المقامة المحمّدية
حدثنا عمرو بنُ هشامٍ الحميريُّ قال: شاقني الوصفُ المحكي، للنِّجارُ التركي، فلبستـُه وانصرفتُ إلى (جامعِ الإمام تركي) فلما مثـُلتُ هناك، انبرى شخصٌ و(أرسلها العِراك)، قلتُ: ما قال يا ابنَ هشام؟ فقال: عطّرَ والله المشام، بوصفِ نبيِّنا (محمدٍ) سيِّدِ الأنام، عليه الصلاة والسلام، ما لاحَ طيرٌ في القـُرى، أو تناولَ أهلُها القِرى، فانظر ماذا ترى؟ لما انبرى، قال: (بأبي وأمي خيرُ من وطىءَ الثرى) فكان (كلُّ الصيدِ في جوفِ الفِرا)، قلتُ: أطنِب وأوجز، وبيِّنِ المعجز، فقال: كان مما أنشأ به ووشّى: " وأشهدُ أن محمداً عبدُ الله ورسوله الشافعُ المشفـّعُ في المحشر، نبيٌّ ما طلعتِ الشمسُ على أجملَ منه وجهاً ولا أنور، نبيٌّ غفرَ الله له ما تقدّمَ من ذنبِهِ وما تأخر، ومع ذلك قام على قدمِهِ الشّريفِ حتى تفطّر، وجاهدَ في الله حق جهادهِ فما توانى ولا تأخر، نبيٌّ أُعطيَ سيادةَ بني آدمَ الأسود والأحمر، نبيٌّ رجفتْ لهيبتِه قلوبُ الجبابرةِ؛ حتى أمِرَ أمرُهُ وإنه ليخافهُ ملكُ بني الأصفر، صلى الله عليه وسلّم ما صلّى مصلٍّ واستغفر، خيرُ من وطىءَ الثرى، ولبسَ المغفر، ومن نال منه ـ عليه الصلاة والسلامُ ـ فإن السيفَ قاطعُه وهو الأبتر، ودمُه النجسُ عكّرَ (وادي تعشر) " ثم قال: "الله أكبر، سقطتْ دولةُ الكفرِ بمن تجبّر، وأقبلَ النصرُ المظفـّر، ودُكّت حصونُ الإلحادِ بمن تدثـّر، كيف لا؟ وهذا خاتم الأنبياء والمرسلين، وأفضل الخلق أجمعـين، وحبيب رب العـالمين، فالذل والصغـار والهوان، على من أراد النيل من شخصه من باعـة الأبقار والأجبان، عليه صلاة الله وسلامُه ما كرّ الجديدان، واختلف الملوان، ثم أنشأ:
يا باعـةَ الأبقار والأجبانِ خِبتُم وخاب قصيُّكم والداني
والله ما ازددتم بهذا رفعـةً بل أنتمُ كالنعلِ في الأعطانِ
بل إن نعـل الشخص فيه منافعٌ يحميهِ من شوكٍ ومن أدرانِ
لكنكم لا نفعَ فيكم حاصلٌ دستُم كرامتَكم بكلِّ مكانِ
رمتم بسبِّ نبينا فخراً لكم؟ من ذا يسبُّ الصادقَ العدناني؟
صلى عـليه الله أعـداد الورى وعليهِ تسليمٌ من الرحمنِ
ثم انصرفَ يدعو عليهم ساعة، ويتنقّلُ في أنواعِ الطاعة حتى قال:
والله إن اللهَ ناصرُ دينِه وكتابِهِ ورسولِه بأمانِ
فالحصنُ يُفتَحُ حين سبِّ نبينا وسلوا الإمامَ العالمَ (الحرّاني)
والسيفُ مسلولٌ على من نال من عِرضِ الرسولِ على مدى الأزمانِ
ناهلاً في ذلك من عذْبِ شيخِ الإسلامِ ابنِ تيميّة، في كتابِهِ (الصارمِ) الذي طوى كلَّ مزيّة، ثم قال متهكّماً، تاركاً بضاعةَ أهل العمى:
يا باعـةَ الأبقار من ذا يشتري منكم وأنتم قائلوا البهتانِ؟!
أجبانُكم مردودةٌ لجبانكم وحليبُكم لحبيبِكم ذا الجاني
بيعوا على رسامكم من عامكم هذا مع التخفيضِ في الأثمانِ
ولتنشروا للمنتجاتِ دعـايةً عبرَ الصحيفةِ قبلَها بثمانِ
ثم بيّن فعلَهم المشين، الذي أضحى في القبحِ آيةً للمتوسّمين:
رسموا لنا أطفالَهم فوقَ الحميـ ــيرِ وباعةِ الأبقارِ والثّيرانِ
وعـلى الحمير دُمىً لهم لعبوا بها وتوارثوها إرثَ ذي سُهمانِ
وأتوا وقالوا: فانظروا لنبيـكم هذا يُفجّرُ وهو ذو عُدوانِ !
