نقد قصيدة إيهاب توفيق اليماني
(هيا معي يا حبيبي) .
جبران سحّاري .
هذه قصيدة إيهاب توفيق اليماني؛ وقد زعم أنها غنائيّة، وهذا سببُ وجودِ الخلل في بعضِ أبياتِها؛ كما اعتذر هو، وهذا العذرُ لا يجدي؛ لأنها غزليّة، وقصائد الغزل التي سطرها من سبقه كلها غنائيّة، وهي مستقيمة راقية اللغة، وليس فيها ما يُبيِّنُ قصورَ كاتبِها، ومن ذلك: قصيدة ابن أبي مريم عدي بن الرقاع المشهورة (أراك طروب البال) وقصيدة الشاعر عمر بن أبي ربيعة (أنتِ منيتي) وقصيدةِ الشاعر اليماني موسى بن يحيى بهران (بدا كالبدر) وغيرها من القصائد، وإن كان فيها ما يُنتقدُ من جهةِ المضمون .
وأنا هنا سأكتبُ دراسة نقديّة حول قصيدة إيهاب الدالية (كلما جئتُ خلي) من جهة المبنى والمعنى أو من جهةِ (الشكل) و(المضمون) كما نعبِّرُ أحياناً .
فأقول: كتب إيهاب هذه القصيدة عام (1402هـ) وقد نُشِرتْ في جريدة (الفضول) الصادرة في (عدن) لصاحبها: عبد الله بن عبدِ الوهاب نعمان .
وقافيتها: دالية ساكنة، وهي من (المجتث): مستفعلن فاعلاتن ـ مستفعلن فاعلاتن .
ويناله الخبن في جميع أجزائه، وعدتها: تسعة أبيات .
يقول في مطلعِها:
بدأتُ بالله ربي وخالقِ البيضِ والسودْ .
قلتُ: وهذا مطلعٌ حسنٌ، واستفتاحٌ جميل، وفي عجزه: الطباق الجاري دون تكلف .
ولكن: في صدره: اختصارٌ مخلٌّ؛ إذ ما معنى: (بدأتُ بالله) وهو يقصد: بسم الله؟
فلو قال:
بدأتُ باسمك ربي يا خالقَ البيضِ والسود
لكان البيتُ لا غبار عليه .
ثم قال بعد هذا:
اغفر ذنوبَ المُعنَّى بحقِّ (طهَ) و(محمودْ) .
قلتُ: وصدرُ هذا البيت حسنٌ، وفيه دعاءٌ بمغفرةِ الذنوب لهذا المُعنَّى وهو: المعنيُّ بشدة الشوق، ولكن في عجز البيت: ذنبٌ جديدٌ، وخلل عقدي، وهو قوله: (بحق طه ومحمود) وذلك أنه لا يجوزُ التوسُّلُ إلى الله تعالى بحق النبيِّ صلى الله عليه وسلم ولا بجاهه، بل يجبُ دعاءُ الله وحده دون التوسلِ بجاه فلانٍ وغيره من الناس .
وهناك خللٌ في تركيبِ البيت من وجهين:
الأول: أنه سمَّى النبيَّ صلى الله عليه وسلم بـ(طه) وهذا ليس من أسمائه عليه الصلاة والسلام، وإنما هو من الحروفِ المقطعة في أوائلِ السور على قول أكثر المفسرين من السلفِ والخلف، ولم يصحَّ في تسميةِ النبيِّ محمد صلى الله عليه وسلم بهذا الاسم خبرٌ، وإن كان الشعراء يسمونه بهذا الاسم .
الثاني: أنه عطفَ على هذا الاسم: (محمود) وهذا أيضاً لم يثبت أنه من أسمائه عليه الصلاة والسلام، لكن ثبت أنه من أوصافه؛ "فإنه صلى الله عليه وسلم محمودٌ عند الله، ومحمودٌ عند ملائكتِه، ومحمودٌ عند رسله، ومحمودٌ عند أهل الأرض كلهم وإن كفر به بعضُهم" كما بيَّن ذلك الحافظ شمسُ الدين ابن قيم الجوزيّة رحمه الله في كتابه العظيم: (جلاء الأفهام في فضل الصلاة على محمد خير الأنام) .
