتاجون لرحيلهم النهائي ، لا لشيء إلا لنتخلص منهم ، إنهم عبء ثقيل علينا) (6).

    وهذا النص يعد على درجة من الخطورة لأنها المرة الأولى التي يدعو فيها قس نصراني إلى عودة اليهود إلى فلسطين بجهد وتدخل من البشر ، وعدم ترك ذلك إلى قدر الله ، وهو ما كان يؤمن به اليهود ، حيث كانوا ينظرون إلى النبوءة المزعومة الواردة في سفر التكوين من توراتهم المحرفة والمتعلقة بزعمهم أن الله سبحانه وتعالى قد خاطب إبراهيم عليه السلام ووعده أنه سيعطي فلسطين لنسله ، كانوا ينظرون إلى أن تحقيق تلك النبوءة متروك لقدر الله ، وليس للبشر حق في التدخل لتحقيق هذه النبوءة.

    وبذلك يكون ( مارتن لوثر) أول من أطلق شرارة الصهيونية المسيحية والتي يعد ظهورها سابقاً على ظهور الصهيونية اليهودية بعدة قرون.

    وبالمناسبة فإن الصهيونية حركة سياسية دينية تقوم على تدخل البشر في تحقيق النبوءة المزعومة عن عودة اليهود إلى فلسطين، وأما صهيون الذي اشتقت منه تسمية هذه الحركة فهو: اسم جبل في القدس ، وقيل إنه من أسماء القدس.

    *********************************

    أما في إنكلترا فإن رياح التغيير ضد الكنيسة الكاثوليكية كانت قد بدأت في القرن الرابع عشر الميلادي على يد (جون ويكلف) أستاذ علم الأديان في جامعة أكسفورد حيث قال : ( إن الشعب الإنكليزي أحق من البابا ومن فرنسا بأمواله ، إن البابوية تستغل ثروات شعبنا وتقدمها إلى فرنسا لتحاربنا بأموال الكنيسة ، تحت إشراف المارقين من رجالها) (7).

    لقد أدى تململ الشعب الإنكليزي من الكنيسة الكاثوليكية إلى تهيئة الأجواء أمام رياح التغيير البروتستانتية ، لذلك فقد قام الملك الإنجليزي (هنري الثامن) في القرن السادس عشر الميلادي بعدة خطوات نتج عنها انفصال الكنيسة الإنكليزية عن التبعية للكنيسة الكاثوليكية ، وبالتالي انتقال الكنيسة الإنكليزية من المذهب الكاثوليكي إلى المذهب البروتستانتي.

    وهو ما عُبر عنه بقانون السيادة الذي صدر في عام 1534م والذي ينص على أن الملك هو الرئيس الأعلى للكنيسة، وأن الولاء هو للملك في سلطتيه الدنيوية والدينية (8).

    وبمرور الوقت تمكن ساسة انجلترا من نشر المذهب البروتستاني بالقوة في كل من اسكتلندا ، والجزء الشمالي من إيرلندا ، وبذلك أصبحت بريطانيا المكونة من (إنكلترا ، واسكتلندا ، وشمال إيرلندا) أقوى دولة بروتستانتية في غرب أوربا.

    على أية حال ، فقد أدى انتقال بريطانيا من الكاثوليكية إلى البروتستانتية إلى تقديس التوراة ، وبالتالي الإيمان المطلق بكل ما فيها ، وفي ذلك تقول المؤرخة اليهودية (بربارا توقمان) في كتابها (الكتاب المقدس والسيف) : ( إن ملك إنجلترا حينما أمر في عام 1538م بترجمة التوراة إلى اللغة الإنجليزية ، ونشرها وإتاحتها للقراءة من قبل العامة ، كان بذلك يضع اليهودية ، تاريخاً وعادات وقوانين ، لتكون جزءاً من الثقافة الإنجليزية ، ولتصبح ذات تأثير هائل على هذه الثقافة على مدى القرون الثلاثة التالية ، وصار يطلق على التوراة المترجمة ، التوراة الوطنية لانجلترا ، والتي أصبح لها من التأثير في روح الحياة الإنجليزية أكثر من أي كتاب آخر، وذلك ما جعل قصص التاريخ اليهودي المادة الرئيسية في الثقافة الإنجليزية ، والمعرفة التاريخية للإنجليز) (9).

    وبالفعل فقد أدى ذلك الغزو الفكري التوراتي الجارف للبروتستانتية إلى قيام فكر صهيوني يعد امتداداً لفكر ( مارتن لوثر) الذي فسر: نبوءة عودة اليهود إلى فلسطين عودة حقيقة مادية، وليست عودة مجازية معنوية كما كان يردد الكاثوليك.

    ومن ذلك ما كان في عام 1649م حين رفع اثنان من علماء الأديان الإنجليز خطاباً إلى حكومتهم جاء فيه: ( ليكن شعب إنجلترا أول من يحمل أبناء إسرائيل على سفنهم إلى الأرض التي وعد بها أجدادهم إبراهيم ، وإسحاق ، ويعقوب ، لتكون إرثهم الأبدي)(10).

    كذلك قام العالم الصهيوني إسحاق نيوتن بوضع جدول زمني للأحداث التي سوف تؤدي إلى عودة اليهود إلى فلسطين انطلاقاً من نبوءات العهد القديم(11).

    هذا وقد توالت صيحات العلماء والأدباء والشعراء الذين اعتنقوا الصهيونية المسيحية بعد حركة الإصلاح الديني من أجل تدخل الحكومة البريطانية لإعادة اليهود إلى فلسطين ، غير أن تلك الصيحات لم يتسن للساسة البريطانيين العمل على تطبيقها إلا في القرن التاسع عشر الميلادي ، عندما بدأ الضعف يدب في أنحاء الدولة العثمانية ، حيث تمكنت بريطانيا في عام 1838م من إنشاء أول قنصلية بريطانية في القدس لتكون بذلك مقدمة للهيمنة البريطانية على فلسطين ، وفي السنة نفسها دعا وزير البحرية البريطانية الدول البروتستانتية في شمال أوربا وأمريكا إلى الاقتداء بالإمبراطور الفارسي قورش الذي أعاد اليهود من السبي البابلي إلى فلسطين.

