شجاعة اللغة العـربية
جُبران بن سلمان سحّاري
عـرفت العـربيةُ أساليب متنوعةً للتعـبير تدل على شجاعتها وذلك
كإطلاق المفرد وإرادة الجمع به، كما يقول الشاعـر:
* إن العـواذل لسن لي بأميرِ* أي: أُمراء .
وعـكسه: وهو إطلاق الجمع وإرادة المفرد وذلك كقوله تعالى: [أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله] قال المفسرون: المراد بالناس هنا: النبي محمد صلى الله عليه وسلم .
وكذلك قوله تعالى: [الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم] فإن المراد بالناس الأولى رجل واحد هو: نعيم بن مسعود الأشجعي والناس الثانية عكسها: أبو سفيان وأصحابه .
وهذا ما يسميه الأصوليون: (ذكر العام وإرادة الخاص) .
وإطلاق السبب عـلى المسبب، كقول الشاعـر:
ذر الآكلين الماء ظُلماً فما أرى ينالون خيراً بعـد أكلهم الماءَ
يريد قوماً كانوا يبيعـون الماء فيشترون بثمنه ما يأكلونه، فاكتفى بذكر الماء الذي هو سبب المأكول من ذكر المأكول وكما تقول:عـندي بردٌ أي: مرضٌ بسبب البرد .
ويقول الله: [ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل] أي: ثمراتُ أموالكم .
[وتأكلون التراث أكلاً لماً] ومن تلك الأساليب ما يُعـرف بالقلب وهو تقديم ما يوضحه التأخير، وتأخير ما يوضحه التقديم، كقوله تعـالى: [ فلا تحسبنَّ الله مخلف وعده رسله] أي: مخلف رسله وعده ، ومنها الالتفات: أن يخاطب الشاهد بشيءٍ ثم يجعـل الخطاب له عـلى لفظ الغـائب كقوله تعـالى: [ حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريحٍ طيبةٍ وفرحوا بها جاءتها ريحٌ عـاصفٌ وجاءهم الموج من كل مكانٍ وظنوا أنهم أُحيط بهم] وغـيرها من أساليب العـرب كثيرٌ يوفق إليها الأديبُ ـ شاعـراً أو ناثراً ـ أو لا يوفق، ولكن هيهات أن ترد عـليها اعـتراضاتٌ في القرآن العـظيم ، ذلك أن هذه الأساليب في القرآن ليست تطبيقاً لقاعـدةٍ جافةٍ ، فالآيةُ السالفةُ من سورة يونسَ تدلنا عـلى بعـض الأدب القرآني في مخاطبة الناس، فهؤلاء الناس في الآية ليسوا مشركين، وإنما هم أناسٌ تغـلب عـليهم الغـفلةُ عن ذكر الله، فلا بد لهم من حادثةٍ تعـيد إليهم صوابهم وتذكرهم بقدرة الله، فاقتضت حكمةُ الله ـ ودينُه الغـالب عـليه التبشير لا النذيرـ أن يوجه إليهم خطاباً فيه تخويفٌ ، ولهذا كان التوجيهُ الإلهي صداه ـ فيما نرى ـ في نفوسهم فلم يركبوا رؤوسهم وإنما [دعـوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكوننَّ من الشاكرين] وفي الآية الكريمة [ وما آتيتُم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عـند الله وما آتيتُم من زكاةٍ تريدون وجه الله فأولئك هم المضعـفون] نرى أن الخطاب تحول من ضمير المخاطب إلى ضمير الغـائب ، وهو موجّهٌ إلى الذين يعـطون مالهم ليزيد في أموال الناس عـلى طريقة التسليف بفائدة وكأنه يقول لهم: اقتدوا بهؤلاء الذين يضاعـف الله أموالهم أضعافاً مضاعـفة .
وكذلك الشأن في الآية الكريمة [واعـلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعـكم في كثيرٍ من الأمر لعـنتُّم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعـصيان أولئك هم الراشدون] . ولعل من أظهر وجوه الإعجاز في القرآن الإيجاز في كثيرٍ من الآيات . والإيجاز قد يكون:
1) بحذف كلمةٍ أو جملة . 2) أو تضمين الألفاظ القليلة معاني كثيرة بدون حذف ويسمى " إيجاز القصر" .
فهذه هي اللغة العربية بجمالها وإيجازها وشجاعتها وقدرتها على التنوع في التعـبير ولذلك أنا أنصح كل من يقرأ مقالي هذا أن يحرص على التحدثِ بها ولا يفارقها قيد أنملة، وليكن حديثه بها حتى مع أهله وذويه وخاصته، وفي كل مكان ومع كل الناس فإن هذه هي الوسيلة الباقية لإحياء هذه اللغة أعني (التطبيق العملي) وعليه فلابد من نبذ هذه اللهجات العامية نبذ الحذاء المرقع؛ فإن أثرها على اللغة كبير وخطير والله الموفق .











التعليق