وليس موضعُ النقدِ أنه قال: (ومحمود) وإنما لأنه عطفَ هذا الاسم على (طه) الذي زعم أنه من أسمائه، فكيف تعطفُ اسماً على اسمٍ لمسمى واحدٍ في نظرك؛ موهماً القارىءَ أن العطفَ للمغايرةِ؟!
فلو قال في هذا البيت:
اغفر ذنوبَ المعنَّى يا ربَّ (موسى) و(محمود) .
لكان مستقيماً على الجادة، خالياً من الأغلاطِ الشرعيّة واللغويّة .
ثم قال:
كلما جئتُ خلي جئتُ والبابُ مردودْ .
قلتُ: قد أحسنَ في كونِه لم يُكررْ (كلما) كما يصنعُ بعضُ الكُتابِ والمثقفين والصحفيين الذي يقعون في اللحن والخطأ حينما يقولون مثلاً: (كلما قرأتَ كلما زادت ثقافتك) وهذا أسلوبٌ ركيكٌ مخالفٌ للكتابِ والسنة ولغةِ العرب؛ إذ ما الحاجة إلى تكرارِ (كلما) فالصوابُ أن تقول: (كلما قرأتَ زادت ثقافتك) .
كما قال الله تعالى: (كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ) [المائدة:64] .
ولعلَّ السببَ في عدمِ تكراره (كلما) هو أن البيتَ لو كرر سينكسر فاستغنى عنها، وإلا فله كتاباتٌ في بعضِ الصحفِ يجنحُ إلى تكرارها كعادةِ رفاقه .
أما قوله: (جئتُ والبابُ مردود) فهذا خطأٌ بيِّنٌ، وجنوحٌ منه إلى العاميّة؛ فإن العربَ لم تقل بحالٍ: (البابُ مردود) تريدُ: أنه مغلق !
فلو قال: جئتُ والبابُ مصفود) لكان قد أصاب تمرة الغراب؛ لأن الصفد هو شدة الإحكام بالأغلال، وهذا أبلغُ من مجردِ الإغلاق .
ثم قال مواصلاً الحديثَ عن خله:
هذا أسرْني وولّى من غيرِ شاهدْ ومشهودْ .
قلتُ: وفي هذا البيتِ من ضروبِ الخلل والضعف وجهان:
الأول: تسكين الفعل الماضي المبني على الفتح في قوله: (أسرْني) ولو حركه لأودى به إلى الكسر فزعم أن ذلك ضرورة، وهذه ضرورة غيرُ مجدية؛ لأنه كان بإمكانه أن يتصرفَ لو كان شاعراً مجيداً فيقول: (أسري تولَّى، وولَّى) أي: تولى أسري ومضى .
أما الوجه الثاني: فقوله: تسكينُ المضافِ إليه وهو (شاهدْ) في قوله: (من غير شاهدْ ومشهود) والتسكين في مثلِ هذه المواضعِ دليلُ ضعفٍ في النظم العلمي فكيف بالشعر الغزلي الغنائي؟!
ولذلك كان عليه أن يقول في هذا العجز: (بلا شهودٍ ومشهود) وهذا أبلغَ؛ فيما لو طالبَ بعد ذلك بالشهود؛ لأنه قد لا يُكتفى بشاهدٍ واحدٍ فحسب .
فيصبحُ تصويبُ البيتِ كالتالي:
أسْري تولَّى، وولَّى بلا شهودٍ ومشهود .
وإن زعم أنه يجنحُ إلى لغةِ القرآن في قوله تعالى: (وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ) [البروج:3] فيُقال له: هذا زعمٌ غيرُ صحيح؛ لأن الشاهدَ في الآية: يومُ الجمعة، والمشهود: يوم عرفة؛ كما عليه جمهورُ المفسرين من السلفِ؛ فلم تبقَ لديهِ حجة في جوازِ تسكين المضافِ إليه .
ثم قال بعد ذلك:
هيّا معي يا حبيبي نسمرْ على (نغمةِ العودْ) .
قلتُ: في هذا البيتِ حشوٌ وهو قوله: (يا حبيبي) لكن قد يُغتفرُ هذا الحشو؛ لأنه يحملُ معنى يلتصقُ بالحبِّ الذي يدعيه .
وأما قوله: (نسمرْ) فمجزومٌ؛ لأنه جوابُ الطلب، لكنه أساءَ في اختيارِ ما يسمرُ عليه؛ إذ لم يجدْ سوى (نغمةِ العودْ) .
