معادلة القات والقوت في اليمن
يهدر على الدولة عشرين مليون ساعة عمل يومياً.. ونسبة النساء المشاركات في جلسات المضغ إلى ارتفاع
يمني يمضغ القات في السوق الرئيسية في صنعاء. (رويترز)صنعاء: سناء الجاك
يحسب زائر صنعاء أن حدثاً جللا ألمّ بالعاصمة اليمنية إذا تجول في شوارعها بين الثانية بعد الظهر والسادسة مساءً. يسأل، فيكتشف أن الشلل الذي انتاب حركة الشوارع سببه الدخول في دوام القات، ويعرف بالتالي أن الساعة البيولوجية لليمنيين تتعطل عندما يحين موعد تخزين هذه المادة التي يحظر تناولها في عديد من الدول. يحددون ساعة الذروة لدى مسارعتهم لشرائه. ذلك أن عملية الشراء تتم يومياً للحصول على النبتة الطازجة الريانة. بعد ذلك ينسحب الرجال إلى مجالسهم ليتركوا الشوارع مقفرة حتى انتهاء الدوام. باختصار القات يحكم الشارع اليمني.علاقة اليمنيين بالقات ليست جديدة، لكن الجديد فيها هو تزايد نسبة الذين يتعاطون هذه المادة لتصل إلى 70% بين الرجال و30% بين النساء في إحصاءات شبه رسمية، وإلى 90% بين الرجال وأكثر من 40% من النساء في إحصاءات غير رسمية. هذا الإقبال على النبتة الخضراء، دفع اليمنيين إلى زراعتها على حساب الأشجار المثمرة والخضار وعلى حساب المياه الجوفية، لأنها تحتاج إلى كميات كبيرة من الماء. الجديد أيضاً، تكاثر مجالس القات النسائية التي تقتصر في أغلب الأحيان على الطبقات الاجتماعية المرفهة. فالقات أغلى من اللحم لدى الفئات الاجتماعية الفقيرة. وهو أغلى من الذهب عند الفئات التي تعرف الأصفر الرنان. وبالتالي إذا سلمنا أن هذه النبتة هي من ضروريات الرجال القوّامين على مرافق الحياة الاقتصادية، نستنتج أنها تبقى من الكماليات عندما يتعلق الأمر بالنساء اللواتي لا يحصلن عليها إلا إذا استطعن إلى ذلك سبيلا بوسيلة أو بأخرى. وتندرج جلساتهن لهذا الغرض في إطار «التفرطة». تعاطي القات في اليمن علناً، كان يقتصر على الرجال خلال قرون طويلة، إلا أن المرأة اليمنية كسرت هذه القاعدة في السنوات الأخيرة، وباتت مجالس القات النسوية أحد مظاهر الحياة الاجتماعية في اليمن. وفي حين يتساوى الرجال أياً كانت مستوياتهم الفكرية والاجتماعية في المواظبة على «التخزين»، نجد أن المتعلمات أكثر تعاطياً للقات من الأميات. تقول إحداهن، وهي صاحبة طموح يصل حد الترشيح لرئاسة الجمهورية: «القات يسهم في تشكيل شبكة علاقات تخدم مصالحي، كما أنه مصدر معلومات لا ينضب». السيدة التي رفضت الإفصاح عن اسمها أو التقاط الصور لها، أكدت أنها تعرف ما يدور في كواليس السياسة من زوجات المسؤولين اللواتي يلبين دعوتها إلى «تفرطة» يتم خلالها تخزين القات وتدخين النارجيلة وشرب الزنجبيل المخلوط بالحليب. وبالطبع تحرص المدعوات على ارتداء الملابس الأنيقة والجريئة، التي لا نشاهد مثلها في الشارع. وكأنهن مدعوات إلى سهرة غنائية أو حفلة زفاف.
وغالباً ما ترتبط هذه المجالس بالرقص والغناء، وكأن النسوة مهما كانت مواقعهن المهنية والاجتماعية، لا يخرجن من إطار «البسط والانشراح» عندما يكن بمعزل عن الرجال. وفي حين تصنف بعض النساء الإقبال على هذه الظاهرة بأنها موضة، وأمر عادي لا عيب فيه، ترى أخريات أنها وسيلة باتجاه المساواة. إحدى الصحافيات تؤكد أن التحقيق الذي كان يستوجب منها أياماً لإنجازه ينتهي خلال جلسة واحدة إذا كانت «تخزن». هذه الزميلة تتعاطى القات البلدي «القوي» على حد تعبيرها. وتنصحني بتجربة قات أقل منه حدة على اعتبار أني «أخزن» للمرة الأولى. شرحت لنا صاحبة الدعوة إلى «التفرطة»، أهمية القات للسعادة الزوجية، وقالت: «بما أن القات منشط جنسي، لا بد للزوجة أن تجاري زوجها حتى لا ينصرف عنها إلى أخرى جراء خلل في الرغبة».