    هذا ولعل أعجب ما حصل في القرن التاسع عشر الميلادي هو إشراف الصهيونية المسيحية البريطانية على ولادة الصهيونية اليهودية (12) ، وهو ما تجسد في المؤتمر الصهيوني اليهودي الأول الذي انعقد في بال في سويسرا عام 1897م برئاسة ( تيودور هرتزل) ، وذلك أن اليهود كانوا يرفضون تدخل البشر في مساعدتهم من أجل استيطان فلسطين ، ويتركون ذلك لمشيئة الله ، ولكن الضغط المتواصل للصهيونية المسيحية أفلح أخيراً في ولادة الصهيونية اليهودية قال تعالى : { سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ، وأملي لهم إن كيدي متين}.

    هذا وقد حاولت الصهيونية اليهودية شراء فلسطين من الدولة العثمانية فذهب ( تيودور هرتزل) في عام 1901م لمقابلة السلطان العثماني عبد الحميد الثاني رحمه الله ، فتمكن من مقابلته بعد محاولات مضنية ، وعرض عليه قيام اليهود بسداد جميع ديون الدولة العثمانية ، مقابل السماح لهم بالاستيطان في فلسطين ، لكن السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله رفض كل تلك الإغراءات وقال : ( إن ديون الدولة ليست عاراً عليها ، وإن بيت المقدس الشريف افتتحه سيدنا عمر رضي الله عنه ، ولست مستعداً أن أتحمل تاريخياً وصمة بيع الأراضي المقدسة لليهود ، وخيانة الأمانة التي كلفني المسلمون بالحفاظ عليها.. ليحتفظ اليهود بأموالهم ، فالدولة العلية لا يمكن أن تحتمي وراء حصون بنيت بأموال أعداء الإسلام) (13).

    أخي القارئ الكريم، بعد كل ما تقدم أيقن الصهاينة أن بقاء السلطان عبد الحميد الثاني في الحكم يعتبر أكبر عقبة في سبيل السيطرة على فلسطين ، لذا فقد عملوا على خلعه بالتعاون مع طابور المنافقين من جمعية الاتحاد والترقي ، فتم خلعه رحمه الله بمؤامرة صليبية يهودية في عام 1909م.

    وعن أسباب ما حدث يقول السلطان عبد الحميد الثاني في رسالته إلى أحد (شيوخه): ( إنني لم أتخل عن الخلافة الإسلامية لسبب ما ، سوى أنني – بسبب المضايقة من رؤساء جمعية الاتحاد ، وتهديدهم – اضطررت ، وأجبرت على ترك الخلافة الإسلامية. إن هؤلاء الاتحاديين قد أصروا ، وأصروا علي بأن أصادق على تأسيس وطن قومي لليهود ، في الأرض المقدسة فلسطين ورغم إصرارهم فلم أقبل بصورة قطعية هذا التكليف.

    وأخيراً وعدوا بتقديم (150) مئة وخمسين مليون ليرة إنجليزية ذهباً ، فرفضت هذا التكليف بصورة قطعية أيضاً ، وأجبتهم بالجواب القطعي الآتي : إنكم لو دفعتم ملء الدنيا ذهباً ، فلن أقبل بتكليفكم هذا بوجه قطعي ، لقد خدمت الملة الإسلامية ، والأمة المحمدية ، ما يزيد عن ثلاثين سنة ، فلن أسود صحائف المسلمين ، آبائي ، وأجدادي من السلاطين ، والخلفاء العثمانيين.

    وبعد جوابي القطعي اتفقوا على خلعي ، وأبلغوني أنهم سيبعدوني إلى سلانيك ، فقبلت بهذا التكليف الأخير ، وحمدت المولى أنني لم أقبل بأن ألطخ الدولة العثمانية والعالم الإسلامي بهذا العار الأبدي الناشئ عن تكليفهم بإقامة دولة يهودية في الأراضي المقدسة فلسطين وقد كان بعد ذلك ما كان. ولذا فإنني أكرر الحمد والثناء على الله المتعال.

    وأعتقد أن ما عرضته كاف في هذا الموضوع ، وبه أختم رسالتي هذه..والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    (خادم المسلمين) عبد الحميد بن عبد المجيد في 22 أيلول 1329هـ) (14).





    التعليق


    • #3
      يتبع

      حبتي في الله ، لقد ضحى السلطان عبد الحميد رحمه الله بالكرسي فداء لأمته ، في حين أن جمعية الاتحاد والترقي الماسونية ، التي سيطرت على مقاليد الحكم فعلياً بعد خلع السلطان عبد الحميد ، قامت بالتضحية بالأمة المسلمة مقابل الكرسي. وقد تم ذلك حينما قاموا بإقحام الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى عام 1914م ضد بريطانيا وفرنسا وروسيا ، وهي الحرب التي عمل السلطان عبد الحميد رحمه الله على تلافي وقوعها ، لعلمه الأكيد بالأطماع الصليبية الصهيونية لتلك الدول ، وبالفعل فقد أسفرت الحرب العالمية عن تفكيك الدولة العثمانية ، وتقاسم المشرق العربي بين بريطانيا وفرنسا ، ووقوع فلسطين تحت الحكم البريطاني ، منتقمين بذلك لهزيمة جيوشهم أيام الحروب الصليبية بقيادة ملكهم (ريتشارد قلب الأسد) أمام صلاح الدين الأيوبي رحمه الله ، وهو ما عبر عنه قائد الجيش البريطاني الجنرال الصليبي (اللنبي) حينما دخل مدينة القدس في عام 1917م ، وترجل ماشياً إلى كنيسة القيامة وقال : (اليوم انتهت الحروب الصليبية) (15).