فلماذا لا يكونُ الحبُّ عفيفاً فيسمرُ على شيءٍ من الذكر الحكيم؟
لو قال: * نسمرْ على (الكهفِ) أو (هودْ) *
لكان معنى جميلاً، وموحياً بمحبةٍ صادقة .
قال بعد ذلك:
فهاك روحي، ومالي فخذه يا كنزُ مفقودْ .
قلتُ: كونه يُعبِّرُ عنه بالكنز المفقود، هذا فيه ما فيه، وقد يُقبَلُ إذا قصد طولَ غيبتِه، وأنه عوضٌ عن ماله الذي وهبه له؛ لأنه في حدِّ ذاتِه كنزٌ مفقود .
و(مفقود) في العجز صفة لـ(كنز) المنادى المبني على الضم، وعلى ذلك فحقُّ (مفقودْ) النصب، ولكن ما دام التزمَ أن تكون القافية ساكنة فله ذلك .
ثم قال بعدها:
أيا كحيلَ الغواني ويا دَوا كلِّ محسودْ .
قلتُ: أراد بقوله: (يا كحيل) أي: يا أكحل؛ ففعيلٌ هنا بمعنى (أفعل) التفضيل؛ بدليل إضافتِه إلى (الغواني) والمعنى: يا أكحلَ الغواني، وفي التعبير قصورٌ عن الوضوح التام، وإن كان المعنى ظاهراً لمن تأمله .
أما قوله في العجز: (يا دَوا كلِّ محسود) فهذا باطل؛ لأن دواءَ المحسود هو القرآنُ الكريم، والأذكار الشرعية، والشفاءُ إنما هو من الله تعالى، وإنما هذه أسباب .
ثم قال إيهاب:
جُدْ لي بنفسٍ هنيّهْ لأجتني منك عنقودْ .
قلتُ: في صدرِ هذا البيتِ قلق؛ فإن السكونَ على الهاءِ المقلوبة عن تاءٍ أربك نظام الصدورِ كلها؛ لأنها كانت منطلقةً انطلاقة واحدة يائية أو مقصورة مع بعض الإشباع لها، فجاء هذا الصدرُ مخالفاً لما مضى، والآن قد آن أن يُتلى عليه قولُ ابن مالك في (ألفيّته):
* فبابُه: النقلُ كسُخطٍ ورضا *
فلذلك ننقله ونقول: الأولى أن يقول: (جُدْ لي بنفسٍ تـُهَنِّي) .
مع أن قوله: (جُدْ لي) الأولى: أن يقول فيه: (جد عليَّ) وإن كانت اللامُ تأتي بمعنى (على) ولذلك هذا مغتفر .
وأما قوله: (لأجتني منك عنقود) فهذا حسنٌ، إلا أنه قامَ بتسكينِ الفعل المضارع (أجتني) وحقه النصبَ بأن المضمرة بعد لام التعليل، كما قام بتسكين المفعولِ به الذي حقه النصب أيضاً وهو (عنقودْ) ولكن قد يتذرّعُ بالضرورةِ في المسألةِ الأولى، وبالقافيةِ الساكنة في المسألة الثانية .
وهذا جائزٌ على لغةِ ربيعة، وإن كان الرجلُ ليس منهم، وإلا فقد قال ابنُ مالك رحمه الله في (الكافية الشافية):
كذا لدى (ربيعة) المنوَّنُ في نصبٍ او في غيرهِ يُسكَّنُ .
ومن شواهدِ هذه اللغةِ قولُ الشاعر:
ألا حبّذا غـُـنـْمٌ وحسنُ حديثِها لقد تركت قلبي بها هائماً دنفْ .
والأصل: (هائماً دنفاً) ولكن سكَّنَ على هذه اللغة .
ثم قال في ختامِ هذه القصيدة:
هيّا معي يا حبيبي ما دامَ في (المَورِ) مجهودْ .
قلتُ: الصدرُ واضحٌ، وهو مكررٌ في القصيدة، وقد تقدمَ القولُ فيه .
وأما العجُز فمعناه: ما دامَ في مقدورك الإتيان فتعال .
والمَور هو: المجيءُ والإتيانُ والعودُ والدوران .
والمجهود يريد: الاستطاعة .
هذا بعضُ ما يُلاحظُ على القصيدة، وفيها عاطفة تستحق أن يُوقفَ معها، ولكن ينبغي أن يُنتبَهَ لهذه الأخطاء وتصوب، والحمدُ لله رب العالمين .