إحدى المدعوات ترفض الاكتفاء «بالبسط والانشراح» خلال «التخزين»، وتقول إنها تعمل على إرساء نظرية جديدة للانتخابات تؤمّن العدالة للأقليات. لكن جو الهرج والمرج يحول دون استيعاب أبعاد نظريتها. في رسالة الدكتوراه التي أعدتها الدكتورة نجاة خليل، الأستاذة المساعدة في علم الاجتماع بجامعة صنعاء والتي ألفت كتاباً حول الظاهرة، نقرأ «إن الرجل نفسه هو أحد أسباب إدمان المرأة القات، ودخولها هذا العالم جاء كنوع من المساواة بعد خروجها إلى العمل واستقلالها المادي». كما اعتبرت «أن هذه النبتة هي جزء من الثقافة اليمنية والهوية. وأن للانفتاح والتغير في نمط الحياة في المجتمع اليمني دورهما، فقد كان خروج المرأة في الماضي محدداً من وقت العصر إلى قبل المغرب، والآن تلاشت هذه العادة بسبب خروج المرأة إلى العمل وتزايد الوعي والدراسة الجامعية. لذا تعتقد المرأة أن العطلة الأسبوعية، يومي الخميس والجمعة، هي مناسبة للراحة والترويح عن النفس، وبالتالي تقصد هذه الجلسات من بعد العصر إلى بعد العشاء، وأحياناً قد تتجاوز جلساتها إلى ما بعد الساعة التاسعة من دون التزام أو خوف». وتشير خليل إلى «أن القات أفقد الأسرة اليمنية وظيفتها، الجميع يذهبون إلى مجالس القات وبالتالي يعودون في الليل مجرد نزلاء في البيت». أما النتيجة لهذا الواقع فهي انتقال العدوى إلى بقية أفراد العائلة. فالجولة الميدانية في بعض المناطق تظهر أن المراهقين الذين لم يتجاوزوا الخامسة عشرة «يخزنون» عندما تتوافر لهم الإمكانات. من أين يؤمّن المال للتخزين؟ الجواب يأتي تلقائياً: «إنه رزق القات».
هذا الواقع يطرح معادلة القات والقوت في اليمن. والمعادلة لا تحتاج إلى مهارة في الرياضيات لبرهنتها. «لا سعر للقات». يقول الذين سألناهم. ولا مكيال أو وزن يحدد هذا السعر. لا يشترى بالكيلو. ولا يخزن إلا في الفم. بمعنى آخر عملية الشراء تتم كل يوم بيومه ليحصل من يتعاطاه على الكمية التي يحتاجها طازجة. مهلا! قد يعتبر البعض أن استخدام كلمة «التعاطي» مهينة. يقول محدثي: «القات هو منشط أو صنف من أصناف النبات التي تعدل المزاج. لكنه ليس مخدراً. من يعتبره من المخدرات يسيء إلى 23 مليون يمني». ثم يسترسل في التحليل، فيضيف: «إن للقات جانباً إيجابياً. فهو يدخل في صميم المجتمع اليمني ويحمي أبناءه من المخدرات، التي يعتبر اليمن معبراً لها إلى الدول المحيطة به».
