من النقد الأدبي القديم
انتقد القاضي الأديب أبو بكر الباقلاني (ت:403هـ) قولَ امرىءِ القيس في معلقته:
فتوضح فالمقراة لم يعف رسمُها *** لما نسجتها من جنوبٍ وشمألِ .
فقال: ((إن قولَه: (لم يعفُ رسمُها) ذكر الأصمعي من محاسنه أنه باقٍ، فنحن نحزنُ على مشاهدتِه فلو عفا لاسترحنا، وهذا بأن يكونَ من مساويه أولى؛ لأنه إن كان صادقَ الود فلا يزيده عفاءُ الرسوم إلا جدةَ عهد، وشدة وجد، وإنما فزع الأصمعي إلى إفادتِه هذه الفائدة خشيةَ أن يُعابَ عليه، فيقال: أيُّ فائدةٍ لأن يُعرفَنا أنه لم يعفُ رسمُ منازلِ حبيبه؟ وأيُّ معنى لهذا الحشو؟ فذكر ما يمكن أن يُذكر، ولكن لم يخلصْه بانتصاره له من الخلل .
ثم في هذه الكلمة خللٌ آخر؛ لأنه عقّب البيت بأن قال: (فهل عند رسمٍ دارسٍ من معولِ) فذكرَ أبو عبيدة أنه رجعَ فأكذبَ نفسَه، كما قال زهير:
قف بالديارِ التي لم يعفُها القِدَمُ نعم وغيّرها الأرواحُ والدّيمُ
وقال غيرُه: أراد بالبيتِ الأول أنه لم ينطمسْ أثره كله، وبالثاني أنه ذهب بعضه حتى لا يتناقض الكلامان، وليس في هذا انتصار؛ لأن معنى عفا ودرس واحدٌ، فإذا قال: (لم يعفُ رسمُها) ثم قال: (قد عفا) فهو تناقضٌ لا محالة ! واعتذارُ أبي عبيدة أقربُ لو صحّ، ولكن لم يرد هذا القولُ موردَ الاستدراك، كما قال زهير فهو إلى الخلل أقرب .
وقوله: (لما نسجتها) كان ينبغي أن يقول: (لما نسجها) ولكنه تعسفٌ فجعل ما في تأويل التأنيث؛ لأنها في معنى الريح، والأولى التذكير دون التأنيث، وضرورة الشعر قد دلته على هذا التعسف .
وقوله: (لم يعفُ رسمُها) كان الأولى أن يقول: (لم يعفُ رسمُه) ؛ لأنه ذكر المنزل!)) انتهى من كتابه (إعجاز القرآن) .
انتقد القاضي الأديب أبو بكر الباقلاني (ت:403هـ) قولَ امرىءِ القيس في معلقته:
فتوضح فالمقراة لم يعف رسمُها *** لما نسجتها من جنوبٍ وشمألِ .
فقال: ((إن قولَه: (لم يعفُ رسمُها) ذكر الأصمعي من محاسنه أنه باقٍ، فنحن نحزنُ على مشاهدتِه فلو عفا لاسترحنا، وهذا بأن يكونَ من مساويه أولى؛ لأنه إن كان صادقَ الود فلا يزيده عفاءُ الرسوم إلا جدةَ عهد، وشدة وجد، وإنما فزع الأصمعي إلى إفادتِه هذه الفائدة خشيةَ أن يُعابَ عليه، فيقال: أيُّ فائدةٍ لأن يُعرفَنا أنه لم يعفُ رسمُ منازلِ حبيبه؟ وأيُّ معنى لهذا الحشو؟ فذكر ما يمكن أن يُذكر، ولكن لم يخلصْه بانتصاره له من الخلل .
ثم في هذه الكلمة خللٌ آخر؛ لأنه عقّب البيت بأن قال: (فهل عند رسمٍ دارسٍ من معولِ) فذكرَ أبو عبيدة أنه رجعَ فأكذبَ نفسَه، كما قال زهير:
قف بالديارِ التي لم يعفُها القِدَمُ نعم وغيّرها الأرواحُ والدّيمُ
وقال غيرُه: أراد بالبيتِ الأول أنه لم ينطمسْ أثره كله، وبالثاني أنه ذهب بعضه حتى لا يتناقض الكلامان، وليس في هذا انتصار؛ لأن معنى عفا ودرس واحدٌ، فإذا قال: (لم يعفُ رسمُها) ثم قال: (قد عفا) فهو تناقضٌ لا محالة ! واعتذارُ أبي عبيدة أقربُ لو صحّ، ولكن لم يرد هذا القولُ موردَ الاستدراك، كما قال زهير فهو إلى الخلل أقرب .
وقوله: (لما نسجتها) كان ينبغي أن يقول: (لما نسجها) ولكنه تعسفٌ فجعل ما في تأويل التأنيث؛ لأنها في معنى الريح، والأولى التذكير دون التأنيث، وضرورة الشعر قد دلته على هذا التعسف .
وقوله: (لم يعفُ رسمُها) كان الأولى أن يقول: (لم يعفُ رسمُه) ؛ لأنه ذكر المنزل!)) انتهى من كتابه (إعجاز القرآن) .








التعليق