(هيا معي يا حبيبي) .
جبران سحّاري .
هذه قصيدة إيهاب توفيق اليماني؛ وقد زعم أنها غنائيّة، وهذا سببُ وجودِ الخلل في بعضِ أبياتِها؛ كما اعتذر هو، وهذا العذرُ لا يجدي؛ لأنها غزليّة، وقصائد الغزل التي سطرها من سبقه كلها غنائيّة، وهي مستقيمة راقية اللغة، وليس فيها ما يُبيِّنُ قصورَ كاتبِها، ومن ذلك: قصيدة ابن أبي مريم عدي بن الرقاع المشهورة (أراك طروب البال) وقصيدة الشاعر عمر بن أبي ربيعة (أنتِ منيتي) وقصيدةِ الشاعر اليماني موسى بن يحيى بهران (بدا كالبدر) وغيرها من القصائد، وإن كان فيها ما يُنتقدُ من جهةِ المضمون .
وأنا هنا سأكتبُ دراسة نقديّة حول قصيدة إيهاب الدالية (كلما جئتُ خلي) من جهة المبنى والمعنى أو من جهةِ (الشكل) و(المضمون) كما نعبِّرُ أحياناً .
فأقول: كتب إيهاب هذه القصيدة عام (1402هـ) وقد نُشِرتْ في جريدة (الفضول) الصادرة في (عدن) لصاحبها: عبد الله بن عبدِ الوهاب نعمان .
وقافيتها: دالية ساكنة، وهي من (المجتث): مستفعلن فاعلاتن ـ مستفعلن فاعلاتن .
ويناله الخبن في جميع أجزائه، وعدتها: تسعة أبيات .
يقول في مطلعِها:
بدأتُ بالله ربي وخالقِ البيضِ والسودْ .
قلتُ: وهذا مطلعٌ حسنٌ، واستفتاحٌ جميل، وفي عجزه: الطباق الجاري دون تكلف .
ولكن: في صدره: اختصارٌ مخلٌّ؛ إذ ما معنى: (بدأتُ بالله) وهو يقصد: بسم الله؟
فلو قال:
بدأتُ باسمك ربي يا خالقَ البيضِ والسود
لكان البيتُ لا غبار عليه .
ثم قال بعد هذا:
اغفر ذنوبَ المُعنَّى بحقِّ (طهَ) و(محمودْ) .
قلتُ: وصدرُ هذا البيت حسنٌ، وفيه دعاءٌ بمغفرةِ الذنوب لهذا المُعنَّى وهو: المعنيُّ بشدة الشوق، ولكن في عجز البيت: ذنبٌ جديدٌ، وخلل عقدي، وهو قوله: (بحق طه ومحمود) وذلك أنه لا يجوزُ التوسُّلُ إلى الله تعالى بحق النبيِّ صلى الله عليه وسلم ولا بجاهه، بل يجبُ دعاءُ الله وحده دون التوسلِ بجاه فلانٍ وغيره من الناس .
وهناك خللٌ في تركيبِ البيت من وجهين:
الأول: أنه سمَّى النبيَّ صلى الله عليه وسلم بـ(طه) وهذا ليس من أسمائه عليه الصلاة والسلام، وإنما هو من الحروفِ المقطعة في أوائلِ السور على قول أكثر المفسرين من السلفِ والخلف، ولم يصحَّ في تسميةِ النبيِّ محمد صلى الله عليه وسلم بهذا الاسم خبرٌ، وإن كان الشعراء يسمونه بهذا الاسم .
الثاني: أنه عطفَ على هذا الاسم: (محمود) وهذا أيضاً لم يثبت أنه من أسمائه عليه الصلاة والسلام، لكن ثبت أنه من أوصافه؛ "فإنه صلى الله عليه وسلم محمودٌ عند الله، ومحمودٌ عند ملائكتِه، ومحمودٌ عند رسله، ومحمودٌ عند أهل الأرض كلهم وإن كفر به بعضُهم" كما بيَّن ذلك الحافظ شمسُ الدين ابن قيم الجوزيّة رحمه الله في كتابه العظيم: (جلاء الأفهام في فضل الصلاة على محمد خير الأنام) .
وليس موضعُ النقدِ أنه قال: (ومحمود) وإنما لأنه عطفَ هذا الاسم على (طه) الذي زعم أنه من أسمائه، فكيف تعطفُ اسماً على اسمٍ لمسمى واحدٍ في نظرك؛ موهماً القارىءَ أن العطفَ للمغايرةِ؟!
