alardha blog bannar and free books initiative

Collapse

إعلان

Collapse
لا يوجد إعلانات حتى الآن.

KJA_adsense_ad5

Collapse

أوهام اليقين في الخطاب التقليدي (1- 2)

Collapse
X
 
  • فرز
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts

  • أوهام اليقين في الخطاب التقليدي (1- 2)

    يعاني الخطاب التقليدي من تخمة دغمائية - هي من أبرز سماته -؛ جراء تحويله جميع عناصر خطابه - حتى الهامشي والدعائي منها - إلى يقينيات صلبة، لا تحتمل تعدد الرؤى، ولا تسمح بمساحات حوارية، إلا لتأكيد المؤكد، وتثبيت الثابت، وهي مؤكدات وثوابت لا وجود لها - كمؤكدات وثوابت - إلا في هذا الخطاب، بينما هي في الخطابات الأخرى، مجرد أفكار ورؤى وتصورات، ذات أبعاد نسبية، لا يترتب على انتزاعها من المتن اليقيني، ووضعها في الهامش الظني، أي حكم بالإقصاء من دوائر الإيمان .

    أنا - هنا - لا أتحدث عن اليقينيات العقائدية، التي هي محل اتفاق إيماني، بين أبناء العقيدة الواحدة، من تقليديين وغير تقليديين . فهذه المفردات الإيمانية هي من مقتضيات الإيمان، التي يتفق عليها أبناء الدين الواحد، أو أبناء المذهب الواحد؛ مهما تعددت زوايا الرؤية لديهم؛ ومهما كان موقفهم من التقليد - كآلية معرفية ! - إيجابا أو سلبا . فحديثي - إذن - ليس تشكيكا في اليقيني الإيماني، وإنما هو محاولة لفضح صناعة : أوهام اليقين .
    لكن، لماذا يعمد خطاب التقليد إلى نقل الأغلبية الساحقة من مفرداته التصورية الخاصة إلى المتن اليقيني ؟ . طبيعي أن للبنية الذهنية المنغلقة دورا مركزيا في هذا النمط من السلوك الفكروي في الخطاب التقليدي . لكن - قبل هذا - ماذا عن دور الأدلجة؛ كآلية سلطوية، تبحث عن مناطق نفوذ لها في الحراك الاجتماعي ؟، وماذا يقدم لها اليقين في هذا المجال؟.
    بدهي أن مساحات الحوار مساحات غير سلطوية بالضرورة؛ وإلا فهي ليست مساحات حوار . إنها مساحات مشاركة ندية، يستحيل وجود التقليد فيها، من حيث هو ممارسة في الاتباع، وليس ممارسة في الإبداع . التقليدي غارق في بحيرة سلطوية، لا يتنفس إلا هواءها، ولا يتحدث إلا بلسانها . والحوار يستلزم خروجا أوليا من هذا الأسر السلطوي . ومن هنا، يتضح التضاد بين خطاب التقليد من جهة، وكل أشكال ومستويات الحوار من جهة أخرى .
    إن حضور اليقين - المكثف في الخطاب التقليدي - حضور ضروري في سياقه الحراكي في المجتمع . فتجاوزا عن كون اليقين في خطاب التقليد نابعا من بنيته الذهنية المنغلقة على نفسها، فاليقين - فيه - يتم استخدامه كسلاح حاسم في معركة الهيمنة الاجتماعية؛ لأنه سلاح يلغي الحوار، أي يلغي المشاركة الندية على مستوى الأذهان . ومن ثم، يفتح الأذهان على فراغ قابل لملئه بمقولات الهيمنة، التي هي - بالضرورة - مقولات رفعت إلى درجات اليقيني، بينما هي - حتى لدى منتجيها - لا تعدو كونها : أوهام يقين.
    خطاب التقليد يصنع أوهام اليقين، ولكنه يقدمها كيقين قطعي الثبوت والدلالة. وبقدر ما تكون أوهام اليقين من صناعة ذهنية مغلقة، تتصور كل ما يصدر عنها يقيني؛ بقدر ما يؤدي هذا الزخم الهائل من أوهام اليقين إلى تعزيز هذه الذهنية، ومنحها فرصة أكبر في الإنتاج والتأثير. هذه الأوهام تصنع المجتمعات السلطوية التي تلتهم الحريات، وتلغي الأفراد؛ لحساب تصورات الجماعة، ذات السمات اليقينية الثابتة الخالدة. وهذه المجتمعات التي فقدت التفرد - ومن ثم فقدت الإبداع - لا بد أن تنتج هذه الأوهام اليقينية؛ لتكون حصانة لها ضد الحوارات الندية، التي لا تقف إلا على أنقاض الطموحات السلطوية للخطاب التقليدي.
