أحلام الربيع
للشاعر الكبير/ طاهر زمخشري دراسة وتحليل
الحلقة الخامسة والأخيرة
نواصلُ الحديثَ عن هذا شاعرنا الكبير/ طاهر زمخشري وديوانه الخالد (أحلام الربيع) فنجدُ في هذا الديوان (مداعـبات) لخصها في ثلاث وقفات:
* في الوقفة الأولى يقول:
وقائلةٍ: ما بالُ عـينِك لم يبنْ *** عليها الهوى حتى تـُسِـيلً دموعَـها
فقلتُ لها: سحرٌ وحسنٌ وفتنةٌ *** تجلّتْ لعـيني فهي تـُبدي خشوعَها
وهذا يسمى في البلاغة (سرعة الجواب بحسن الإطناب) وهو من الأساليب الراقية في (علم المعاني) .
*ويقول في الوقفة الثانية:
لها وجنة تغـري المحبَّ بلثمِها *** وقامَ عليها للحراسةِ خالُها
وترسلُ من سحرِ العـيون فواتكاً *** فيزدادُ بالسحرِ المبينِ جمالُها
* وقال في الوقفةِ الثالثة مجيباً عن تساؤل طرحه:
قالوا: بكتْ شمسُ الأصيلِ فضرّجتْ *** وجهَ السماءِ بدمعِـها المهراقِ
أو ما دروا أني بكيتُ من الأسى؟ *** والبحرُ دمعٌ فاضَ من آماقي
ثم أتبعَ هذه الوقفات بثلاثِ قصائد:
* الأولى بعـنوان (موقف ووداع) ومطلعـها:
شاهدُ الحزنِ حسرةٌ وأنينُ *** ووجيبٌ وأنة لا تبينُ
مدّ يومَ الوداعِ كفاً فهاجتْ *** حُرَقُ القلبِ واستفاضتْ شجونُ
سالَ دمعـي فمذ زجرتُ عـيوني *** ضاعفَ الدمعَ لاعـجٌ وحنينُ
* والثانية بعـنوان (رجاء) نظمها لمناسبةٍ معـينةٍ لا نقف معها طويلاً ومطلعـها:
كانتْ تسيرُ وسعـيُها *** هوناً يقيّدُ من خطاها
* والثالثة بعـنوان (نواة معـمل النسيج) كتبها للشيخ/ محمد سرور الصبّان قال في مطلعِـها:
هزّ في كفهِ اليراعَ ولكن *** في جوارِ اليراعِ عـزمٌ جديدُ
ثم بعـد ذلك كله تأتي (أحلام الشاعـر) استهلّها بقصيدةٍ أهداها إلى صديقٍ له ومطلعـها:
هـو هذا الليلُ ممدودُ الرِّواقِ *** وجحيمُ الحبِّ يذكيه اشتياقي
وسكونُ الكون حولي شبحٌ *** لفّ أحلاميَ في شبهِ نطاقِ
وفؤادي بين نيرانِ الجوى *** يتلظى في اضطرابٍ واحتراقِ
ولك أن تتأملَ قوله: (جحيم الحب) و(لفّ أحلامي) و(فؤادي يتلظى) كلها صورٌ بالغة الغاية في الحسن .
هذه الحالُ الأولى والحال الثانية بعـنوان (وردة الحب) يقول فيها:
هتفتْ بي لواعـجٌ من حنيني *** فتخطيتُ للقاءِ شجوني
أعـبُرُ الليلَ والدياجي كحلمٍ *** ذرّهُ النومُ في سوادِ العـيونِ
والصور ههنا هي (هتفت لواعج) و(أعبُر الليل والدياجي) و(ذره النوم) .
ثم بعـد ذلك له قصيدة ثالثة في الأحلام بعـنوان (تغـريدة) شابه فيها الحريري صاحب المقامات ومطلعـها:
جنة الحسنِ كلُّ ما فيكِ حلوٌ *** وجميلٌ إلا التجني فمرُّ
ثم قصيدة رابعة في أحلامه بعـنوان (خاطرة في الترام) يقول فيها:
ما لطرفي وللأسى من جديدِ *** ما لقلبي وللهوى من بعـيدِ
أنا في روضِها الأنيقِ غـريبٌ *** وهي عندي ابتسامةٌ في وجودي
وقال فيها بعـد ستةِ أبيات هذا البيت الذي يذوب رقة:
سطوة الحسنِ ما بقلبي احتمالٌ *** بعـد أن ذابَ في الغـرامِ العـتيدِ
ثم له قصيدة بعـنوان (صوت القلب) ومطلعـها:
أرى القلبَ يدميه الأسى وهو يشهقُ *** وفي جاحمِ الآلامِ يذوي ويصعـقُ
ثم له بعـد ذلك قصيدة رائعة أرى أن تقررَ على (طلابِ المراحل الدنيا) ففيها تربية عـظيمة قدّمَ لها بقوله: (لماذا لا نحارب التقاليد والعـقائد الفاسدة؟) وقال عنها: (هذا فصلٌ من قصةٍ خيالية صغـتها وصورتُ فيها كيف تسلبُ الأموال على حساب بعـض الناس؟) وعنوانها (الدجالون) قسمها إلى أربعة عـشر مقطعاً وهي محزنة يقولُ في المقطع الأول:
قالت الأمُّ: ألا يا ولدي *** هذهِ زوجكَ أضنتْ جسدي
وأذابتْ من بكاها جلدي *** وإلى أدوائِها لم نهتدِ
فهذه أشد وقعاً في نفوس الطلاب من تلك القصائد التي تذكُر القصصَ على ألسنةِ الحيوانات والطيور .
