المقامة الحديثيّة
حدثنا عمرو بنُ هشام الحميريُّ قال: حدثني الشيخُ أبوعـبيدة الشوكاني إجازة عن أبيه عن جده،
عمن حدثه بإسناده إلى الحافظِ (الرامهرمزيِّ) نسيجِ وحدِه، وذكرَ كلاماً حسناً في وصفِ أهل الحديث والسنن،
أخذ من كل غـصنٍ الفنَن، فطارَ قلبي حباً لأهل اليمن؛ إذ جعـلهم مصدرَ الإيمان والحكمةِ في كل زمن،
وبينما نحنُ في مجلس التحديث، إذ أقبلَ رجلٌ يسيرُ سيرَ الحثيث،
ووقفَ خطيباً في الناس، متوكئاً على عصا ذاتِ أقواس، وقال:
" اللهَ اللهَ بالحديثِ ورواتِه، والإسنادِ وثـقاتِه، فهم الحفاظ النقاد، صيارفة المتن والإسناد،
فقد وكّلَ اللهُ بالآثارِ المفسّرةِ للقرآن، والسنن القويّةِ الأركان،
عصابة منتخبة، وفقهم لطِلابِها وكتابتِها، وقوّاهم على رعايتِها وحراستِها،
وحبّبَ إليهم قراءتها ودراستها، وهـوّنَ عليهم الدأبَ والكِلال، والحل والترحال،
وبذلَ النفس مع الأموال، وركوبَ المخوفِ من الأهـوال، فهم يرحلون من بلادٍ إلى بلاد،
خائضين في العلم كل واد، شعثَ الرؤوس، خلقان الثياب،
خمص البطون، ذبل الشفاه، شحب الألوان، نحل الأبدان، قد جعلوا لهم هماً واحدا،
ورضوا بالعلمِ دليلاً ورائدا، لا يقطعهم عنه جوعٌ ولا ظمأ، ولا يملهم منه صيفٌ ولا شتاء،
مائزين الأثر: (صحيحه) من سقيمه، وقويه من (ضعـيفه)، بألبابٍ حازمة، وآراءٍ ثاقبة،
وقلوب للحق واعية، فأمنت تمويه المموهين، واختراعَ الملحدين، وافتراء الكاذبين،
فلو رأيتهم في ليلِهم وقد انتصبوا لنسخِ ما سمعـوا، وتصحيح ما جمعـوا،
هاجرين الفرش الوطي، والمضجعَ الشهي، قد غـشيهم النعـاسُ فأنامهم،
وتساقطتْ من أكفهم أقلامُهم، فانتبهوا مذعـورين، قد أوجعَ الكدُّ أصلابَهم،
وتيّهَ السهرُ ألبابَهم، فتمطوا ليريحوا الأبدان، وتحولوا ليفقدوا النومَ من مكان إلى مكان،
ودلكوا بأيديهم عيونَهم ثم عادوا للكتابةِ حرصاً عليها، وميلاً بأهوائِهم إليها،
لعـلمتَ أنهم حرسُ الإسلام، وخُزّانُ الملك العلام، فإذا قضوا من بعض ما راموا أوطارهم،
انصرفوا قاصدين ديارهم، فلزموا المساجد،
وعمروا المشاهد، لابسين ثوبَ الخضوع، مسالمين ومُسلّمين، يمشون على الأرض هوناً،
لا يؤذون جارا، ولا يقارفون عاراً، حتى إذا زاغ زائغ، أو مرق من الدين مارق،
خرجوا خروجَ الأسْدِ من الآجام، يناضلون عن معالمِ الإسلام، والسلام"
قال عـمرو بنُ هشام: فقلتُ في نفسي: من هذا (المحدّث الفاصل)، والخطيبُ الفاضل،
ما تلعـثم في الحديث، وذلك (فتحُ المغـيث)، ساقَ (علومَ الحديث)،
فجلى لنا حالَ (النخبة) الأخيار، وما لهم من العنايةِ بالآثار،
وحرصَ على (التقريبِ) و(التدريبِ) في معـرضِ بيانٍ يُسمع الصم، ولسانُ حالِهِ هـذه (التذكرة) تعـم،
فاعرفوا بها الحديثَ النبوي، ولم يكتفِ بها بل أوردنا (المنهلَ الروي)،
تجنبَ (العـللَ) وسهّلَ (الاصطلاح)، ونفعَ الناسَ فهو (ابنُ الصلاح)،
وصاحبُ الفلاح، ولعـمري لقد صدق القائل:
عمن حدثه بإسناده إلى الحافظِ (الرامهرمزيِّ) نسيجِ وحدِه، وذكرَ كلاماً حسناً في وصفِ أهل الحديث والسنن،
أخذ من كل غـصنٍ الفنَن، فطارَ قلبي حباً لأهل اليمن؛ إذ جعـلهم مصدرَ الإيمان والحكمةِ في كل زمن،
وبينما نحنُ في مجلس التحديث، إذ أقبلَ رجلٌ يسيرُ سيرَ الحثيث،
ووقفَ خطيباً في الناس، متوكئاً على عصا ذاتِ أقواس، وقال:
" اللهَ اللهَ بالحديثِ ورواتِه، والإسنادِ وثـقاتِه، فهم الحفاظ النقاد، صيارفة المتن والإسناد،