      وفي ذلك تقول المؤرخة اليهودية (بربارا توقمان) : ( وهكذا دخل الجنرال اللنبي إلى القدس ، فنجح من حيث كان ريتشارد قلب الأسد قد أخفق ، ولولا ذلك الانتصار ، لما كانت إعادة إسرائيل إلى أرض الميعاد قد أصبحت حقيقة واقعة) (16).

      وفي السنة نفسها التي دخلت فيها القوات الصليبية البريطانية القدس ، بمساعدة بعض السذج ، صدر عن الحكومة البريطانية البيان التالي ، الذي يعد تتويجاً لجهود الصهيونية المسيحية ، منذ حركة الإصلاح الديني من أجل تحقيق النبوءة التوراتية المزعومة بخصوص عودة اليهود إلى فلسطين ، وهو ما يعرف بوعد بلفور ، وزير خارجية بريطانيا في ذلك الوقت ، وفيما يلي نص البيان : ( إن حكومة جلالة الملك ، تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين ، وستبذل جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية)(17).

      هذا وقد عملت بريطانيا على جلب أكبر قدر من اليهود إلى فلسطين ، وقامت بتسمينهم وتسليحهم وتدريبهم ، وحين اطمأنت عليهم قامت في عام 1948م هي وأمريكا بالإشراف على ولادة الدولة اليهودية ليقضي الله أمراً كان مفعولاً.

      عندما قامت الثورة الفرنسية ، تغيرت نظرة فرنسا تجاه اليهود ، مما أدى إلى وصول رياح الصهيونية المسيحية التي انطلقت في أوروبا مع حركة الإصلاح الديني .

      وهو ما عبر عنه القائد الفرنسي نابليون في أثناء حملته عام 1799م على مصر والشام ، حيث خاطب اليهود وهو على أبواب فلسطين بقوله : ( من نابليون ، القائد الأعلى للقوات المسلحة للجمهورية الفرنسية في أفريقيا وآسيا ، إلى ورثة فلسطين الشرعيين.

      أيها الإسرائيليون ، أيها الشعب الفريد ، الذي لم تستطع قوى الفتح والطغيان ، أن تسلبهم اسمهم ، ووجودهم القومي ، وإن كانت قد سلبتهم أرض الأجداد فقط.. إن فرنسا تقدم لكم إرث إسرائيل في هذا الوقت بالذات ، إن جيشي الذي أرسلتني العناية الإلهية به ، والذي تقوده العدالة ، ويواكبه النصر ، جعل القدس مقراً لقيادتي.

      يا ورثة فلسطين الشرعيين ، سارعوا ، إن هذه هي اللحظة المناسبة التي قد لا تتكرر لآلاف السنين ، للمطالبة باستعادة حقوقكم) (18).

      أحبتي في الله ، بالرغم من فشل حملة نابليون على فلسطين وهزيمته في (عكا)، إلا أن حملته تعد أول جهد عسكري تقوم به الصهيونية المسيحية لإقامة دولة يهودية في فلسطين ، انطلاقاً من تلك النبوءات التوراتية الواردة في سفر التكوين.

      على أية حال فإن ما فشل فيه نابليون ، قد تم إنجازه عند دخول الجيوش الفرنسية والبريطانية إلى بلاد الشام.

      وقد مر معنا كلام الجنرال البريطاني ( اللنبي) عند دخوله القدس ، ومما يناسب المقام إيراد كلام الجنرال الفرنسي (غورو) عند دخوله دمشق ، حيث ذهب ذلك الصليبي إلى قبر صلاح الدين رحمه الله وركله بقدمه وقال : (ها قد عدنا يا صلاح الدين ، فأين أحفادك) (19) ، وقال أيضاً : ( إن حضوري هنا يقدس انتصار الصليب على الهلال)(20).


      *********************************

      الجذور التوراتية للسياسة الأمريكية

      لقد تزامنت حركة الإصلاح الديني في أوربا مع اكتشاف القارة الأمريكية ، لذا فقد أدت الحروب الدينية بين الكاثوليك والبروتستانت إلى هجرات جماعية لبعض الطوائف البروتستانتية إلى أمريكا الشمالية على وجه الخصوص ، وذلك لكون الكاثوليك من الأسبان والبرتغاليين قد سبقوهم إلى أمريكا الجنوبية.

      وهناك في أمريكا تمكن المهاجرون البروتستانت من التعبير عن ثقافتهم الدينية التوراتية بكل حرية، ومن ذلك أنهم شبهوا خروجهم من أوربا إلى أمريكا ، بخروج اليهود أيام موسى عليه السلام ، من مصر إلى فلسطين ، حيث نظروا إلى أمريكا على أنها (بلاد كنعان الجديدة) أي فلسطين ، ونظروا أيضاً إلى الهنود الحمر وهم سكان أمريكا الأصليين – على أنهم الكنعانيون العرب ، وهم سكان فلسطين الأصليين ، ولما كانت التوراة المحرفة تذكر أن اليهود قد أقاموا المجازر للكنعانيين لذا فقد فعل المهاجرون الشيء نفسه بالهنود الحمر(21).

      كذلك فقد كان المهاجرون البروتستانت الأوائل يؤدون صلواتهم باللغة العبرية ، ويطلقون على أبنائهم وبناتهم أسماء أنبياء ، وأبناء وبنات بني إسرائيل ، الوارد ذكرهم في التوراة ، كما قاموا بفرض تعليم اللغة العبرية في مدارسهم.

      وعندما أسسوا جامعة (هارفارد) عام 1636م كانت اللغة العبرية هي اللغة الرسمية للدراسة في الجامعة ، وفي عام 1642م نوقشت أول رسالة دكتوراه في جامعة (هارفارد) وكان عنوانها (اللغة العبرية هي اللغة الأم) (22).