ثم بعـد ذلك له قصيدة بعـنوان (دمعة حزينة) وهي من عنوانِها واضحة أنها في الرثاء مطلعها:
أغالبُ الزفرة الحرّى فتلتهبُ *** وأزجرُ الدمعَ أن يهمي فينسكبُ
وأكتمُ الآهة الحيرى فيصدعـني *** أسىً وفي مهجتي أصداؤه لهبُ
ثم ختم هذا الديوان العـجيب بقصيدةٍ في رثاءِ والده عنوانها (رثاء) ومطلعـها:
لم يعـدْ قبره الفسيحُ ترابا *** بعـد أن صار في ثراه وذابا
ضمّ جثمانه فأصبح كنزاً *** واستحالَ الترابُ تبراً مذابا
صافحَ الموتَ باسماً وبشوشاً *** ودعاه إلهُـهُ فأجابا
وتأمل التصوير في قوله: (صافح الموت) وآخر بيتٍ فيها وهو آخرُ بيتٍ كذلك في الديوان:
فلئن ماتَ إنني سوفَ أحيي *** ذكرياتٍ عن الفقيدِ عِـذابا
وإلى هنا ينتهي الحديثُ عن هذا الديوان (أحلام الربيع) والشاعر الكبير/ طاهر زمخشري بشيءٍ من الإيجاز والاختصار، وإلا فالتحليلُ الحقيقي يحتاجُ إلى سِفْر ضخم تصعـبُ الإحاطة به، ومن عـجيبِ الموافقات أنه بدأه بالتحية الدالة على الحياة، وختمه بالرثاء الذي يدل على الموت!
والحمدُ لله الذي بنعـمتِه تتم الصالحات .
للشاعر الكبير/ طاهر زمخشري دراسة وتحليل
الحلقة الخامسة والأخيرة
نواصلُ الحديثَ عن هذا شاعرنا الكبير/ طاهر زمخشري وديوانه الخالد (أحلام الربيع) فنجدُ في هذا الديوان (مداعـبات) لخصها في ثلاث وقفات:
* في الوقفة الأولى يقول:
وقائلةٍ: ما بالُ عـينِك لم يبنْ *** عليها الهوى حتى تـُسِـيلً دموعَـها
فقلتُ لها: سحرٌ وحسنٌ وفتنةٌ *** تجلّتْ لعـيني فهي تـُبدي خشوعَها
وهذا يسمى في البلاغة (سرعة الجواب بحسن الإطناب) وهو من الأساليب الراقية في (علم المعاني) .
*ويقول في الوقفة الثانية:
لها وجنة تغـري المحبَّ بلثمِها *** وقامَ عليها للحراسةِ خالُها
وترسلُ من سحرِ العـيون فواتكاً *** فيزدادُ بالسحرِ المبينِ جمالُها
* وقال في الوقفةِ الثالثة مجيباً عن تساؤل طرحه:
قالوا: بكتْ شمسُ الأصيلِ فضرّجتْ *** وجهَ السماءِ بدمعِـها المهراقِ
أو ما دروا أني بكيتُ من الأسى؟ *** والبحرُ دمعٌ فاضَ من آماقي
ثم أتبعَ هذه الوقفات بثلاثِ قصائد:
* الأولى بعـنوان (موقف ووداع) ومطلعـها:
شاهدُ الحزنِ حسرةٌ وأنينُ *** ووجيبٌ وأنة لا تبينُ
مدّ يومَ الوداعِ كفاً فهاجتْ *** حُرَقُ القلبِ واستفاضتْ شجونُ
سالَ دمعـي فمذ زجرتُ عـيوني *** ضاعفَ الدمعَ لاعـجٌ وحنينُ
* والثانية بعـنوان (رجاء) نظمها لمناسبةٍ معـينةٍ لا نقف معها طويلاً ومطلعـها:
كانتْ تسيرُ وسعـيُها *** هوناً يقيّدُ من خطاها
* والثالثة بعـنوان (نواة معـمل النسيج) كتبها للشيخ/ محمد سرور الصبّان قال في مطلعِـها:
هزّ في كفهِ اليراعَ ولكن *** في جوارِ اليراعِ عـزمٌ جديدُ
ثم بعـد ذلك كله تأتي (أحلام الشاعـر) استهلّها بقصيدةٍ أهداها إلى صديقٍ له ومطلعـها:
هـو هذا الليلُ ممدودُ الرِّواقِ *** وجحيمُ الحبِّ يذكيه اشتياقي
وسكونُ الكون حولي شبحٌ *** لفّ أحلاميَ في شبهِ نطاقِ
وفؤادي بين نيرانِ الجوى *** يتلظى في اضطرابٍ واحتراقِ
ولك أن تتأملَ قوله: (جحيم الحب) و(لفّ أحلامي) و(فؤادي يتلظى) كلها صورٌ بالغة الغاية في الحسن .