    البحث عن مجال سلطوي، هو بحث عن سلطة. والسلطة لا تنبني في الواقع إلا على أتباع. وبما أن الخطاب التقليدي خطاب يتغيا الوصول إلى الهيمنة السلطوية عبر طرائق فكرية؛ فلا بد أن تكون الأفكار التي يروّج لها أفكار اتباع؛ لتكون قادرة على صنع الأتباع. أما الإبداع - كفعل مضاد للاتباع - فلا يتخّلق إلا من ذهنية متمردة على الاتباع - التبعية، أي متمردة على كل أشكال التسلط الفكري، الممهد - بالضرورة - لتسلط اجتماعي إقصائي، ناف للمشاركة الذهنية، ومن ثم، ناف للمشاركة الاجتماعية، حتى على مستوى التعايش المدني، بل وفي مجالات المدني الخالص أيضا.
    لكن، حتى داخل خطاب التقليد والاتباع، يتم التمرد - أحيانا - من قبل الأتباع والمريدين الخانعين، على ما هو ظني وخلافي. ومع أن هذا تمرد فكري، أي على مستوى التجريد الذهني، وليس على مستوى الانقياد الاجتماعي لسلطة الرموز التقليدية؛ إلا أن الخطاب التقليدي يدرك أن هذا التمرد الذهني، لا بد أن يقود إلى نوع من التمرد على مستويات الهيمنة الاجتماعية، أي أنه ليس مجرد بحث عن هامش للحرية داخل منظومة التقليد، وإنما هو محاولة للبحث عن نوع من الانعتاق من أسر السلطة التقليدية التي تلغي كل مساحات الحرية لدى الأفراد - الأتباع.
    لا شيء يصيب التقليدية بالاضطراب، و- أحيانا - بالهلع والهياج؛ كبحث أتباعها عن مساحات الحرية؛ حتى ولو كانت هذه الحرية المنشودة من داخل دوائر التقليد. وهذا سر محاربة البعد الخلافي في مسائل الخلاف؛ لأنه لا يلغي الرأي التقليدي داخل تيار ما، وإنما يلغي - تبعا لذلك - هيمنة سلطوية، لا تجد حضورها الواقعي المتعين؛ إلا في إلغاء هذا الخلاف بشتى الوسائل، ولو عن طريق ترحيله - فيما لو تعذر إلغاؤه فكريا - إلى منطقة يمكن أن يطلق عليها - كما وصفتها في مقال سابق - : شرعية مع وقف التنفيذ.
    يصعب تطويع الأتباع - ومن ثم بناء مجالات سلطوية - دون إلغاء لمساحات الظني، التي هي الغالبة على معظم مفردات الخطاب التقليدي. الظني، فضلا عن كونه يؤثر على مستوى التعصب للمقولة التقليدية، يقود حرية ذهنية يصعب ترويضها، خاصة إذا كان الهدف هو الترويض الكامل والشامل؛ كما هو الهدف الحقيقي لخطاب التقليد. لا بد - في التصور التقليدي - من إلغاء الظني لحساب اليقيني، حتى يتم القضاء على أي مجال للحوار، حتى يكون الحماس في أعلى درجات، حتى للهامشي داخل هذا الخطاب.
    لا يخفى على المتابع للحراك التقليدي أن تفاصيل التفاصيل لديه، وهوامش الهوامش على مقولاته، أصبحت يقينيات قطعية، تنفي أي إمكانية للحوار بشأنها. يعي التقليدي أن جماهير الأتباع - التي يمارس هيمنته الاجتماعية من خلالها - لا تتجمهر وتتعصب على الظنيات، وإنما تفور حماستها، وتصل حد الهياج الأرعن؛ عندما يتم تحريكها بواسطة اليقينيات. ولهذا، يسعى الخطاب التقليدي إلى رفع الظنيات (وأكثر الظنيات هي مفردات ذات علاقة بالواقع المتغير، فهي مفردات ناتجة عن اجتهاد بشري، وهذا الواقع المتغير، ومن ثم، الظني، هو - في الوقت نفسه - ميدان ممارسة التقليدي لهيمنته الاجتماعية) إلى مستوى اليقينيات؛ حتى يتمكن من الهيمنة - بقوة اليقين - على الأتباع، ومن ثم، على سلوكهم الاجتماعي.