      وفي عام 1776م اقترحت اللجنة المشكلة لتصميم شعار أمريكا أن يكون الشعار مستوحى من التوراة (23) .

      ومع تزايد الاهتمام باليهود قامت أمريكا في عام 1844م بفتح أول قنصلية لها في القدس ، وهناك بدأت تقارير القنصل الأمريكي تتوالى على رؤسائه ، وقد كانت تتمحور حول ضرورة التعجيل في جعل فلسطين وطناً لليهود(24).

      وفي عام 1891م قام أحد أبرز زعماء الصهيونية المسيحية في ذلك الوقت ، وهو القس (ويليام بلاكستون) بعد عودته من فلسطين برفع عريضة إلى الرئيس الأمريكي (بنيامين هاريسون) دعاه فيها إلى الاقتداء بالإمبراطور الفارسي ( قورش) الذي أعاد اليهود من السبي البابلي إلى فلسطين (25).

      كذلك قام القس (بلاكستون) بعد انعقاد المؤتمر الصهيوني اليهودي الأول عام (1897م) بتوجيه انتقاده إلى زعيم المؤتمر ( تيودور هرتزل) لأنه وجد منه تساهلاً في إقامة الدولة اليهودية في فلسطين.

      وفي عام (1917م) قام (بلفور) وزير خارجية بريطانيا بزيارة أمريكا من أجل التشاور بخصوص توطين اليهود في فلسطين ، هذا وبضغط من الرئيس الأمريكي (ولسون) تم في آخر تلك السنة إعلان ( وعد بلفور) الخاص بتوطين اليهود في فلسطين (26).

      وفي عام (1918م) صادق الرئيس الأمريكي ( ولسون) رسمياً على وعد ( بلفور) في رسالته التي بعث بها إلى زعيم الصهيونية اليهودية في أمريكا ، حيث قال : ( أغتنم الفرصة لأعبر عن الارتياح الذي أحسست به نتيجة تقدم الحركة الصهيونية في الولايات المتحدة والدول الحليفة ، منذ إعلان السيد بلفور باسم حكومته عن موافقتها على إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين ، ووعْده بأن تبذل الحكومة البريطانية قصارى جهدها لتسهيل تحقيق ذلك الهدف) (27).

      هذا ويشير المؤرخ الأمريكي (تشارلز بات) الذي أرخ لتلك الحقبة ، إلى أن صهيونية (ولسون) لم تكن إلا امتداداً لصهيونية شاملة سادت المجتمع الأمريكي وقت إعلان وعد بلفور (28).

      بعد ذلك وافق الكونجرس الأمريكي على وعد بلفور ، وأصدر بياناً جاء فيه : (أن الولايات المتحدة الأمريكية ، تؤيد إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين ، وفقاً للشروط التي يتضمنها وعد الحكومة البريطانية ، والمعروف بوعد بلفور) (29).




      التعليق


      • #4
        يتبع

        أما مجلس النواب فقد جاء في بيان موافقته ما يلي : (حيث أن الشعب اليهودي كان يتطلع لقرون طويلة ، ويتشوق لإعادة بناء وطنه القديم ، وبسبب ما تمخضت عنه الحرب العالمية ، ودور اليهود فيها ، فيجب أن يُمكّن الشعب اليهودي من إعادة إنشاء ، وتنظيم وطن قومي في أرض آبائه) (30).

        هذا وقد كانت الخطابات التي ألقيت في مجلس الشيوخ والنواب عند الموافقة على وعد ( بلفور) ذات نكهة توراتية حيث جاء في خطاب ممثل (إنديانا) في الكونجرس ما يلي:

        ( كما خلّص موسى الإسرائيليين من العبودية ، فإن الحلفاء الآن يخلصون يهودا - أي فلسطين – من أيدي الأتراك القبيحين! ، وهي الخاتمة الملائمة لهذه الحرب العالمية.

        إن يهودا – أي الشعب – يجب أن تقوم كأمة مستقلة ، وتكون لها القوة لتحكم نفسها ، وتتقدم وتكمل مثاليتها في الحياة.

        إنني أحس أنني أعبّر عن أفكار الشعب الأمريكي ، وبالتأكيد عن أفكار أولئك الذين بحثت معهم هذا الموضوع ، وهو أن حكومة الولايات المتحدة يجب أن تمارس سلطاتها الملائمة ، لرؤية هذه الدول اليهودية تقام ، لتنبثق منها تعاليم ، ومبادئ يهودا القديمة) (31).

        أما مجلس الشيوخ فقد ألقى فيه رئيس لجنة العلاقات الخارجية ، الخطاب التالي : (إنني لم أحتمل أبداً فكرة وقوع القدس وفلسطين تحت سيطرة المحمديين ، إن بقاء القدس وفلسطين المقدسة بالنسبة لليهود ، والأرض المقدسة بالنسبة لكل الأمم المسيحية الكبرى في الغرب ، في أيدي الأتراك ، كان يبدو لي ، لسنوات طويلة ، وكأنه لطخة في جبين الحضارة ، من الواجب إزالتها) (32).

        لقد كان الرئيس الأمريكي (ولسون) وفياً لعقيدته البروتستانتية ذات النكهة التوراتية ، وعلى هذا المنوال سار جميع الرؤساء الأمريكيين من بعده بما فيهم الرئيس الكاثوليكي الوحيد ( كنيدي) ، الذي لم تختلف سياسته في دعم اليهود عن سياسة الرئيس (ولسون).

        هذا ولعل من أوضح صور الوفاء للصهيونية المسيحية هو قيام الرئيس الأمريكي روزفلت بمفاتحة الملك عبد العزيز رحمه الله برغبة اليهود بالمجيء إلى خيبر ؛ لكن الملك عبد العزيز رحمه الله رد على روزفلت بلغة الوثائق وفند كل المزاعم الصهيونية.