فلو قال في هذا البيت:
اغفر ذنوبَ المعنَّى يا ربَّ (موسى) و(محمود) .
لكان مستقيماً على الجادة، خالياً من الأغلاطِ الشرعيّة واللغويّة .
ثم قال:
كلما جئتُ خلي جئتُ والبابُ مردودْ .
قلتُ: قد أحسنَ في كونِه لم يُكررْ (كلما) كما يصنعُ بعضُ الكُتابِ والمثقفين والصحفيين الذي يقعون في اللحن والخطأ حينما يقولون مثلاً: (كلما قرأتَ كلما زادت ثقافتك) وهذا أسلوبٌ ركيكٌ مخالفٌ للكتابِ والسنة ولغةِ العرب؛ إذ ما الحاجة إلى تكرارِ (كلما) فالصوابُ أن تقول: (كلما قرأتَ زادت ثقافتك) .
كما قال الله تعالى: (كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ) [المائدة:64] .
ولعلَّ السببَ في عدمِ تكراره (كلما) هو أن البيتَ لو كرر سينكسر فاستغنى عنها، وإلا فله كتاباتٌ في بعضِ الصحفِ يجنحُ إلى تكرارها كعادةِ رفاقه .
أما قوله: (جئتُ والبابُ مردود) فهذا خطأٌ بيِّنٌ، وجنوحٌ منه إلى العاميّة؛ فإن العربَ لم تقل بحالٍ: (البابُ مردود) تريدُ: أنه مغلق !
فلو قال: جئتُ والبابُ مصفود) لكان قد أصاب تمرة الغراب؛ لأن الصفد هو شدة الإحكام بالأغلال، وهذا أبلغُ من مجردِ الإغلاق .
ثم قال مواصلاً الحديثَ عن خله:
هذا أسرْني وولّى من غيرِ شاهدْ ومشهودْ .
قلتُ: وفي هذا البيتِ من ضروبِ الخلل والضعف وجهان:
الأول: تسكين الفعل الماضي المبني على الفتح في قوله: (أسرْني) ولو حركه لأودى به إلى الكسر فزعم أن ذلك ضرورة، وهذه ضرورة غيرُ مجدية؛ لأنه كان بإمكانه أن يتصرفَ لو كان شاعراً مجيداً فيقول: (أسري تولَّى، وولَّى) أي: تولى أسري ومضى .
أما الوجه الثاني: فقوله: تسكينُ المضافِ إليه وهو (شاهدْ) في قوله: (من غير شاهدْ ومشهود) والتسكين في مثلِ هذه المواضعِ دليلُ ضعفٍ في النظم العلمي فكيف بالشعر الغزلي الغنائي؟!
ولذلك كان عليه أن يقول في هذا العجز: (بلا شهودٍ ومشهود) وهذا أبلغَ؛ فيما لو طالبَ بعد ذلك بالشهود؛ لأنه قد لا يُكتفى بشاهدٍ واحدٍ فحسب .
فيصبحُ تصويبُ البيتِ كالتالي:
أسْري تولَّى، وولَّى بلا شهودٍ ومشهود .
وإن زعم أنه يجنحُ إلى لغةِ القرآن في قوله تعالى: (وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ) [البروج:3] فيُقال له: هذا زعمٌ غيرُ صحيح؛ لأن الشاهدَ في الآية: يومُ الجمعة، والمشهود: يوم عرفة؛ كما عليه جمهورُ المفسرين من السلفِ؛ فلم تبقَ لديهِ حجة في جوازِ تسكين المضافِ إليه .
ثم قال بعد ذلك:
هيّا معي يا حبيبي نسمرْ على (نغمةِ العودْ) .
قلتُ: في هذا البيتِ حشوٌ وهو قوله: (يا حبيبي) لكن قد يُغتفرُ هذا الحشو؛ لأنه يحملُ معنى يلتصقُ بالحبِّ الذي يدعيه .
وأما قوله: (نسمرْ) فمجزومٌ؛ لأنه جوابُ الطلب، لكنه أساءَ في اختيارِ ما يسمرُ عليه؛ إذ لم يجدْ سوى (نغمةِ العودْ) .