    يمكنك أن ترى حجم اليقينيات في مفردات الخطاب التقليدي ذات العلاقة بالواقع المتعين. هذه اليقينيات الموهومة، يعي كل أحد - ولو بأدنى تأمل - أنها ليست من اليقيني الثابت أصلا؛ حتى في منظومة التقليد، وإنما هي من مسائل الاجتهاد النظري، الصادرة عن أناس بسطاء متواضعي القدرات والجهود. مجرد ظنون، ورؤى حماسة، يتم رفعها إلى درجة اليقين، بعبارات عائمة، من مثل : "هل ينكر هذا مؤمن ؟ "، أو "هل يستسيغ هذا أصحاب الفطر السليمة ؟ "، أو "يعرف هذا جميع العقلاء " .إلخ، هذه العبارات التي لم تتحدد فيها هوية الإيمان، ولا هوية الفطر السليمة !، ولا هوية العقل، تصبح بمثابة دليل قطعي يقيني، يحشد الأتباع، ويملؤهم باليقين الموهوم بصوابية جميع مكونات خطاب التقليد.
    وليزيد الخطاب التقليدي من جرعات اليقين الموهوم لدى أتباع البسطاء، لا يعمد - حتى محاولته تفنيد مقولات خصومه - إلى حوارها، أو نقض منطقها الاستدلالي، وإنما يقدمها - منذ البداية - على أنها : (شبهات)، وأن مهمته كشف هذه الشبهات. إنه يصورها لدى أتباعه، لا على أنها آراء اجتهادية لم تحظ بالمقدار اللازم من الصواب، وإنما على أساس أنها شبهات خصوم (آخرين) متآمرين على تدمير (الأنا)؛ ليتم الإيحاء بوجود حالة : غزو. والإيحاء بهذه الحالة لجماهير الأتباع، يؤدي بها إلى الانتقال من السياق الفكري إلى السياق السيكولوجي؛ فتكون في حالة دفاع عن وجودها. وهي حالة تلغي كل مجال لتفعيل العقل؛ في مسائل فكرية، تستلزم الفعالية العقلية، ولو بالحدود الدنيا الموجودة في الجدليات المتواضعة داخل خطاب التقليد.
    تصبح كل مقولات المخالفين مجرد : (شبهات). فهي غير صائبة يقينا؛ حتى قبل نقاشها. وفي المقابل، كل مقولات التقليد صائبة يقينا، بمستوى اليقين بعدم صوابية الآخر. ومع أن مجرد كونها - في التوصيف التقليدي : (شبهات)، يعني - على الأقل - أنها تتضمن إمكانية اشتباه، أي إمكانية وجود للظني، حتى لدى الطرف المقابل، إلا أن الخطاب التقليدي يدمغها بأوصاف الخطأ المطلق؛ مع إقراره - في تناقض مصطلحي واضح - بأنها مجال ظنوني. وهو لا يفعل ذلك لمجرد تخطئة الآخر، وإنما لإدراج كل هذه الرؤى الظنية في سياق اليقيني المطلق داخل خطاب التقليد. فحتى تصبح مقولات الأنا يقينية الصواب، لا بد أن تكون الرؤى المخالفة يقينية الخطأ. ومن هنا، لا يصبح الجدال حول هذه الظنيات ممارسة معرفية، وإنما غزو بمنطق القوة، وبفرضيات اليقين الموهوم. إذن، فحتى عندما يدعو التقليدي للحوار، فهو لا يحاور من منطق الجدل الفكري، بل من منطق إرشاد الآخرين (الضالين !) إلى الصواب، ولهذا كثيرا ما تسمع التقليدي يقول : نحن لا نجادل، أو لا نحاور، إلا من لديه استعداد للاقتناع. والتقليدي هنا، على يقين تام من صوابية كل مقولاته، حتى تفاصيل التفاصيل منها، وعلى الآخر أن يقتنع بالحق الواضح الجلي لديه؛ بمجرد عرضه عليه؛ وإلا فهو معاند للحق الواضح (أوهام اليقين)، ومن هنا يفرق التقليدي بين الجدل الممدوح والجدل المذموم. فالأول : هو الجدل مع من هو مستعد للدخول في منظومة التقليد، ويجادل - ابتداء - بمنطق التقليد، أما الثاني : فهو الجدل الفكري العقلي، الذي يدخل إلى الحوار بذهنية المشاركة في صناعة الحقيقة، وليس في تلقيها جاهزة من أفواه سدنة التقليد.