هذا التبرير هو واحد من سلسة طويلة يسعى «القاتيون» إلى إدراجها في سعيهم لتبييض سجل هذه النبتة. البعض يرى «أنه اقتصاد الفقراء في اليمن لا سيما أن لا قطاعات إنتاجية في البلاد لتحسين الاقتصاد ولا مشاريع زراعية أو صناعية. وبالتالي فإن الناس تعتبره مصدراً وحيداً للدخل، سواء عبر الزراعة أو عبر التوضيب والتسويق والبيع. عندما يتوافر مشروع جدي يمكن العمل للحد من زراعة القات». ويشير إلى أن أغلب الريف اليمني يعتمد على هذه النبتة. والمطلوب إيجاد حل بديل لملايين البشر. البعض الآخر يقول إنه يرفع الضغط ويستنفر الحواس ويساعد على التركيز. والكل يتفق على أنه عصب الحياة الاجتماعية. يقول أحد الصحافيين: «قبل شهرين قطعت القات وخسرت 50% من علاقاتي». ويضيف: «صحيح أني توقفت عن التخزين. لكني أحترم القات كثيراً». التوغل أكثر فأكثر في البحث عن عالم هذه النبتة ومفاعيلها الثقافية والاجتماعية يشير إلى أنها ليست مجرد وريقات ترفيه تجلب المتعة لحاملها فحسب، وإنما هي جواز مرور إلى عالم الكبار وهوية انتماء للجماعة. جلسة التخزين تستغرق حوالي أربع ساعات في الأحوال العادية، أما عندما يكون القات رفيق الأفراح والمآتم والمصالحات بين القبائل، فالجلسة مفتوحة والمتعة لا دوام لها. لكن معادلة القات أو القوت تبقى قائمة. ففي دراسة أجرتها الحكومة اليمنية قبل عدة سنوات عن واقع «التخزين» في صنعاء، تبين أن القات يهدر على الدولة عشرين مليون ساعة عمل يومياً. وتوضح الإحصائيات الرسمية أن القات يضيع على الفرد 1460 ساعة. وتتعاطى القات مجموعات كبيرة من الفقراء ذوي الدخل المنخفض غير القادرين ابتداء على تأمين احتياجاتهم الأساسية، مما يزيد من معاناتهم وحرمانهم. وتبدو الاحتمالات أسوأ عندما نعلم أن 45 في المائة من السكان دخلهم لا يتجاوز الدولارين يومياً.
وفي تقارير مسح ميزانية الأسرة، يظهر عاماً بعد عام أن الإنفاق على القات يأتي في المرتبة الأولى ضمن مجموعة السلع الغذائية وسط سكان الحضر، إذ تعتبر هذه الأسر القات سلعة غذائية يحدد لها جزء أساسي من ميزانية الأسرة. ويأتي الإنفاق على شراء القات في المرتبة الثانية بعد الإنفاق على الحبوب في الريف. وتشير إحصاءات الجهاز المركزي اليمني إلى أن نصف مليون أسرة يعتمد دخلها الأساسي على زراعة القات والمتاجرة به، أي إن أكثر من 20% من عدد السكان في اليمن ترتبط حياتهم به، الأمر الذي يجعل من مقاومة هذه النبتة أمراً معقداً.
يحسب زائر صنعاء أن حدثاً جللا ألمّ بالعاصمة اليمنية إذا تجول في شوارعها بين الثانية بعد الظهر والسادسة مساءً. يسأل، فيكتشف أن الشلل الذي انتاب حركة الشوارع سببه الدخول في دوام القات، ويعرف بالتالي أن الساعة البيولوجية لليمنيين تتعطل عندما يحين موعد تخزين هذه المادة التي يحظر تناولها في عديد من الدول. يحددون ساعة الذروة لدى مسارعتهم لشرائه. ذلك أن عملية الشراء تتم يومياً للحصول على النبتة الطازجة الريانة. بعد ذلك ينسحب الرجال إلى مجالسهم ليتركوا الشوارع مقفرة حتى انتهاء الدوام. باختصار القات يحكم الشارع اليمني.علاقة اليمنيين بالقات ليست جديدة، لكن الجديد فيها هو تزايد نسبة الذين يتعاطون هذه المادة لتصل إلى 70% بين الرجال و30% بين النساء في إحصاءات شبه رسمية، وإلى 90% بين الرجال وأكثر من 40% من النساء في إحصاءات غير رسمية. هذا الإقبال على النبتة الخضراء، دفع اليمنيين إلى زراعتها على حساب الأشجار المثمرة والخضار وعلى حساب المياه الجوفية، لأنها تحتاج إلى كميات كبيرة من الماء. الجديد أيضاً، تكاثر مجالس القات النسائية التي تقتصر في أغلب الأحيان على الطبقات الاجتماعية المرفهة. فالقات أغلى من اللحم لدى الفئات الاجتماعية الفقيرة. وهو أغلى من الذهب عند الفئات التي تعرف