        أحبتي في الله ، والآن يصل بنا الحديث إلى أهم وأخطر حدث توراتي في العصر الحديث ، ألا وهو الولادة الرسمية للدولة اليهودية عام 1948م في فلسطين ، وهو الحدث الذي سعت إلى تحقيقه الشعوب البروتستانتية منذ حركة الإصلاح الديني في القرن السادس عشر الميلادي.

        ففي ذلك العام ، تم التصويت في الأمم المتحدة ، على إقامة الدولة اليهودية في فلسطين ، وبتوجيه من الرئيس الأمريكي (هاري ترومان) ، قامت الحكومة الأمريكية بممارسة هوايتها في الضغط على الحكومات المعارضة ، أو المترددة ، من أجل تأمين الأغلبية اللازمة لصدور قرار التقسيم ، وفي ذلك يقول الدبلوماسي الأمريكي ( سمنر ويلز) : (بأمر مباشر من البيت الأبيض ، فرض المسؤولون الأمريكيون كل نوع من أنواع الضغط ، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ، خاصة مع تلك الدول المترددة ، أو المعارضة للتقسيم ، ولم يتوان البيت الأبيض عن استخدام الوسطاء ، والوكلاء في سبيل ضمان الأكثرية اللازمة للتصويت) (33).

        وعندما تم التصويت لصالح قيام الدولة اليهودية في فلسطين ، سارعت الولايات المتحدة للاعتراف بها بعد مرور إحدى عشرة دقيقة بالتمام والكمال !.

        لقد كان الرئيس الأمريكي (هاري ترومان) شديد التعلق بالتوراة ، عطفاً على تربيته الدينية البروتستانتية ، وقد عبر عن ذلك في أثناء زيارته لأحد المعابد اليهودية ، وبالذات عندما أشاد به الحضور ، على أنه الرجل الذي أشرف على ولادة اليهودية في فلسطين فرد قائلاً : (إنني قورش ، إنني قورش ، ومن الذي ينسى أن قورش ، هو الذي أعاد اليهود ، من منفاهم في بابل إلى القدس) (34).

        أحبتي في الله ، إن قيام الدولة اليهودية في نظر الأمم البروتستانتية ، يعد تحقيقاً لأهم وأخطر نبوءة في كتبهم المحرفة ألا وهي نبوءة (الألفية السعيدة) ومختصر تلك النبوءة يدور حول عودة المسيح عليه السلام إلى الأرض ليحكم العالم مدة (ألف سنة) تعم فيها السعادة وينتشر فيها الخير ، لكن تلك العودة مشروطة بقيام الدولة اليهودية في فلسطين ، وعاصمتها القدس ، وبناء الهيكل مكان المسجد الأقصى ، وبقيام معركة ( مجدّو) أو (هرمجدّو) والتي سيتم فيها القضاء على كل الأشرار الذين سوف يحاولون عرقلة العد التنازلي للألفية السعيدة، لذا فإن من يحاول عرقلة العد التنازلي لهذه النبوءة ، سيدخل تلقائياً في نادي الأشرار ، وهذا يعني أن الأمة المسلمة ، في نظر عشاق تلك النبوءة ، تعد عضواً مؤسساً في ذلك النادي !

        وعن تلك النبوءة تقول الكاتبة الأمريكية ( قريس هالسل) في كتابها ( النبوءة والسياسة) : ( إننا نؤمن كمسيحيين أن تاريخ الإنسانية سوف ينتهي بمعركة تدعى (هرمجدون) ، وأن هذه المعركة سوف تتوج بعودة المسيح ، الذي سيحكم بعودته على الجميع ، وأن اليهود هم شعب الله المختار ، وأن الله أعطى الأرض المقدسة إلى شعبه المختار اليهود ، ولأن اليهود هم شعبه المختار ، فإن الله يبارك الذين يباركون اليهود ، ويلعن لاعنيهم) (35).

        ويقول القس الأمريكي (جورج أوتيس) : (نحن نؤمن بأرض إسرائيل ، كما نؤمن بأن كل الأرض المقدسة ، هي ميراث الشعب اليهودي ، غير القابل للنقل أو التصرف ، وهو الوعد الذي أعطي إلى إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، ولم يلغ قط ، كما أن إنشاء إسرائيل الحديثة هو إيفاء لا ينازع للنبوءة التوراتية ، ورؤى النذير بمقدم المسيح ، إننا نعتقد أن اليهود في أي مكان ، ما زالوا هم شعب الله المختار ، وأن الله يبارك من يباركهم) (36).

        وعن قيام الدولة اليهودية يقول الرئيس الأمريكي السابق (جيمي كارتر) : ( إن إنشاء دولة إسرائيل ، هي إنجاز النبوءة التوراتية وجوهره)(37)، وقال أيضاً مخاطباً اليهود حين زار فلسطين في عام 1979م : (إننا نتقاسم معكم تراث التوراة) (38).

        أما الرئيس الأمريكي السابق (ريغان) فقد كان مشغوفاً بتسريع خطوات العد التنازلي للألفية السعيدة ، حيث قال : ( إن إسرائيل هي الديمقراطية الثابتة الوحيدة التي يمكن أن نعتمد عليها كموقع لحدوث (هرمجدو)(39). وقال أيضاً: (إن جميع النبوءات التي يجب أن تتحقق قبل هرمجدو قد مرت) (40).

        أحبتي في الله، مما سبق يتضح لنا أن احتلال اليهود لبيت المقدس ، قد أعطى زخماً قوياً لمريدي أسطورة الألفية السعيدة ، لأن بيت المقدس هو جوهرة القضية كلها ، وفي ذلك يقول ( ديفيد بن غوريون) أول رئيس وزراء للدولة اليهودية : ( لا إسرائيل دون القدس، ولا قدس دون الهيكل)(41).