    محمد بن على المحمود / صحيفة الرياض .

  • #2
    أوهام اليقين في الخطاب التقليدي (2- 2)



    محمد بن علي المحمود

    إذن، حتى يتحقق الانقياد التام من قبل جماهير التقليدية لسدنة خطاب التقليد، وحتى تترسخ مكانتهم كزعامات اجتماعية سلطوية نافذة؛ لا بد أن تغلق الأذهان بإحكام، لا بد أن يتم تعطيل العقل ابتداء؛ بإغلاقه على مقولات من نوع خاص، مقولات (تطويعية) ذات طابع استعبادي، لا يتقن متلقوها غير التنفيذ الحرفي لها ؛ بعدما تتضمخ قسماتهم الخانعة بدلائل الإخبات والاستذلال، لا بد أن يتم تدمير كل خلية عقلية تنبض بتمرد متسائل، أو حتى شبهة تمرد، وكل هذا، من أجل صناعة جوقة الأتباع البائسين بقدر بؤس خطاب التقليد.
    الحجر على الأذهان، شرط أولي، لوجود خطاب التقليد.الخطاب التقليدي لا يستطيع - بسبب التهافت الشديد لمنطق الداخلي، وتأزمه التاريخي في علاقته مع الواقع - أن يحاور الخطابات الأخرى، هو خطاب جبان، كما هو حال الجبان الذي وصفه المتنبي بقوله:

    وإذا ما خلا الجبان بأرض

    طلب الطعن وحده والنزالا

    والخطاب التقليدي يطلب - ليثبت شجاعته! - أن ينفرد بالساحة، وأن يحارب وحده ؛ حيث لا خصوم ولا أعداء ولا تحديات، ولو أنه كان يثق - حقيقة - بقوة منطقه، وصوابية موقفه ؛ لوَقف في مواجهة الآخرين، ولرَضي أن يكون حضورهم بإزاء حضوره ؛ ما دام أنه - كما يدعي! - يحمل سلعة تستطيع المنافسة. ودائما ما تجد السلع التي تفتقد خصائص الجودة الذاتية، تحتاج إلى حماية من خارجها ؛ لتصمد في سوق المنافسة والاختيار. فبدون هذه الحماية الخارجية، لن يقبل عليها المتسوقون، وسيتم تحويلها - حينئذ - إلى (خردة) في أحسن الأحوال، أو (نفايات) في أسوئها، وسيصبح هم المجتمع - بعد ذلك - حماية البيئة الاجتماعية من أضرارها.

    تحطيم العقول من جهة، والسعي لمحاصرة كل مبادرة (عقلانية) لاستصلاحها من جهة أخرى، هما عمليتان تتعمدان فرض الخيار الأوحد. فالعقل المحطم الذي مشت على أشلائه مجنزرات التقليد، غير قادر على ممارسة الاختيار. وتحديد إمكانية الخيار بخيار وحيد يتيم، هو إلغاء مبدئي لحق الاختيار من الأساس. وحين لا يكون ثمة عقل واع قادر على ممارسة الاختيار، ولا موضوع لهذه الممارسة، يجد البائس نفسه رهن الاعتقال الفكري بقيود التقليد، ف (يتوهم!) - نتيجة لذلك - اليقين فيما ليس - هو - يقينا ، أي أنه يعتقل نفسه بالأوهام.

    يتكون العقل الموضوعي - نسبيا - من موازناته البدهية بين تنويعات الواقع الذي يتلقاه عن طريق الحواس. وعندما يكون الواقع فقيرا في تنوعه ؛ فإنه يصنع عقلا هزيلا، أو - على الأصح - يصنع : وهم عقل. فتنويعات الواقع، فضلا عن كونها تخلق مجالات أوسع لصناعة العقل، فهي تدعم نسبية الرؤية، التي هي حضور عقلي مضاد لليقين. فمصادرة تنويعات الواقع، من وقائع وأفكار، يعني أنها الخطوة الأولى التي يقوم بها الخطاب التقليدي للوصول إلى هدفه الاستراتيجي: تحطيم العقل.