هذه الحالُ الأولى والحال الثانية بعـنوان (وردة الحب) يقول فيها:
هتفتْ بي لواعـجٌ من حنيني *** فتخطيتُ للقاءِ شجوني
أعـبُرُ الليلَ والدياجي كحلمٍ *** ذرّهُ النومُ في سوادِ العـيونِ
والصور ههنا هي (هتفت لواعج) و(أعبُر الليل والدياجي) و(ذره النوم) .
ثم بعـد ذلك له قصيدة ثالثة في الأحلام بعـنوان (تغـريدة) شابه فيها الحريري صاحب المقامات ومطلعـها:
جنة الحسنِ كلُّ ما فيكِ حلوٌ *** وجميلٌ إلا التجني فمرُّ
ثم قصيدة رابعة في أحلامه بعـنوان (خاطرة في الترام) يقول فيها:
ما لطرفي وللأسى من جديدِ *** ما لقلبي وللهوى من بعـيدِ
أنا في روضِها الأنيقِ غـريبٌ *** وهي عندي ابتسامةٌ في وجودي
وقال فيها بعـد ستةِ أبيات هذا البيت الذي يذوب رقة:
سطوة الحسنِ ما بقلبي احتمالٌ *** بعـد أن ذابَ في الغـرامِ العـتيدِ
ثم له قصيدة بعـنوان (صوت القلب) ومطلعـها:
أرى القلبَ يدميه الأسى وهو يشهقُ *** وفي جاحمِ الآلامِ يذوي ويصعـقُ
ثم له بعـد ذلك قصيدة رائعة أرى أن تقررَ على (طلابِ المراحل الدنيا) ففيها تربية عـظيمة قدّمَ لها بقوله: (لماذا لا نحارب التقاليد والعـقائد الفاسدة؟) وقال عنها: (هذا فصلٌ من قصةٍ خيالية صغـتها وصورتُ فيها كيف تسلبُ الأموال على حساب بعـض الناس؟) وعنوانها (الدجالون) قسمها إلى أربعة عـشر مقطعاً وهي محزنة يقولُ في المقطع الأول:
قالت الأمُّ: ألا يا ولدي *** هذهِ زوجكَ أضنتْ جسدي
وأذابتْ من بكاها جلدي *** وإلى أدوائِها لم نهتدِ
فهذه أشد وقعاً في نفوس الطلاب من تلك القصائد التي تذكُر القصصَ على ألسنةِ الحيوانات والطيور .
ثم بعـد ذلك له قصيدة بعـنوان (دمعة حزينة) وهي من عنوانِها واضحة أنها في الرثاء مطلعها:
أغالبُ الزفرة الحرّى فتلتهبُ *** وأزجرُ الدمعَ أن يهمي فينسكبُ
وأكتمُ الآهة الحيرى فيصدعـني *** أسىً وفي مهجتي أصداؤه لهبُ
ثم ختم هذا الديوان العـجيب بقصيدةٍ في رثاءِ والده عنوانها (رثاء) ومطلعـها:
لم يعـدْ قبره الفسيحُ ترابا *** بعـد أن صار في ثراه وذابا
ضمّ جثمانه فأصبح كنزاً *** واستحالَ الترابُ تبراً مذابا
صافحَ الموتَ باسماً وبشوشاً *** ودعاه إلهُـهُ فأجابا
وتأمل التصوير في قوله: (صافح الموت) وآخر بيتٍ فيها وهو آخرُ بيتٍ كذلك في الديوان:
فلئن ماتَ إنني سوفَ أحيي *** ذكرياتٍ عن الفقيدِ عِـذابا
وإلى هنا ينتهي الحديثُ عن هذا الديوان (أحلام الربيع) والشاعر الكبير/ طاهر زمخشري بشيءٍ من الإيجاز والاختصار، وإلا فالتحليلُ الحقيقي يحتاجُ إلى سِفْر ضخم تصعـبُ الإحاطة به، ومن عـجيبِ الموافقات أنه بدأه بالتحية الدالة على الحياة، وختمه بالرثاء الذي يدل على الموت!
والحمدُ لله الذي بنعـمتِه تتم الصالحات .
***












التعليق