        إخوة الإسلام ، إن الغرب ينظر إلى الدولة اليهودية نظرة دينية فهي بالنسبة لهم ضرورة عقدية لعودة المسيح عليه السلام ، كما تزعم نبوءة الألفية السعيدة ، وهي بالنسبة لهم أيضاً قضية ولاء وبراء ، يعادون من أجلها العالم كله ، لذا فإن من ينظر إلى القضية بغير المنظار العقدي، فإنه يظلم نفسه ويضيع وقته بلا طائل ، وتأملوا معي كلام (بريجنسكي) مستشار الرئيس ( كارتر) للأمن القومي حيث قال : ( إن على العرب أن يفهموا أن العلاقات الأمريكية الإسرائيلية لا يمكن أن تكون متوازنة مع العلاقات العربية ، لأن العلاقات الأمريكية الإسرائيلية علاقات حميمة ، مبنية على التراث التاريخي والروحي ، بينما العلاقات الأمريكية العربية لا تحتوي أياً من هذه العوامل) (42).




        التعليق


        • #5
          يتبع
          أما مجلس النواب فقد جاء في بيان موافقته ما يلي : (حيث أن الشعب اليهودي كان يتطلع لقرون طويلة ، ويتشوق لإعادة بناء وطنه القديم ، وبسبب ما تمخضت عنه الحرب العالمية ، ودور اليهود فيها ، فيجب أن يُمكّن الشعب اليهودي من إعادة إنشاء ، وتنظيم وطن قومي في أرض آبائه) (30).

          هذا وقد كانت الخطابات التي ألقيت في مجلس الشيوخ والنواب عند الموافقة على وعد ( بلفور) ذات نكهة توراتية حيث جاء في خطاب ممثل (إنديانا) في الكونجرس ما يلي:

          ( كما خلّص موسى الإسرائيليين من العبودية ، فإن الحلفاء الآن يخلصون يهودا - أي فلسطين – من أيدي الأتراك القبيحين! ، وهي الخاتمة الملائمة لهذه الحرب العالمية.

          إن يهودا – أي الشعب – يجب أن تقوم كأمة مستقلة ، وتكون لها القوة لتحكم نفسها ، وتتقدم وتكمل مثاليتها في الحياة.

          إنني أحس أنني أعبّر عن أفكار الشعب الأمريكي ، وبالتأكيد عن أفكار أولئك الذين بحثت معهم هذا الموضوع ، وهو أن حكومة الولايات المتحدة يجب أن تمارس سلطاتها الملائمة ، لرؤية هذه الدول اليهودية تقام ، لتنبثق منها تعاليم ، ومبادئ يهودا القديمة) (31).

          أما مجلس الشيوخ فقد ألقى فيه رئيس لجنة العلاقات الخارجية ، الخطاب التالي : (إنني لم أحتمل أبداً فكرة وقوع القدس وفلسطين تحت سيطرة المحمديين ، إن بقاء القدس وفلسطين المقدسة بالنسبة لليهود ، والأرض المقدسة بالنسبة لكل الأمم المسيحية الكبرى في الغرب ، في أيدي الأتراك ، كان يبدو لي ، لسنوات طويلة ، وكأنه لطخة في جبين الحضارة ، من الواجب إزالتها) (32).

          لقد كان الرئيس الأمريكي (ولسون) وفياً لعقيدته البروتستانتية ذات النكهة التوراتية ، وعلى هذا المنوال سار جميع الرؤساء الأمريكيين من بعده بما فيهم الرئيس الكاثوليكي الوحيد ( كنيدي) ، الذي لم تختلف سياسته في دعم اليهود عن سياسة الرئيس (ولسون).

          هذا ولعل من أوضح صور الوفاء للصهيونية المسيحية هو قيام الرئيس الأمريكي روزفلت بمفاتحة الملك عبد العزيز رحمه الله برغبة اليهود بالمجيء إلى خيبر ؛ لكن الملك عبد العزيز رحمه الله رد على روزفلت بلغة الوثائق وفند كل المزاعم الصهيونية.

          أحبتي في الله ، والآن يصل بنا الحديث إلى أهم وأخطر حدث توراتي في العصر الحديث ، ألا وهو الولادة الرسمية للدولة اليهودية عام 1948م في فلسطين ، وهو الحدث الذي سعت إلى تحقيقه الشعوب البروتستانتية منذ حركة الإصلاح الديني في القرن السادس عشر الميلادي.

          ففي ذلك العام ، تم التصويت في الأمم المتحدة ، على إقامة الدولة اليهودية في فلسطين ، وبتوجيه من الرئيس الأمريكي (هاري ترومان) ، قامت الحكومة الأمريكية بممارسة هوايتها في الضغط على الحكومات المعارضة ، أو المترددة ، من أجل تأمين الأغلبية اللازمة لصدور قرار التقسيم ، وفي ذلك يقول الدبلوماسي الأمريكي ( سمنر ويلز) : (بأمر مباشر من البيت الأبيض ، فرض المسؤولون الأمريكيون كل نوع من أنواع الضغط ، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ، خاصة مع تلك الدول المترددة ، أو المعارضة للتقسيم ، ولم يتوان البيت الأبيض عن استخدام الوسطاء ، والوكلاء في سبيل ضمان الأكثرية اللازمة للتصويت) (33).

          وعندما تم التصويت لصالح قيام الدولة اليهودية في فلسطين ، سارعت الولايات المتحدة للاعتراف بها بعد مرور إحدى عشرة دقيقة بالتمام والكمال !.

          لقد كان الرئيس الأمريكي (هاري ترومان) شديد التعلق بالتوراة ، عطفاً على تربيته الدينية البروتستانتية ، وقد عبر عن ذلك في أثناء زيارته لأحد المعابد اليهودية ، وبالذات عندما أشاد به الحضور ، على أنه الرجل الذي أشرف على ولادة اليهودية في فلسطين فرد قائلاً : (إنني قورش ، إنني قورش ، ومن الذي ينسى أن قورش ، هو الذي أعاد اليهود ، من منفاهم في بابل إلى القدس) (34).