    للوصول إلى هذا الهدف الذي يخدم استشراء سلطة خطاب التقليد، يتبنى هذا الخطاب - واعيا أو غير واعٍ - سياسة المنع والحجب، التي تتعمد إلغاء كل مظاهر التنوع في الوقائع والأفكار. ولهذا لم يكن غريبا أن هذا الخطاب يقف دائما في جانب المنع والحجر على العقول، ويحارب كل خطوات المعرفة والانفتاح ؛ حتى أصبح من السهولة بمكان التنبؤ بردود أفعاله تجاه الفتوحات المعرفية التي تؤسس لعالم جديد، عالم غير تقليدي.

    يعرف الجميع مواقف الخطاب التقليدي المعلنة من كل خطوات الانفتاح المعرفي والثقافي، بل من كل خطوات الانفتاح على الآخر، أيا كان هذا الآخر، لا لشيء إلا لأنه سيكون إضافة نوعية تزعزع صروح الأوهام اليقينية التي بنيت عليها أهرام التقليد. ولهذا كان من الطبيعي أن يقف هذا الخطاب متشنجا من الخطوات الأولى لدخول التعليم الحديث للذكور قبل سبعين سنة تقريبا، وأن يقف - بكل صلف - ضد تعليم المرأة، وأن يواجه البدايات الأولى لإنشاء الصحف والمجلات بكثير من الانزعاج، وأن يحرّم - في البداية! - المذياع، وأن يصنف التلفاز بأنه شيطان ؛ ولا تزال بعض جيوب التقليد على هذا الوصف، وأن يحارب الفعاليات الاقتصادية الثقافية ذات الطابع التقدمي، ويسعى إلى إلغائها، وإن لم يستطع! ؛ يمارس الشغب عليها، وأن تكون الفضائيات عدوه الأول في الساحة، ويحاول القضاء عليها ولو بمقصلة الإعدام، وأن يحارب كل تواصل ثقافي مع الآخر، ولو كان في صورة : البعثات العلمية أو افتتاح المدارس الأجنبية، فضلا عن التواصل السياحي، وأن تكون معارض الكتب الموسمية - المتواضعة في انفتاحها - موسما لتشنجاته المرضية التي تكشف عن رهاب مرضي تجاه المعرفة، لن يشفى منه في المستقبل القريب ؛ كما تشي بذلك خطورة الأعراض، وأن يمارس اعتراضا غبيا - غير مبرر - على حوار الأديان. كل هذا، وغيره كثير ؛ مما كان - ولا يزال - هذا الخطاب التقليدي يمارس فيه - من غير وعي - سلسلة فضح الذات.

    من الطبيعي أن يقف الخطاب التقليدي موقفا عدائيا من كل هذه الفعاليات التي يجمعها - في النهاية - أنها آليات انفتاح ذهني، انفتاح صانع للعقل الموضوعي، القادر على فرز اليقينيات من بين يقينيات الأوهام. طبيعي أن يقف هذا الموقف، ولو كنت في موقع هذا الخطاب لمارست الأدوار نفسها، ولسعيت إلى خنق أنفاس المعرفة، ولسعيت - بمقولات تحصينية ذات زخم وجداني - إلى صناعة ذهنية منغلقة، يمكنها أن تتقبل - بجهل - أوهام اليقين، فتدخلها في حيّز : اليقينيات. كنت سأفعل كل هذا ؛ لأن هذا هو الذي سيكفل لي ممارسة أشكال الهيمنة، في صورة سلطة اجتماعية نافذة ؛ وذلك عندما أخاطب الناس بوصفي مصدر يقين قطعي، لا يقبل أي جدال ؛ لأن الانفتاح الذهني للجماهير سيجعل يقينياتي لديهم في خانة : الظنيات، والجماهير لا تضحي بمستقبلها القريب والبعيد إلا بوحي اليقين .

    يتبع v

    .