فقد وكّلَ اللهُ بالآثارِ المفسّرةِ للقرآن، والسنن القويّةِ الأركان،
عصابة منتخبة، وفقهم لطِلابِها وكتابتِها، وقوّاهم على رعايتِها وحراستِها،
وحبّبَ إليهم قراءتها ودراستها، وهـوّنَ عليهم الدأبَ والكِلال، والحل والترحال،
وبذلَ النفس مع الأموال، وركوبَ المخوفِ من الأهـوال، فهم يرحلون من بلادٍ إلى بلاد،
خائضين في العلم كل واد، شعثَ الرؤوس، خلقان الثياب،
خمص البطون، ذبل الشفاه، شحب الألوان، نحل الأبدان، قد جعلوا لهم هماً واحدا،
ورضوا بالعلمِ دليلاً ورائدا، لا يقطعهم عنه جوعٌ ولا ظمأ، ولا يملهم منه صيفٌ ولا شتاء،
مائزين الأثر: (صحيحه) من سقيمه، وقويه من (ضعـيفه)، بألبابٍ حازمة، وآراءٍ ثاقبة،
وقلوب للحق واعية، فأمنت تمويه المموهين، واختراعَ الملحدين، وافتراء الكاذبين،
فلو رأيتهم في ليلِهم وقد انتصبوا لنسخِ ما سمعـوا، وتصحيح ما جمعـوا،
هاجرين الفرش الوطي، والمضجعَ الشهي، قد غـشيهم النعـاسُ فأنامهم،
وتساقطتْ من أكفهم أقلامُهم، فانتبهوا مذعـورين، قد أوجعَ الكدُّ أصلابَهم،
وتيّهَ السهرُ ألبابَهم، فتمطوا ليريحوا الأبدان، وتحولوا ليفقدوا النومَ من مكان إلى مكان،
ودلكوا بأيديهم عيونَهم ثم عادوا للكتابةِ حرصاً عليها، وميلاً بأهوائِهم إليها،
لعـلمتَ أنهم حرسُ الإسلام، وخُزّانُ الملك العلام، فإذا قضوا من بعض ما راموا أوطارهم،
انصرفوا قاصدين ديارهم، فلزموا المساجد،
وعمروا المشاهد، لابسين ثوبَ الخضوع، مسالمين ومُسلّمين، يمشون على الأرض هوناً،
لا يؤذون جارا، ولا يقارفون عاراً، حتى إذا زاغ زائغ، أو مرق من الدين مارق،
خرجوا خروجَ الأسْدِ من الآجام، يناضلون عن معالمِ الإسلام، والسلام"
قال عـمرو بنُ هشام: فقلتُ في نفسي: من هذا (المحدّث الفاصل)، والخطيبُ الفاضل،
ما تلعـثم في الحديث، وذلك (فتحُ المغـيث)، ساقَ (علومَ الحديث)،
فجلى لنا حالَ (النخبة) الأخيار، وما لهم من العنايةِ بالآثار،
وحرصَ على (التقريبِ) و(التدريبِ) في معـرضِ بيانٍ يُسمع الصم، ولسانُ حالِهِ هـذه (التذكرة) تعـم،
فاعرفوا بها الحديثَ النبوي، ولم يكتفِ بها بل أوردنا (المنهلَ الروي)،
تجنبَ (العـللَ) وسهّلَ (الاصطلاح)، ونفعَ الناسَ فهو (ابنُ الصلاح)،
وصاحبُ الفلاح، ولعـمري لقد صدق القائل:
أهل الحديثِ همُ أهل النبي وإن *** لم يصحبوا نفسه أنفاسه صحبوا
قلتُ له: يا ابنَ هشام، الخيرُ لا يزالُ في حفاظِ الإسلام، واسمع قول الآخر:
إني إذا احتوشتني ألف محبرةٍ *** يكتبن (حدثني) طوراً و(أخبرني)
نادت بحضرتي الأقلامُ معلنةً: *** (تلك المكارمُ لا قعبان من لبــــن) .
نادت بحضرتي الأقلامُ معلنةً: *** (تلك المكارمُ لا قعبان من لبــــن) .
ثم أفاضَ في الحديثِ فلم يدعْ لقائلٍ مقالا، ولا لطالبٍ مجالا، فانهالتْ عليهِ الدراهمُ حتى حيّرتـْه،
وأذعـنتْ له العـوالمُ حتى ملّكتـْه، فلما مضينا للسلامِ عليه في المجلس، إذا به الشيخُ قنبسُ ابن أبي العـنبس،
فغـضبَ عليهِ الحميريُّ واقعـنسس، وقال: والله ما تستحق سوى (صحيفةِ المتلمّس) ثم افترقنا .
وأذعـنتْ له العـوالمُ حتى ملّكتـْه، فلما مضينا للسلامِ عليه في المجلس، إذا به الشيخُ قنبسُ ابن أبي العـنبس،
فغـضبَ عليهِ الحميريُّ واقعـنسس، وقال: والله ما تستحق سوى (صحيفةِ المتلمّس) ثم افترقنا .










التعليق