          أحبتي في الله ، إن قيام الدولة اليهودية في نظر الأمم البروتستانتية ، يعد تحقيقاً لأهم وأخطر نبوءة في كتبهم المحرفة ألا وهي نبوءة (الألفية السعيدة) ومختصر تلك النبوءة يدور حول عودة المسيح عليه السلام إلى الأرض ليحكم العالم مدة (ألف سنة) تعم فيها السعادة وينتشر فيها الخير ، لكن تلك العودة مشروطة بقيام الدولة اليهودية في فلسطين ، وعاصمتها القدس ، وبناء الهيكل مكان المسجد الأقصى ، وبقيام معركة ( مجدّو) أو (هرمجدّو) والتي سيتم فيها القضاء على كل الأشرار الذين سوف يحاولون عرقلة العد التنازلي للألفية السعيدة، لذا فإن من يحاول عرقلة العد التنازلي لهذه النبوءة ، سيدخل تلقائياً في نادي الأشرار ، وهذا يعني أن الأمة المسلمة ، في نظر عشاق تلك النبوءة ، تعد عضواً مؤسساً في ذلك النادي !

          وعن تلك النبوءة تقول الكاتبة الأمريكية ( قريس هالسل) في كتابها ( النبوءة والسياسة) : ( إننا نؤمن كمسيحيين أن تاريخ الإنسانية سوف ينتهي بمعركة تدعى (هرمجدون) ، وأن هذه المعركة سوف تتوج بعودة المسيح ، الذي سيحكم بعودته على الجميع ، وأن اليهود هم شعب الله المختار ، وأن الله أعطى الأرض المقدسة إلى شعبه المختار اليهود ، ولأن اليهود هم شعبه المختار ، فإن الله يبارك الذين يباركون اليهود ، ويلعن لاعنيهم) (35).

          ويقول القس الأمريكي (جورج أوتيس) : (نحن نؤمن بأرض إسرائيل ، كما نؤمن بأن كل الأرض المقدسة ، هي ميراث الشعب اليهودي ، غير القابل للنقل أو التصرف ، وهو الوعد الذي أعطي إلى إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، ولم يلغ قط ، كما أن إنشاء إسرائيل الحديثة هو إيفاء لا ينازع للنبوءة التوراتية ، ورؤى النذير بمقدم المسيح ، إننا نعتقد أن اليهود في أي مكان ، ما زالوا هم شعب الله المختار ، وأن الله يبارك من يباركهم) (36).

          وعن قيام الدولة اليهودية يقول الرئيس الأمريكي السابق (جيمي كارتر) : ( إن إنشاء دولة إسرائيل ، هي إنجاز النبوءة التوراتية وجوهره)(37)، وقال أيضاً مخاطباً اليهود حين زار فلسطين في عام 1979م : (إننا نتقاسم معكم تراث التوراة) (38).

          أما الرئيس الأمريكي السابق (ريغان) فقد كان مشغوفاً بتسريع خطوات العد التنازلي للألفية السعيدة ، حيث قال : ( إن إسرائيل هي الديمقراطية الثابتة الوحيدة التي يمكن أن نعتمد عليها كموقع لحدوث (هرمجدو)(39). وقال أيضاً: (إن جميع النبوءات التي يجب أن تتحقق قبل هرمجدو قد مرت) (40).

          أحبتي في الله، مما سبق يتضح لنا أن احتلال اليهود لبيت المقدس ، قد أعطى زخماً قوياً لمريدي أسطورة الألفية السعيدة ، لأن بيت المقدس هو جوهرة القضية كلها ، وفي ذلك يقول ( ديفيد بن غوريون) أول رئيس وزراء للدولة اليهودية : ( لا إسرائيل دون القدس، ولا قدس دون الهيكل)(41).

          إخوة الإسلام ، إن الغرب ينظر إلى الدولة اليهودية نظرة دينية فهي بالنسبة لهم ضرورة عقدية لعودة المسيح عليه السلام ، كما تزعم نبوءة الألفية السعيدة ، وهي بالنسبة لهم أيضاً قضية ولاء وبراء ، يعادون من أجلها العالم كله ، لذا فإن من ينظر إلى القضية بغير المنظار العقدي، فإنه يظلم نفسه ويضيع وقته بلا طائل ، وتأملوا معي كلام (بريجنسكي) مستشار الرئيس ( كارتر) للأمن القومي حيث قال : ( إن على العرب أن يفهموا أن العلاقات الأمريكية الإسرائيلية لا يمكن أن تكون متوازنة مع العلاقات العربية ، لأن العلاقات الأمريكية الإسرائيلية علاقات حميمة ، مبنية على التراث التاريخي والروحي ، بينما العلاقات الأمريكية العربية لا تحتوي أياً من هذه العوامل) (42).




          التعليق


          • #6
            يتبع
            أخي القارئ الكريم ، وبعد ما تقدم أقول : إن الغرب يستحث الدولة اليهودية على الإسراع في افتعال الأسباب المؤدية إلى بناء الهيكل مكان المسجد الأقصى ، حتى لا يتسبب ذلك في تأخر عودة المسيح عليه السلام ، كما تزعم أسطورة الألفية السعيدة ، ولعل من آخر الأسباب : موافقة الحكومة الأمريكية على اعتبار القدس ، العاصمة الشرعية للدولة اليهودية.

            أحبتي في الله ، رغم ذلك الزخم الجاهلي ، وانتفاش الباطل ، فإن المسلم الموقن بنصر الله ينظر إلى ذلك كله نظرة قرآنية انطلاقاً من قوله تعالى : ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون).

            *********************************

            الخاتمة

            الحمد لله الذي بحمده تتم الصالحات ، وبعد.

            فإن من أهم النتائج التي نخرج بها مما سبق ما يلي:

            أولاً : إن الانحراف العقدي ، وضعف عقيدة الولاء والبراء ، كان مقدمة لوقوع العالم العربي تحت الاحتلال الصليبي بعد الحرب العالمية الأولى.