    التعليق


    • #3
      يدّعي الخطاب التقليدي أن كل هذه الوسائل المعرفية والثقافية، قد أدت إلى تحولات ثقافية سلبية. أي أنه يدعي - بمنطقه - أنها زعزعت اليقينيات الدينية في الجيل الجديد خاصة. ويستدل على ذلك بالتحولات التي طالت موقف الجماهير المؤمنة من كثير من المفردات الدينية ؛ حيث لم تعد - وفق رؤيته - هذه الجماهير تنقاد لأوامر الدين ونواهيه كما كانت قبل هذا الانفتاح الثقافي. ولا شك أنه يقصد أنها لم تعد تنقاد إليه كما كانت تفعل من قبل ؛ يمارس مطابقة بينه وبين الدين ذاته، فمن انقاد له انقاد للدين، ومن تمرد عليه تمرد على الدين؛ كما يزعم! .

      الخطاب التقليدي صادق في ملاحظة هذا التمرد، لكنه تمرد على خطاب التقليد والتبليد، وليس على الدين ذاته، كثيرون - وربما كانوا الأغلبية - كانوا يعاينون كل شيء - حتى تفاصيل الواقع - بعيون خطاب التقليد. والآن، لم يعودوا كما كانوا من قبل ؛ عندما كانوا أسارى خطاب أحادي منغلق. لقد أدركوا أن الدين والواقع أوسع من أن يستوعبهما خطاب كسيح، لا يستطيع أن يقف بالإنسان على عتبات الأمية الدينية والإنسانية ؛ فكيف يستطيع أن يقف بها على قمة طموحاتها في هذين المجالين اللذين يشغلانها منذ بداية تاريخها.

      إن الانفتاح الثقافي والإعلامي الذي حاربه خطاب التقليد - ولا يزال - قد أدى إلى فرز تلقائي - نسبي بطبيعة الحال - في أكثر المجالات أهمية للإنسان العربي أو المسلم، الذي كان اسير هذا الخطاب ؛ بحيث أصبح يعي حدود اليقين، باكتشافه الكم الهائل من أوهام اليقين. التمرد الذهني الذي أورثه هذا الانفتاح كان على أوهام اليقين في الدين والواقع، ولم يكن على صريح اليقين فيهما ؛ كما يزعم - بغية إثارة الغوغائيين - خطاب التقليد والتبليد.

      نلاحظ - جميعا - أن هذا الانفتاح الثقافي والإعلامي، وخاصة الإعلام الجماهيري، المتمثل في الفضائيات، قد ساعد على دعم اليقينيات الدينية. فقد أصبحت الخرافات التي تتلبس العلاقة بين المسلم وربه مكشوفة، وزادت - وإن لم تصل الحد الأدنى المأمول - جرعة العقلانية في هذا المجال. ومستوى الوعي بأركان الدين من صلاة وصوم وزكاة وحج، قد زاد، وأصبحت جماهير المصلين تملأ الميادين المحيطة بمساجد في أحياء عشوائية، لم تكن - من قبل - تدرك مكانة هذه الشعيرة : الصلاة، في الدين. أصبحت الجماهير - نسبيا - أكثر وعيا بدينها، وأصبح الدين حاضرا - أكثر مما كان على الأقل - في سلوكياتها القولية والفعلية. كما أصبحت كثير من الجماهير التي لم تكن على وعي تام بالمحرمات الأساسية اليقينية في الدين تستحضر هذه المحرمات، وتدرك - وإن لم تلتزم بها تماما - أنها محرمات، يجب الإقلاع عنها بالتوبة ؛ مهما تراخت هذه التوبة، وطال أمد انتظارها. كما أصبحت الجماهير أكثر وعيا في مجلات الحياة، من صحة وأنظمة وقوانين واقتصاد وسياسة. فهذا الإعلام المرئي بطبيعته الجماهيرية، أدخل كثيرا من أساسيات المعرفة في هذه المجالات إلى الوعي الجماهيري، فأصبحت حتى جماهير الأميين، الذين لم يعرفوا القراءة والكتابة، على وعي هو - على أي حال - أحسن من مرحلة ما قبل الإعلام الجماهيري .

