المقامة الحذائيّة
حدثنا عمرو بن هشام الحميريُّ قال: طوّحت بي طوائحُ الزمن إلى أرض (بغداد) في جلسةِ توديعٍ رئيسٍ محتلٍّ تلك البلاد، فقام الصحفيٌّ منتظر، وأتى بالفعل المنتَظَرْ، ورمى بنعله ذلك الرئيس، وقال: خذها أيها البئيس، فانزوى عنها خجلاً، وعاد منها وجلاً، فأتبعها بنعلِه الثانية، فاحتوتها يدُ بعضِ الزبانية، عافت رأسَ الحقير، وضربت راية الجماءِ الغفير، فكانت حكاية العالَم، وعلماً على كلِّ ظالم، ومسرحاً للأدباءِ والشعراء، وفرصة لبيان فوائدِ الحذاء، وبينا أنا خارجٌ من بغداد، وجدتُ خطيباً ورائداً من الرواد، فإذا به يخطبُ الناسَ ويقول، لقد رُمي بالحذاء وما عليه؟ فإن شبيهَ الشيءِ منجذبٌ إليه، بل إن في الحذاء فوائدَ عديدة، فخذوا هذه المفيدة:
بل إن نعلَ الشخصِ فيه منافعٌ *** يحميه من شوكٍ ومن أدرانِ
لكنهم لا نفعَ فيهم يُرتجى *** داسوا كرامتهم بكلِّ مكان
أيها الناس: إن إذلالَ الكفار في الدين مطلوب، بل هو أمرٌ محبوب، ثم تلا: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) [التوبة:29] ثم قال: والرمي بالحذاءِ من الصغَار لو كنتم تعلمون، وقد قال الفقهاء: إن الكفارَ يمتهنون عند أخذ الجزية ويطال قيامهم، وتجر أيديهم عند أخذها، ولا يقبل منهم إرسالها، بل يحضر الذمي بنفسه بها، ويؤديها وهو قائم والآخذ جالس، فهذا مما يُخرَّجُ على قولهم ففيه فنافس، ثم أنشأ مرة أخرى قائلاً:
سهم الحذاء يناله الأوباشُ *** ما ينفعُ التخديرُ والإنعاشُ
وإذا بدا السكّينُ في لمعانِهِ *** ماتت لديه من الذهولِ كباشُ
ما كنتُ قبل اليوم أعلمُ موقناً*** أن الحذاءَ لغادرٍ رشّاشُ
خجلت مدافعنا وأصبح صوتها *** وجلاً فنابت فردة ونقاشُ
لما نبذت الخوفَ من زمر العِدا *** صار الذي يفديكمُ الإيحاشُ
لا لن نهابَ الموتَ قط لعلمنا *** أن المماتَ لمن ينامُ فراشُ
أصبحتَ في أمثالِنا أسطورةً *** لا يستطيع بيانها النقاشُ
أضحيت في رِجْل المعادي شوكةً *** لا يدّعي إخراجَها النقّاشُ
إن الحذاء له فوائدُ جمةٌ *** منها: صنيعُك والعطا الهشهاشُ
لكنّ ما قدمته بشجاعةٍ *** ما كان يُعرَفُ قبلُ فهو عَمَاشُ
بعض الفعالِ تنوبُ عن أقوالِنا *** فدع الذين إذا برزنا باشوا
وإذا رأوا أهل الفضائل أقبلوا *** صاروا ظلاماً عندهم فانحاشوا
لله درك كم غدوتَ مؤثراً *** هذا الحراشُ وما سواه حراشُ
لله درك بالخراش وسمته *** هذا الخراش وما سواه خراش
ونبشت عما يستقلُّ بخزيِهِ *** لله درك أيها النبّاشُ
هذا الحذاءُ على الرئيسِ مُرأَّسٌ *** وعلى الذين بذله قد عاشوا
وعلى المنافق سيلُ خزيٍ ماؤه *** للردع عن سبل الأذى جيّاشُ
صعد الحذاءُ ينوبُ عن علَمِ الشقا *** فهوى السلاحُ ورمحُ (عبسٍ) راشُ
الله أكبرُ صار نصراً بيِّناً *** أردى الذين على المصالح راشوا
الله أكبرُ ما سمعنا صارخاً: *** "سهمُ الحذاءِ يناله الأوباشُ"
ثم قال: قال الأستاذ علي العيسى، كلاماً نفيساً، ثم أنشأ:
أيقظتَ شعباً مثخناً *** حتى حذاؤك قد هدر
منعوك من حمل السلا *** حِ فناب نعلُك وانتصرْ
نعلٌ علا رأس الرئيــ *** سِ الكاذبِ الشرِّ الأشِرْ
هذا ختامُ رئاسةٍ *** جمعتْ أصانيفَ البطرْ
أحسنتَ في توديعِه *** بحذاءِ رمزٍ معتبرْ
لحق الحذاءَ رديفُهُ *** في نخوةٍ تقفو الأثرْ
عافت نعالُك رأسَهُ *** حطّتْ برايةِ من غدرْ
مستفعلن مستفعلن *** الشرُّ يصرعُهُ الأبرْ ثم ختم أرقى الخطب، قائلاً: (إنك لا تجني من الشوكِ العنب) .
فاجتمع عليه الناسُ شاكرين ومقدرين، فقد جلى لهم حلية الأرذلين .
قال عمرو بن هشام: فتبعته لأعرفَه عن كثب، فمثله من خطب، وشكره قد وجب، فلما رفع اللثام، وأخذ بالزمام، إذا هو شيخنا قنبسُ بن أبي العنبس، فقلتُ: أحسنتَ أيها الشيخ الجليل، كم ألغيتَ من عميل، وهديتَ إلى السبيل، ثم افترقنا .