            ثانياً : إن نظرة الغرب لطبيعة المواجهة مع الأمة المسلمة ، ليست زلة لسان ، أو تصريح أسيء فهمه ، بل هي نظرة دينية عقدية ، ونهج ثابت أصيل.

            ثالثاً : إن إشراف الغرب على ولادة الدولة اليهودية في فلسطين ، جاء منسجماً مع الجذور التوراتية لتلك الدول ، وفي مقدمتها أسطورة الألفية السعيدة.

            رابعاً : إن المسلم ، ليحزن من تخاذل أهل الحق في حقهم ، واستماتة أهل الباطل في باطلهم.

            خامساً : إن معركة استعادة المسجد الأقصى لا تقبل إلا شعاراً واحداً ، ينبغي على الأمة المسلمة أن تعود إليه ، ألا وهو شعار ( يا مسلم ، يا عبد الله) ، وهو الشعار الذي يحمل في طياته بشائر النصر بإذن الله.

            وختاماً، فإن ما سبق ما هو إلا نصيحة للأمة، وإبراء للذمة، والله أسأل أن يلهمنا رشدنا، ويعصمنا من الفتن، ما ظهر منها وما بطن.

            *********************************

            روابط تحميل الملف الصوتي:


            تحميل من الرابيد شير (MP3)
            تحميل من موقع طريق الإسلام (MP3)

            تحميل من موقع طريق الإسلام (RM)


            *********************************

            الهوامش:

            (1) حمدان حمدان ، على أعتاب الألفية، ص 27.
            (2) محمد السماك ، الصهيونية المسيحية، ص34.
            (3) حمدان حمدان ، مرجع سابق ، ص28.
            (4) المرجع سابق ، ص29.
            (5) محمد السماك ، مرجع سابق ، ص11- 12.
            (6) حمدان الحمدان ، مرجع سابق ، ص29.
            (7) المرجع السابق ، ص30.
            (8) المرجع السابق ، ص36.
            (9) رضا هلال ، المسيح اليهودي ونهاية العالم، ص 46.
            (10) المرجع السابق ، ص66.
            (11) المرجع السابق ، ص68.
            (12) المرجع السابق ، ص73.
            (13) موفق بني المرجة ، صحوة الرجل المريض ، ص 214.
            (14) حسان حلاق ، موقف الدولة العثمانية من الحركة الصهيونية ، ص362.
            (15) محمد الخالدي، المؤامرة الكبرى على بلاد الشام، ص 213.
            (16) المرجع السابق، الصفحة نفسها.
            (17) المرجع السابق، ص 238.
            (18) رضا هلال ، مرجع سابق ، ص 70.
            (19) محمد الخالدي ، مرجع سابق ، ص301.
            (20) المرجع السابق ، الصفحة نفسها.
            (21) رضا هلال ، مرجع سابق ، ص77 ؛ حمدان حمدان ، مرجع سابق ، ص108.
            (22) رضا هلال ، مرجع سابق ، ص78؛ حمدان حمدان ، مرجع سابق ، ص109.
            (23) حمدان حمدان ، مرجع سابق ، ص 109؛ محمد السماك، مرجع سابق ، ص 56.
            (24) محمد السماك ، مرجع سابق ، ص 55.
            (25) رضا هلال ، مرجع سابق ، ص97.
            (26) موفق بني المرجة ، مرجع سابق ، ص295؛ محمد الناصر ، الجهاد والتجديد في القرن السادس الهجري ، ص 397 هامش (1).
            (27) رضا هلال ، مرجع سابق ، ص101؛ محمد السماك ، مرجع سابق ، ص60.
            (28) رضا هلال ، مرجع سابق ، ص101.
            (29) محمد السماك، مرجع سابق ، ص 60.
            (30) رضا هلال ، مرجع سابق ، ص103.
            (31) المرجع السابق ، ص102.
            (32) المرجع السابق ، الصفحة نفسها.
            (33) حمدان حمدان، مرجع سابق ، ص127.
            (34) رضا هلال ، مرجع سابق ، ص105.
            (35) ص15.
            (36) حمدان حمدان ، مرجع سابق ، ص221.
            (37) محمد علي دولة ، مقدمة كتاب أمريكا وإسرائيل للدكتور محمد معروف الدواليبي ، ص 23.
            (38) المرجع السابق ، الصفحة نفسها.
            (39) قريس هالسل ، النبوءة والسياسة ، ص50.
            (40) المرجع السابق ، ص 48.
            (41) محمد السماك، مرجع سابق ، ص142.
            (42) محمد علي دولة ، مرجع سابق ، ص24.




            التعليق


            • #7
              كلنا يعرف بان اليهود صخروا كل الامكانات لمصالحهم وهذا مقتطف من بروتوكولات حكماء صهيون.......

              البرتوكول الرابع عشر:
              حينما نمكن لأنفسنا فنكون سادة الأرض ـ لن نبيح قيام أي دين غير ديننا، أي الدين المعترف بوحدانية الله الذي ارتبط حظنا باختياره إيانا كما ارتبط به مصير العالم.
              ولهذا السبب يجب علينا أن نحطم كل عقائد الإيمان، واذ تكون النتيجة المؤقتة لهذا هي أثمار ملحدين فلن يدخل هذا في موضوعنا، ولكنه سيضرب مثلاً للأجيال القادمة التي ستصغي إلى تعاليمنا على دين موسى الذي وكل الينا ـ بعقيدته الصارمة ـ واجب اخضاع كل الأمم تحت أقدامنا)

              تقبل مروري

              التعليق


              • #8
                واقدم اعتذاري عن عدم عرض التسجيل الصوتي في مقدمة الموضوع
                واستعرضه معكم
                هنا

                واسعدني تواجدك اخوي كنعد




                التعليق

                KJA_adsense_ad6

                Collapse
                جاري التنفيذ...
                X