      هذا يعني أن يقينيات الدين وأساسياته لم تمس، بل زاد مستوى حضورها. أي أن التمرد كان على أوهام اليقين وليس على اليقين، إذن، ما الذي يزعج الخطاب التقليدي من كل هذا ؟، الذي يزعجه - بطبيعة الحال - أن هناك ترسانة من أوهام اليقين جرى تفجيرها بقوة هذا الانفتاح الثقافي. نعم بقيت، وترسخت اليقينيات والأساسيات الدينية. ولكن أوهام اليقين التي يقتات عليها الخطاب التقليدي تهاوت، وأصبح المسلم يدرك أن باستطاعته أن يكون مسلما صالحا ؛ دون أن يكون أسير الخطاب التقليدي، بل ربما أدرك - في حال ارتقائه في درجات الوعي - أنه لكي يكون مسلما صالحا، محبا للآخرين، فلا بد أن يخرج من عتمة كهوف التقليد، إلى حيث تشرق مبادئ الدين الحنيف.

      تهاوت أوهام اليقين الكاذب، وأصبح الفردي الجماهيري - فضلا عن غيره - يسمع وجهات النظر التي تعبر عن آراء الباحثين، ذوي التنوع المنهجي والثراء المعرفي، بحيث أدرك أنه كان يمارس عليه تعتيم متعمد إزاء شخصيات وتواريخ وأزمنة كان يزرع في وعيه أنها استثناء، الآن، تهاوت الأساطير التي نسجت حول العصور الذهبية، فأصبح يعي تشابه العصور، وأن ليس ثمة عصر مقدس، وأصبح يعي أن البشر متشابهون، وأن ليس ثمة نزاهة كاملة لمجموعة بشرية ؛ مهما تلبست أو لامست المقدس، كما أدرك أن ذهنية التحريم ذات الطابع الهوسي التي راجت جماهيريا، لا تعبر إلا عن تأزماتها الخاصة ؛ عندما تحاصر الواقع بالتحريم، وأنها ليست تعبيرا يقينيا عن صريح الدين.

      لقد أصبح واضحا أن المسلمين اتفقوا على الأساسيات اليقينية في دينهم، فكلهم يؤمن بالله ورسوله وكتبه واليوم الآخر والقدر، يؤمن بفرضية الصلاة والزكاة والصوم والحج، وتحريم المحرمات القطعية من قتل وعقوق وربا وزنى وكذب وخمر ..إلخ، ولكنه ليس - بالضرورة - على يقين من تحريم الموسيقى، ولا تحريم محبة غير المسلمين والإحسان إلى كل إنسان، ولا تحريم البحث الحر في العلوم ...إلخ. كما أنه لم يعد على يقين من التفسير التقليدي للتاريخ الإسلامي، ولا الترتيب العقائدي الذي نسج على أساس إحداثيات ذلك التاريخ ؛ على افتراض حدوثها.

      نزعت قشور الأسطرة التي تم تلبيسها للأشخاص والأزمنة، بل وحتى للأشياء، الحصانة الموهومة - اليقينية وهما، تم فضحها، و وُضِعَ الجميع على طاولة التشريح العلمي، بمن فيهم الرموز التي تترس بها الطوائف والمذاهب في مفاصلاتها التمايزية، تنزيه السابقين - لمجرد الحضور في زمن ما - عن الطمع والجشع والحقد والحسد والتعصب والجهل وضيق الأفق، لم يعد - بعد هذا الانفتاح الثقافي والإعلامي - موجودا، بل أصبح يقابل بالابتسامات الساخرة التي تشفق على التقليدي المتخم بأوهام اليقين الكاذب، إنها أوهام يقين تهاوت ؛ فسحبت الخطاب التقليدي إلى القاع، ولم يعد له من سلطان على العقول. وبهذا تلاشى سلطانه على سلوكيات الأفراد.

      التقليدي يحاول أن يعود بالزمن إلى الوراء. يحاول أن يمنع ويحجب ويصادر كل أنواع الثقافي المغاير له. ولكن هيهات. إن جبال أوهام اليقين الجليدية قد تعرضت لحرارة لم تعتد عليها من قبل، لقد أحدث ثقب الأوزون الانفتاحي خللا في بيئة التقليد الجامدة، وسطعت شمس المعرفة بأشعتها الحارقة عليه. لقد بدأت جبال أوهام اليقين بالذوبان رويدا رويدا، وعما قليل، ستتلاشى جبال الأوهام الجليدية، ولن يبقى منها إلا ذكريات عابرة، تحكي شيئا من سيرة ذلك الزمن التقليدي الكسيح .

      محمد بن على المحمود / صحيفة الرياض الخميس 13ذو الحجة 1429هـ

      التعليق

      KJA_adsense_ad6

      Collapse
      جاري التنفيذ...
      X