
عبدالله العييدي
مدخل:
"الأمل الكبير يولّد خيبة أمل كبيرة" – علي عزّت بيجوفيتش
هل يُمكن أن تتغيّر وجهة نظر في قضيّة ما ترسيخاً لمبدأ أن الفكرة تستنسخ نفسها بأشكال ومواقف
عديدة..!؟ وهل يُمكن أن تكون الفكرة كما يقول عنها مارك توين
" صاحب الفكرة الجديدة هو مجرم حتى يكتب للفكرة النجاح " .. وهل يُمكن لهذه الأفكار أن تُكوّن قوالب فكرية
يتم توجيهها بشكل يُخالف النسيج الفكري للمجتمع ..!؟
أعتقد .. وبعد تجربة عميقة في "منتديات عديدة"، وبعد أن طرحت ذات مقال عن التجارب المثرية في
المنتديات، وطلب تبنّي بعض أقلامها وكُتّابها، أجد أن هذه المنتديات هي حالة من التمرّد على المألوف، وعندما
نقول أنها تمرّد على المألوف .. أعني بذلك أنها تحوي أقلاماً وكُتاباً ربما يكونوا في حالتهم التي لا يرغبون
ظهورها أمام المجتمع الذي يحويهم ويتعامل معهم عن قُرب، بماهيتهم الحقيقية وشخوصهم المعروفة، وهذه
الرتابة والكلاسيكية تورث بعض "الصنمية" في الشخصية، وربما يجد هؤلاء "الحريّة" والتمرّد اللحظي الذي
لا يمر من خلال فلاتر "النقد السلبي"، وهذه اللحظات لها نشوتها وانتشاؤها، والسبب .. أنها لا تؤطر بالإطار
المعرفي السابق عن الكاتب، وفي هذه الحالة يُمكن للكاتب أن يُمارس ما يُريد مع من لا يُريد، ويكتب ما بين
السطور، مالم يستطع كتابته فوق السطور، وهذا يبقي في إطار التنفيس دون رقيب ذاتي على الأقل، والرقيب
الذاتي هو المجتمع الذي حدّد ماهية هذا الكاتب أو ذاك.
لا نختلف بأن هذه المنتديات، أصبحت وسيلة لمن تتعدّد أهدافه، ومدينة من لا وطن له –مهنياً على الأقل- أو
يُمكن لنا إعتبارها لحظات التمرّد الفكري دون رقيب يُقيّد الفكرة، أو يؤطرها بصبغة وهوية الكاتب، وهذا مسوغ
في حالات معيّنة لا تندرج ضمن "المهنية" بالتأكيد؛ بل تبقى مراهقة كتابية لا تتعدى تقييم من لا يمتلك أداوت
هذا التقييم .. وفاقد الشئ لا يٌعطيه ..!!!
التحوّل المؤسساتي لبعض "المنتديات والصحف الإلكترونية" هو في الواقع محاولة لشرعنة وتأطير هذه
المواقع، بطريقة تجعلها محل مسؤولية أمام الأنظمة، في حال التطاول على شخصيات اعتبارية، والتناول لقضايا
لا يُمكن أن يتم مناقشتها أمام العامة، وإن كانت المدونات ومواقع التواصل الإجتماعي قد أفرزت هذه النوعية من
التعاطي مع قضايا حساسة جداً، فهذا لا يُعطيها الحق في مناقشتها بشكل سطحي، ومع أشخاص لا يُمكن لهم أن
يتعاطوا بحرفية مع قضايا تُهيّج الشارع العام، أو تخلق نوع من البلبلة المجتمعية دون تثبّت .. وأهم
مصادرها .. يقولون .. أو سمعنا .. فينطبق عليها حديث المصطفى عليه الصلاة والسلام .. "كفى بالمرء كذباً
أن يحدث بكل ما سمع"
يقول .. أوسكار وايلد .." تتنازع حياتنا مأساتان: الأولى، في عدم إرضاء رغباتنا، والثانية في إرضائها" وبين
هذين الحدّين نُمارس جدلية الرغبة، فيما نكتبه أمام الجميع بصفتنا وشخصيتنا المعروفة، وفيما نكتبه بين
الجميع بصفتنا وشخصيتنا الإفتراضية، هُناك الحدود التي رسمها لنا العُرف والتقاليد والمجتمع، وفي الطرف
المخفي نتمرّد عن هذا كُلّه ونُمارس غواية الكتابة والمشي فوق الجدران، وإستحضار الأمن المجتمعي
والشخصي أمام التمرّد الكامل، والرغبة الجامحة في كتابة مالم نكن نستطيعه في حالتنا المكشوفه أمام الجميع،
هذه الحالة يُمكن أن نُطلق عليها –أحياناً- "زيغ الكتابة" أو "جنوح فكري" أو "شطحات غير مسؤولة" وكُل
ذلك يندرج تحت بند اللامسؤولية.
كُنت أتمنى أن تكون هذه المواقع رافداً مهماً للحركة الثقافية والتنموية، والأكثر من ذلك ترسيخ مبدأ الحوار
والنقاش وتقبّل الأفكار، حتى وإن كانت لا تستقيم مع المنهج المُتعارف عليه، على الأقل سيكون لدينا منهج نتكئ
عليه، ومسار يُنتَهج، بعيداً عن العيش في هامش الأفكار، وتصدير التأزيم الفكري بين الشباب الناشئ.
نحتاج حقيقةً .. أن يكون هُناك نوع من التأطير القانوني لمثل هذه المواقع، بشكل يضمن عدم روغانها عن
جادة الصواب، وهذه الطُرق لا تتأتى إلا من خلال إيجاد منظومة مسؤولة في هذه الأماكن، يتم اختيارها بطريقة
حرفية بعيداً عن المحسوبية، أو المدّة التي تواجد فيها هذا الشخص أو ذاك، وتُلزَم بالمحاسبة أمام الهيئات
المختصّة بتنظيم عمل هذه المواقع، من خلال إدارة هذه المنتديات ومحاسبتها عمّا يتم تداوله في ساحاتها،
فالحرية مسؤولية .. قبل أن تكون هواية أو غواية.