حدثنا عمرو بن هشام الحميريُّ قال: طوّحت بي طوائحُ الزمن إلى أرض (بغداد) في جلسةِ توديعٍ رئيسٍ محتلٍّ تلك البلاد، فقام الصحفيٌّ منتظر، وأتى بالفعل المنتَظَرْ، ورمى بنعله ذلك الرئيس، وقال: خذها أيها البئيس، فانزوى عنها خجلاً، وعاد منها وجلاً، فأتبعها بنعلِه الثانية، فاحتوتها يدُ بعضِ الزبانية، عافت رأسَ الحقير، وضربت راية الجماءِ الغفير، فكانت حكاية العالَم، وعلماً على كلِّ ظالم، ومسرحاً للأدباءِ والشعراء، وفرصة لبيان فوائدِ الحذاء، وبينا أنا خارجٌ من بغداد، وجدتُ خطيباً ورائداً من الرواد، فإذا به يخطبُ الناسَ ويقول، لقد رُمي بالحذاء وما عليه؟ فإن شبيهَ الشيءِ منجذبٌ إليه، بل إن في الحذاء فوائدَ عديدة، فخذوا هذه المفيدة:
بل إن نعلَ الشخصِ فيه منافعٌ *** يحميه من شوكٍ ومن أدرانِ
لكنهم لا نفعَ فيهم يُرتجى *** داسوا كرامتهم بكلِّ مكان
أيها الناس: إن إذلالَ الكفار في الدين مطلوب، بل هو أمرٌ محبوب، ثم تلا: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) [التوبة:29] ثم قال: والرمي بالحذاءِ من الصغَار لو كنتم تعلمون، وقد قال الفقهاء: إن الكفارَ يمتهنون عند أخذ الجزية ويطال قيامهم، وتجر أيديهم عند أخذها، ولا يقبل منهم إرسالها، بل يحضر الذمي بنفسه بها، ويؤديها وهو قائم والآخذ جالس، فهذا مما يُخرَّجُ على قولهم ففيه فنافس، ثم أنشأ مرة أخرى قائلاً:
سهم الحذاء يناله الأوباشُ *** ما ينفعُ التخديرُ والإنعاشُ
وإذا بدا السكّينُ في لمعانِهِ *** ماتت لديه من الذهولِ كباشُ
ما كنتُ قبل اليوم أعلمُ موقناً*** أن الحذاءَ لغادرٍ رشّاشُ
خجلت مدافعنا وأصبح صوتها *** وجلاً فنابت فردة ونقاشُ
لما نبذت الخوفَ من زمر العِدا *** صار الذي يفديكمُ الإيحاشُ
لا لن نهابَ الموتَ قط لعلمنا *** أن المماتَ لمن ينامُ فراشُ
أصبحتَ في أمثالِنا أسطورةً *** لا يستطيع بيانها النقاشُ
أضحيت في رِجْل المعادي شوكةً *** لا يدّعي إخراجَها النقّاشُ
إن الحذاء له فوائدُ جمةٌ *** منها: صنيعُك والعطا الهشهاشُ
لكنّ ما قدمته بشجاعةٍ *** ما كان يُعرَفُ قبلُ فهو عَمَاشُ
بعض الفعالِ تنوبُ عن أقوالِنا *** فدع الذين إذا برزنا باشوا
وإذا رأوا أهل الفضائل أقبلوا *** صاروا ظلاماً عندهم فانحاشوا
لله درك كم غدوتَ مؤثراً *** هذا الحراشُ وما سواه حراشُ
لله درك بالخراش وسمته *** هذا الخراش وما سواه خراش
ونبشت عما يستقلُّ بخزيِهِ *** لله درك أيها النبّاشُ
هذا الحذاءُ على الرئيسِ مُرأَّسٌ *** وعلى الذين بذله قد عاشوا
وعلى المنافق سيلُ خزيٍ ماؤه *** للردع عن سبل الأذى جيّاشُ
صعد الحذاءُ ينوبُ عن علَمِ الشقا *** فهوى السلاحُ ورمحُ (عبسٍ) راشُ
الله أكبرُ صار نصراً بيِّناً *** أردى الذين على المصالح راشوا
الله أكبرُ ما سمعنا صارخاً: *** "سهمُ الحذاءِ يناله الأوباشُ"
ثم قال: قال الأستاذ علي العيسى، كلاماً نفيساً، ثم أنشأ:
أيقظتَ شعباً مثخناً *** حتى حذاؤك قد هدر
منعوك من حمل السلا *** حِ فناب نعلُك وانتصرْ
نعلٌ علا رأس الرئيــ *** سِ الكاذبِ الشرِّ الأشِرْ
هذا ختامُ رئاسةٍ *** جمعتْ أصانيفَ البطرْ
أحسنتَ في توديعِه *** بحذاءِ رمزٍ معتبرْ
لحق الحذاءَ رديفُهُ *** في نخوةٍ تقفو الأثرْ
عافت نعالُك رأسَهُ *** حطّتْ برايةِ من غدرْ
مستفعلن مستفعلن *** الشرُّ يصرعُهُ الأبرْ ثم ختم أرقى الخطب، قائلاً: (إنك لا تجني من الشوكِ العنب) .
فاجتمع عليه الناسُ شاكرين ومقدرين، فقد جلى لهم حلية الأرذلين .
قال عمرو بن هشام: فتبعته لأعرفَه عن كثب، فمثله من خطب، وشكره قد وجب، فلما رفع اللثام، وأخذ بالزمام، إذا هو شيخنا قنبسُ بن أبي العنبس، فقلتُ: أحسنتَ أيها الشيخ الجليل، كم ألغيتَ من عميل، وهديتَ إلى السبيل، ثم افترقنا .





التعليق