الأصفر الرنان. وبالتالي إذا سلمنا أن هذه النبتة هي من ضروريات الرجال القوّامين على مرافق الحياة الاقتصادية، نستنتج أنها تبقى من الكماليات عندما يتعلق الأمر بالنساء اللواتي لا يحصلن عليها إلا إذا استطعن إلى ذلك سبيلا بوسيلة أو بأخرى. وتندرج جلساتهن لهذا الغرض في إطار «التفرطة». تعاطي القات في اليمن علناً، كان يقتصر على الرجال خلال قرون طويلة، إلا أن المرأة اليمنية كسرت هذه القاعدة في السنوات الأخيرة، وباتت مجالس القات النسوية أحد مظاهر الحياة الاجتماعية في اليمن. وفي حين يتساوى الرجال أياً كانت مستوياتهم الفكرية والاجتماعية في المواظبة على «التخزين»، نجد أن المتعلمات أكثر تعاطياً للقات من الأميات. تقول إحداهن، وهي صاحبة طموح يصل حد الترشيح لرئاسة الجمهورية: «القات يسهم في تشكيل شبكة علاقات تخدم مصالحي، كما أنه مصدر معلومات لا ينضب». السيدة التي رفضت الإفصاح عن اسمها أو التقاط الصور لها، أكدت أنها تعرف ما يدور في كواليس السياسة من زوجات المسؤولين اللواتي يلبين دعوتها إلى «تفرطة» يتم خلالها تخزين القات وتدخين النارجيلة وشرب الزنجبيل المخلوط بالحليب. وبالطبع تحرص المدعوات على ارتداء الملابس الأنيقة والجريئة، التي لا نشاهد مثلها في الشارع. وكأنهن مدعوات إلى سهرة غنائية أو حفلة زفاف.
وغالباً ما ترتبط هذه المجالس بالرقص والغناء، وكأن النسوة مهما كانت مواقعهن المهنية والاجتماعية، لا يخرجن من إطار «البسط والانشراح» عندما يكن بمعزل عن الرجال. وفي حين تصنف بعض النساء الإقبال على هذه الظاهرة بأنها موضة، وأمر عادي لا عيب فيه، ترى أخريات أنها وسيلة باتجاه المساواة. إحدى الصحافيات تؤكد أن التحقيق الذي كان يستوجب منها أياماً لإنجازه ينتهي خلال جلسة واحدة إذا كانت «تخزن». هذه الزميلة تتعاطى القات البلدي «القوي» على حد تعبيرها. وتنصحني بتجربة قات أقل منه حدة على اعتبار أني «أخزن» للمرة الأولى. شرحت لنا صاحبة الدعوة إلى «التفرطة»، أهمية القات للسعادة الزوجية، وقالت: «بما أن القات منشط جنسي، لا بد للزوجة أن تجاري زوجها حتى لا ينصرف عنها إلى أخرى جراء خلل في الرغبة».
إحدى المدعوات ترفض الاكتفاء «بالبسط والانشراح» خلال «التخزين»، وتقول إنها تعمل على إرساء نظرية جديدة للانتخابات تؤمّن العدالة للأقليات. لكن جو الهرج والمرج يحول دون استيعاب أبعاد نظريتها. في رسالة الدكتوراه التي أعدتها الدكتورة نجاة خليل، الأستاذة المساعدة في علم الاجتماع بجامعة صنعاء والتي ألفت كتاباً حول الظاهرة، نقرأ «إن الرجل نفسه هو أحد أسباب إدمان المرأة القات، ودخولها هذا العالم جاء كنوع من المساواة بعد خروجها إلى العمل واستقلالها المادي». كما اعتبرت «أن هذه النبتة هي جزء من الثقافة اليمنية والهوية. وأن للانفتاح والتغير في نمط الحياة في المجتمع اليمني دورهما، فقد كان خروج المرأة في الماضي محدداً من وقت العصر إلى قبل المغرب، والآن تلاشت هذه العادة بسبب خروج المرأة إلى العمل وتزايد الوعي والدراسة الجامعية. لذا تعتقد المرأة أن العطلة الأسبوعية، يومي الخميس والجمعة، هي مناسبة للراحة والترويح عن النفس، وبالتالي تقصد هذه الجلسات من بعد العصر إلى بعد العشاء، وأحياناً قد تتجاوز جلساتها إلى ما بعد الساعة التاسعة من دون التزام أو خوف». وتشير خليل إلى «أن القات أفقد الأسرة اليمنية وظيفتها، الجميع يذهبون إلى مجالس القات وبالتالي يعودون في الليل مجرد نزلاء في البيت». أما النتيجة لهذا الواقع فهي انتقال العدوى إلى بقية أفراد العائلة. فالجولة الميدانية في بعض المناطق تظهر أن المراهقين الذين لم يتجاوزوا الخامسة عشرة «يخزنون» عندما تتوافر لهم الإمكانات. من أين يؤمّن المال للتخزين؟ الجواب يأتي تلقائياً: «إنه رزق القات».