ثم استمرّ داعياً عليهم بالطردِ والإبعاد، من رحمةِ ربِّ العباد فقال:
لُعـنوا فما عـرفوا النبيَّ حقيقةً أخلاقُه كانت من القرآنِ
وهو الذي لم ينتصرْ لشؤونه إلا لرفعِ البغيِ والعصيانِ
وهو الحليمُ، عـفا وأصلح صابراً للظلمِ والتعذيبِ والهجرانِ
ألقوا عـليه سلا الجزورِ، وجارُه يُؤذيهِ بالأوساخِ كلَّ أوانِ
يلقي القمامةَ حولَه، فيعـوده لما شكى الأمراضَ في إذعانِ
وتقول يا هذا الخبيث: نبيُّنا قد قامَ بالتفجيرِ في الأوطانِ!؟
يا أيها الرسّام خبتَ وشُلّتِ الـ أيدي، فأنتَ تبوءُ بالخسرانِ
أوقعـتَ قومَك في الهلاك وجئتنا منهم بضُحكةِ جاهلٍ مجّانِ
تبت يداك وعـشتَ غـير مكرمٍ يا مجمعَ الأحقادِ والأضغانِ
ثم ختمَ تلك الأبياتِ التي أخجلتِ الكواكبَ بروعتِها، وزانتِ المعاهدَ بجودتِها، وفاقتِ الأدباءَ بقوّتِها، ووقفَ بليغُ الدهرِ أمامها حيرانَ من سلاستِها وعذوبتِها:
بأبي وأمي خير من وطئ الثرى نفديهِ بالأموالِ والأبدانِ
ولسوفَ نحرق في (الرياض) بضائعاً ونعيدُها لكمُ مع النيرانِ
والنعـل أفضل منكمُ في أرضكم يا باعةَ الأبقارِ والأجبانِ
قال ابنُ هشام: ثم ختمَ حديثـَه واخترق الصفوفَ ومضى، فقلتُ: وهل كان عنكم معرضا؟ قال: نعم حتى تبعتـُه فقلتُ: رويدك يا موقظَ المجلس، فنظرَ إليّ فإذا هو (قنبسُ بن أبي العنبس) فسلّمتُ عليه ودعوتُ له ومضيت، وليتني فعلتُ فعلَه فارتقيت، ولكن لا تنفعُ ليت .
حدثنا عمرو بنُ هشامٍ الحميريُّ قال: شاقني الوصفُ المحكي، للنِّجارُ التركي، فلبستـُه وانصرفتُ إلى (جامعِ الإمام تركي) فلما مثـُلتُ هناك، انبرى شخصٌ و(أرسلها العِراك)، قلتُ: ما قال يا ابنَ هشام؟ فقال: عطّرَ والله المشام، بوصفِ نبيِّنا (محمدٍ) سيِّدِ الأنام، عليه الصلاة والسلام، ما لاحَ طيرٌ في القـُرى، أو تناولَ أهلُها القِرى، فانظر ماذا ترى؟ لما انبرى، قال: (بأبي وأمي خيرُ من وطىءَ الثرى) فكان (كلُّ الصيدِ في جوفِ الفِرا)، قلتُ: أطنِب وأوجز، وبيِّنِ المعجز، فقال: كان مما أنشأ به ووشّى: " وأشهدُ أن محمداً عبدُ الله ورسوله الشافعُ المشفـّعُ في المحشر، نبيٌّ ما طلعتِ الشمسُ على أجملَ منه وجهاً ولا أنور، نبيٌّ غفرَ الله له ما تقدّمَ من ذنبِهِ وما تأخر، ومع ذلك قام على قدمِهِ الشّريفِ حتى تفطّر، وجاهدَ في الله حق جهادهِ فما توانى ولا تأخر، نبيٌّ أُعطيَ سيادةَ بني آدمَ الأسود والأحمر، نبيٌّ رجفتْ لهيبتِه قلوبُ الجبابرةِ؛ حتى أمِرَ أمرُهُ وإنه ليخافهُ ملكُ بني الأصفر، صلى الله عليه وسلّم ما صلّى مصلٍّ واستغفر، خيرُ من وطىءَ الثرى، ولبسَ المغفر، ومن نال منه ـ عليه الصلاة والسلامُ ـ فإن السيفَ قاطعُه وهو الأبتر، ودمُه النجسُ عكّرَ (وادي تعشر) " ثم قال: "الله أكبر، سقطتْ دولةُ الكفرِ بمن تجبّر، وأقبلَ النصرُ المظفـّر، ودُكّت حصونُ الإلحادِ بمن تدثـّر، كيف لا؟ وهذا خاتم الأنبياء والمرسلين، وأفضل الخلق أجمعـين، وحبيب رب العـالمين، فالذل والصغـار والهوان، على من أراد النيل من شخصه من باعـة الأبقار والأجبان، عليه صلاة الله وسلامُه ما كرّ الجديدان، واختلف الملوان، ثم أنشأ:
يا باعـةَ الأبقار والأجبانِ خِبتُم وخاب قصيُّكم والداني
والله ما ازددتم بهذا رفعـةً بل أنتمُ كالنعلِ في الأعطانِ
بل إن نعـل الشخص فيه منافعٌ يحميهِ من شوكٍ ومن أدرانِ
لكنكم لا نفعَ فيكم حاصلٌ دستُم كرامتَكم بكلِّ مكانِ
رمتم بسبِّ نبينا فخراً لكم؟ من ذا يسبُّ الصادقَ العدناني؟
صلى عـليه الله أعـداد الورى وعليهِ تسليمٌ من الرحمنِ
ثم انصرفَ يدعو عليهم ساعة، ويتنقّلُ في أنواعِ الطاعة حتى قال:
والله إن اللهَ ناصرُ دينِه وكتابِهِ ورسولِه بأمانِ
فالحصنُ يُفتَحُ حين سبِّ نبينا وسلوا الإمامَ العالمَ (الحرّاني)
والسيفُ مسلولٌ على من نال من عِرضِ الرسولِ على مدى الأزمانِ
ناهلاً في ذلك من عذْبِ شيخِ الإسلامِ ابنِ تيميّة، في كتابِهِ (الصارمِ) الذي طوى كلَّ مزيّة، ثم قال متهكّماً، تاركاً بضاعةَ أهل العمى:
يا باعـةَ الأبقار من ذا يشتري منكم وأنتم قائلوا البهتانِ؟!
أجبانُكم مردودةٌ لجبانكم وحليبُكم لحبيبِكم ذا الجاني
بيعوا على رسامكم من عامكم هذا مع التخفيضِ في الأثمانِ
ولتنشروا للمنتجاتِ دعـايةً عبرَ الصحيفةِ قبلَها بثمانِ
ثم بيّن فعلَهم المشين، الذي أضحى في القبحِ آيةً للمتوسّمين:
رسموا لنا أطفالَهم فوقَ الحميـ ــيرِ وباعةِ الأبقارِ والثّيرانِ
وعـلى الحمير دُمىً لهم لعبوا بها وتوارثوها إرثَ ذي سُهمانِ
وأتوا وقالوا: فانظروا لنبيـكم هذا يُفجّرُ وهو ذو عُدوانِ !
ثم استمرّ داعياً عليهم بالطردِ والإبعاد، من رحمةِ ربِّ العباد فقال:
لُعـنوا فما عـرفوا النبيَّ حقيقةً أخلاقُه كانت من القرآنِ
وهو الذي لم ينتصرْ لشؤونه إلا لرفعِ البغيِ والعصيانِ
وهو الحليمُ، عـفا وأصلح صابراً للظلمِ والتعذيبِ والهجرانِ
ألقوا عـليه سلا الجزورِ، وجارُه يُؤذيهِ بالأوساخِ كلَّ أوانِ
يلقي القمامةَ حولَه، فيعـوده لما شكى الأمراضَ في إذعانِ
وتقول يا هذا الخبيث: نبيُّنا قد قامَ بالتفجيرِ في الأوطانِ!؟
يا أيها الرسّام خبتَ وشُلّتِ الـ أيدي، فأنتَ تبوءُ بالخسرانِ
أوقعـتَ قومَك في الهلاك وجئتنا منهم بضُحكةِ جاهلٍ مجّانِ
تبت يداك وعـشتَ غـير مكرمٍ يا مجمعَ الأحقادِ والأضغانِ
ثم ختمَ تلك الأبياتِ التي أخجلتِ الكواكبَ بروعتِها، وزانتِ المعاهدَ بجودتِها، وفاقتِ الأدباءَ بقوّتِها، ووقفَ بليغُ الدهرِ أمامها حيرانَ من سلاستِها وعذوبتِها:
بأبي وأمي خير من وطئ الثرى نفديهِ بالأموالِ والأبدانِ
ولسوفَ نحرق في (الرياض) بضائعاً ونعيدُها لكمُ مع النيرانِ
والنعـل أفضل منكمُ في أرضكم يا باعةَ الأبقارِ والأجبانِ
قال ابنُ هشام: ثم ختمَ حديثـَه واخترق الصفوفَ ومضى، فقلتُ: وهل كان عنكم معرضا؟ قال: نعم حتى تبعتـُه فقلتُ: رويدك يا موقظَ المجلس، فنظرَ إليّ فإذا هو (قنبسُ بن أبي العنبس) فسلّمتُ عليه ودعوتُ له ومضيت، وليتني فعلتُ فعلَه فارتقيت، ولكن لا تنفعُ ليت .





التعليق