كان ببلاد الشام منذ زمن شيخ جليل جمع الله له العلم والحكمة
كان يخطب الجمعة بمسجد في قريته فيجتمع له الناس يسمعون
جميل مواعظه وينيرون بصائرهم بمصابيح علمه و أدبه
وكان لباس عامة أهل هذا البلد سراويل فضفاضة وقمصان
واسعة بيضاء اللون وعمامات ملونة جميلة يتفننون في لفها
وتزينيها
فإذا أرادوا التوجه إلى مساجدهم أو مجالس كبرائهم أو أعراسهم
أضافوا فوق تلك الملابس البيضاء سروالا وقميصا بلا أكمام
أسودي اللون
ذات جمعة كان ذلك الشيخ يلقى خطبته فوق المنبر وقد تعلقت به
الأبصار و أصاخت إليه الأسماع . وبينما هو منهمك في إلقاء
الخطبة انحلت عقدة سرواله الأسود فسقط
....
انتبه الرجل لذلك فرفع سرواله وعقده وواصل خطبته
خرج القوم من المسجد وكان بينهم _ كشأن كل قوم _ بعض
ضعيفي العقول فأخذوا يتندرون بسقوط السروال ويتناقلون ذلك
الخبر
لم يقف الأمر عند حد الفكاهة والتندر بل وجد الحاقدون وأعداء كل
فضيلة فرصة سانحة فأخذوا
ون ويغمزون . فقال نفر منهم أن الشيخ تعمد إسقاط سرواله سخرية من عمدة القرية الجالس
بالصف الأول
وقال آخرون بل هو شحيح شديد الشح يرتدى سروالا قديما
تهرأت عقدته فسقط
وقال فريق أن الشيخ شديد غليظ يضرب زوجته فقطعت عقدة
السروال إلا قليلا فسقط بعد قليل من ارتدائه
وقالت فئة أن من فعل ذلك هو الكواء لأن الشيخ قد اعتاد ألا
يعطيه أجره
وصلت تلك الروايات إلى مسامع الشيخ فاستاء لذلك لكنه أغضى
عنهم لعلمه بضعف عقولهم وترفعا عن الخوض في سقط الكلام
لبث الشيخ فترة متذرعا بالصبر والتغاضي علَ الأيام تفعل فعلها
فيُنسى الأمر ويلتفت الناس إلى ما ينفعهم . لكن مر وقت طويل
ولا هم لذلك الجمع الحاقد سوى نشر تلك الحكاية ومضغها ليلا
ونهارا
نفذ صبر الشيخ ذات يوم فغادر قريته التي يحبها إلى قرية أخرى
بعيدة فأستقبله أهلها استقبالا رائعا وقدموه ليكون إمامهم وصاروا
يتناقلون كلماته بكثير من الإجلال والاحترام








التعليق