فلماذا لا يكونُ الحبُّ عفيفاً فيسمرُ على شيءٍ من الذكر الحكيم؟
لو قال: * نسمرْ على (الكهفِ) أو (هودْ) *
لكان معنى جميلاً، وموحياً بمحبةٍ صادقة .
قال بعد ذلك:
فهاك روحي، ومالي فخذه يا كنزُ مفقودْ .
قلتُ: كونه يُعبِّرُ عنه بالكنز المفقود، هذا فيه ما فيه، وقد يُقبَلُ إذا قصد طولَ غيبتِه، وأنه عوضٌ عن ماله الذي وهبه له؛ لأنه في حدِّ ذاتِه كنزٌ مفقود .
و(مفقود) في العجز صفة لـ(كنز) المنادى المبني على الضم، وعلى ذلك فحقُّ (مفقودْ) النصب، ولكن ما دام التزمَ أن تكون القافية ساكنة فله ذلك .
ثم قال بعدها:
أيا كحيلَ الغواني ويا دَوا كلِّ محسودْ .
قلتُ: أراد بقوله: (يا كحيل) أي: يا أكحل؛ ففعيلٌ هنا بمعنى (أفعل) التفضيل؛ بدليل إضافتِه إلى (الغواني) والمعنى: يا أكحلَ الغواني، وفي التعبير قصورٌ عن الوضوح التام، وإن كان المعنى ظاهراً لمن تأمله .
أما قوله في العجز: (يا دَوا كلِّ محسود) فهذا باطل؛ لأن دواءَ المحسود هو القرآنُ الكريم، والأذكار الشرعية، والشفاءُ إنما هو من الله تعالى، وإنما هذه أسباب .
ثم قال إيهاب:
جُدْ لي بنفسٍ هنيّهْ لأجتني منك عنقودْ .
قلتُ: في صدرِ هذا البيتِ قلق؛ فإن السكونَ على الهاءِ المقلوبة عن تاءٍ أربك نظام الصدورِ كلها؛ لأنها كانت منطلقةً انطلاقة واحدة يائية أو مقصورة مع بعض الإشباع لها، فجاء هذا الصدرُ مخالفاً لما مضى، والآن قد آن أن يُتلى عليه قولُ ابن مالك في (ألفيّته):
* فبابُه: النقلُ كسُخطٍ ورضا *
فلذلك ننقله ونقول: الأولى أن يقول: (جُدْ لي بنفسٍ تـُهَنِّي) .
مع أن قوله: (جُدْ لي) الأولى: أن يقول فيه: (جد عليَّ) وإن كانت اللامُ تأتي بمعنى (على) ولذلك هذا مغتفر .
وأما قوله: (لأجتني منك عنقود) فهذا حسنٌ، إلا أنه قامَ بتسكينِ الفعل المضارع (أجتني) وحقه النصبَ بأن المضمرة بعد لام التعليل، كما قام بتسكين المفعولِ به الذي حقه النصب أيضاً وهو (عنقودْ) ولكن قد يتذرّعُ بالضرورةِ في المسألةِ الأولى، وبالقافيةِ الساكنة في المسألة الثانية .
وهذا جائزٌ على لغةِ ربيعة، وإن كان الرجلُ ليس منهم، وإلا فقد قال ابنُ مالك رحمه الله في (الكافية الشافية):
كذا لدى (ربيعة) المنوَّنُ في نصبٍ او في غيرهِ يُسكَّنُ .
ومن شواهدِ هذه اللغةِ قولُ الشاعر:
ألا حبّذا غـُـنـْمٌ وحسنُ حديثِها لقد تركت قلبي بها هائماً دنفْ .
والأصل: (هائماً دنفاً) ولكن سكَّنَ على هذه اللغة .
ثم قال في ختامِ هذه القصيدة:
هيّا معي يا حبيبي ما دامَ في (المَورِ) مجهودْ .
قلتُ: الصدرُ واضحٌ، وهو مكررٌ في القصيدة، وقد تقدمَ القولُ فيه .
وأما العجُز فمعناه: ما دامَ في مقدورك الإتيان فتعال .
والمَور هو: المجيءُ والإتيانُ والعودُ والدوران .
والمجهود يريد: الاستطاعة .
هذا بعضُ ما يُلاحظُ على القصيدة، وفيها عاطفة تستحق أن يُوقفَ معها، ولكن ينبغي أن يُنتبَهَ لهذه الأخطاء وتصوب، والحمدُ لله رب العالمين .





التعليق