هذا الواقع يطرح معادلة القات والقوت في اليمن. والمعادلة لا تحتاج إلى مهارة في الرياضيات لبرهنتها. «لا سعر للقات». يقول الذين سألناهم. ولا مكيال أو وزن يحدد هذا السعر. لا يشترى بالكيلو. ولا يخزن إلا في الفم. بمعنى آخر عملية الشراء تتم كل يوم بيومه ليحصل من يتعاطاه على الكمية التي يحتاجها طازجة. مهلا! قد يعتبر البعض أن استخدام كلمة «التعاطي» مهينة. يقول محدثي: «القات هو منشط أو صنف من أصناف النبات التي تعدل المزاج. لكنه ليس مخدراً. من يعتبره من المخدرات يسيء إلى 23 مليون يمني». ثم يسترسل في التحليل، فيضيف: «إن للقات جانباً إيجابياً. فهو يدخل في صميم المجتمع اليمني ويحمي أبناءه من المخدرات، التي يعتبر اليمن معبراً لها إلى الدول المحيطة به».
هذا التبرير هو واحد من سلسة طويلة يسعى «القاتيون» إلى إدراجها في سعيهم لتبييض سجل هذه النبتة. البعض يرى «أنه اقتصاد الفقراء في اليمن لا سيما أن لا قطاعات إنتاجية في البلاد لتحسين الاقتصاد ولا مشاريع زراعية أو صناعية. وبالتالي فإن الناس تعتبره مصدراً وحيداً للدخل، سواء عبر الزراعة أو عبر التوضيب والتسويق والبيع. عندما يتوافر مشروع جدي يمكن العمل للحد من زراعة القات». ويشير إلى أن أغلب الريف اليمني يعتمد على هذه النبتة. والمطلوب إيجاد حل بديل لملايين البشر. البعض الآخر يقول إنه يرفع الضغط ويستنفر الحواس ويساعد على التركيز. والكل يتفق على أنه عصب الحياة الاجتماعية. يقول أحد الصحافيين: «قبل شهرين قطعت القات وخسرت 50% من علاقاتي». ويضيف: «صحيح أني توقفت عن التخزين. لكني أحترم القات كثيراً». التوغل أكثر فأكثر في البحث عن عالم هذه النبتة ومفاعيلها الثقافية والاجتماعية يشير إلى أنها ليست مجرد وريقات ترفيه تجلب المتعة لحاملها فحسب، وإنما هي جواز مرور إلى عالم الكبار وهوية انتماء للجماعة. جلسة التخزين تستغرق حوالي أربع ساعات في الأحوال العادية، أما عندما يكون القات رفيق الأفراح والمآتم والمصالحات بين القبائل، فالجلسة مفتوحة والمتعة لا دوام لها. لكن معادلة القات أو القوت تبقى قائمة. ففي دراسة أجرتها الحكومة اليمنية قبل عدة سنوات عن واقع «التخزين» في صنعاء، تبين أن القات يهدر على الدولة عشرين مليون ساعة عمل يومياً. وتوضح الإحصائيات الرسمية أن القات يضيع على الفرد 1460 ساعة. وتتعاطى القات مجموعات كبيرة من الفقراء ذوي الدخل المنخفض غير القادرين ابتداء على تأمين احتياجاتهم الأساسية، مما يزيد من معاناتهم وحرمانهم. وتبدو الاحتمالات أسوأ عندما نعلم أن 45 في المائة من السكان دخلهم لا يتجاوز الدولارين يومياً.
وفي تقارير مسح ميزانية الأسرة، يظهر عاماً بعد عام أن الإنفاق على القات يأتي في المرتبة الأولى ضمن مجموعة السلع الغذائية وسط سكان الحضر، إذ تعتبر هذه الأسر القات سلعة غذائية يحدد لها جزء أساسي من ميزانية الأسرة. ويأتي الإنفاق على شراء القات في المرتبة الثانية بعد الإنفاق على الحبوب في الريف. وتشير إحصاءات الجهاز المركزي اليمني إلى أن نصف مليون أسرة يعتمد دخلها الأساسي على زراعة القات والمتاجرة به، أي إن أكثر من 20% من عدد السكان في اليمن ترتبط حياتهم به، الأمر الذي يجعل من مقاومة هذه النبتة أمراً معقداً.









التعليق