مع أن التربية تتناول المعارف والقيم والمهارات، فكثيراً ما يختصرها المربّون بعلوم
يلقّنونها، ثم يختبرون بها تلاميذهم!
ولا نريد هنا أن نحصر مفهوم "المربّي" بذلك الإنسان الذي كانت التربية مهنته،
كالمعلّمين والمدرّسين في مختلف مراحل الدراسة من الحضانة والروضة حتى الدراسات
الجامعية والعليا. فإن هناك مربّين آخرين لا يقلّ دور بعضهم في التربية عن دور
المعلّمين. فالأمهات والآباء، ثم خطباء الجمعة والوعاظ، ثم الإعلاميّون في الصحافة
والإذاعة والتلفاز.. كل هؤلاء يسهمون في العملية التربوية، كلٌّ حسب موقعه.
وكلمة "التلاميذ" كذلك لا تقتصر إذاً على أولئك الذين تحويهم غرفة الصف، وساحة
المدرسة، بل إن أولادنا جميعاً تلاميذ في بيوتنا، ثم إننا وأبناءنا تلاميذ أمام الخطباء
والوعّاظ، وبدرجة ما، نحن كذلك تلاميذ أمام رجال الإعلام الذين يسوّقون الأخبار
والتحليلات والتمثيليات بما يتضمّن ذلك كله من توجيهات وقيم.
و"الإنسان - التلميذ" كما يتأثر بكلام أستاذه (معلّمه وأبيه وشيخه...) يتأثر بسلوكه
وهيئته وحاله، بل إن تأثره بالحال، كثيراً ما يفوق تأثره بالمقال.
وأعظم المربين، على الإطلاق هم الرسل الكرام، عليهم الصلاة والسلام، لذلك جعلهم الله
في درجات من الكمال يصلُحون بها أن يكونوا قدوات لأقوامهم، بل كانوا كذلك يؤكدون
أنهم لا يبتغون أجراً على عملهم، إنما يطلبون الأجر من الله. وهذا التأكيد نفسه إظهار
لعظيم التزامهم بما يدعون إليه. (( قد كانت لكم أسوةٌ حسنةٌ في إبراهيم والذين
معه )) ونبي الله شعيب يقول لقومه: (( وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه. إنْ أريدُ
إلا الإصلاح ما استطعت )). وجاء على ألسنة عدد من الأنبياء، في القرآن الكريم، قولهم
لأقوامهم: (( وما أسألكم عليه من أجر. إن أجري إلا على رب العالمين ))
ولما كان رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم خاتَمَ النبيين، فقد كان بسَمْته وحاله
ومسلكه وخشوعه وحكمته وشجاعته وصبره وحلمه، أعظم أسوة لمن طلب الحق
والصواب والترقي في معارج الكمال: (( لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنةٌ لمن كان
يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا ً)).
ومن شأن الناس، أنهم إذا خالطوا الرجل العظيم عن قرب، كشفوا فيه بعض جوانب
النقص والضعف التي تعتري الإنسان، فضعُفت هيبته ومكانته في نفوسهم إلا رسول الله
صلى الله عليه وسلم، فقد كان مَن رآه بديهة هابَه، ومن خالطَه عِشرةً أحبّه، وكان أقربُ
الناس إليه كخديجة وعائشة، وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وأنس بن مالك وأبي
هريرة أكثرَهم حبّاً له وتعظيماً وتوقيراً واقتداءً.
وقد أدرك الحكماء أهمية القدوة في شخص المربّي، فكثُرت في ذلك أقوالهم. يقول
الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود: "من كان كلامه لا يوافق فعله فإنما يوبّخ نفسه"
ويقول الإمام الشافعي: موصياً رجلاً كان يؤدب أولاد هارون الرشيد : "ليكنْ ما تبدأ به
من إصلاح أولاد أمير المؤمنين إصلاحُ نفسك، فإنما أعيُنهم معقودة بعينك. فالحَسَنُ
عندهم ما تستحسِنُه، والقبيح عندهم ما تكرهه!".
ويقول مالك بن دينار: " العالم إذا لم يعمل بعمله زلَّتْ موعظته عن القلب كما يزلُّ الماء
عن الصفا" والصفا: الحجر الأملس.
ويقول الشاعر:
وينشـأ ناشئ الفتيـان منّا على ما كـان عوّده أبـوه
ويقول آخر، مخاطباً المربّي:
ابدأ بنفسك فانْهَها عن غَيِّها فإذا انتهتْ عنه فأنت حكيمُ
وقد حفظ التراث التربوي الإسلامي الحكمة القائلة: "حال رجلٍ في ألف رجل، أقوى من
قول رجلٍ في رجُل"
فهذه الأقوال جميعاً تؤكّد مسألتين، تكمل إحداهما الأخرى:
الأولى أن الإنسان يتأثر بمسالك الذين ربّوه أكثر مما يتأثر بأقوالهم.
الثانية أن المربي الذي لا يلتزم بما يدعو إليه الآخرين، يكون أثره فيهم ضعيفاً، ولذلك
فإن عليه أن يبدأ بنفسه، فيما يقوم بغرسه من القيم.
المربي الناجح يتفاعل مع تلامذته، فيتفاعلون معه، ويتودد إليهم فيتوددون إليه، وقد
يصل الأمر بهم إلى درجة الاستهواء، حيث يقلّدونه ويتقمّصون شخصيته، ويتصرفون
مثله، بشعور وغير شعور، وقد يعملون على أن تكون مِشيتهم كمِشيته، وضحكتهم
كضحكته. ومن باب أولى أنهم يتقبّلون توجيهاته، وينفّذون أوامره. وبذلك يتمكن من
تحقيق الأهداف التربوية فيهم بأسرع ما يكون، وبأعمق ما يكون. لكن هذا الأمر، بقدر
ما يكون عظيم الفائدة، يمكن أن يكون عظيم الضرر. فإذا كان سلوكه وحاله على خير ما
يرام، فقد أمكنه أن يُكسِب تلامذته ذلك. أما إذا كان على غير ذلك فقد يجرّهم إلى البلاء
جرّاً، ولن يحلّ المشكلة أن يكون كلامه معهم سديداً، لأنهم يتأثرون بحاله أكثر مما
يتأثرون بكلامه!.
وصحيح أن معظم المربين لا يَصِلُون بتلامذتهم إلى درجة الاستهواء هذه، لكنهم على كل
حال يؤثّرون فيهم بسلوكهم أولاً وثانياً، ويؤثّرون فيهم بكلامهم ثالثاً، ويعظُم أثر السلوك
والقول، كلما زاد حبهم لمربّيهم وثقتُهم به، وكلما كان السلوك متطابقاً مع القول.
ويكفي أن نضرب مثلاً بسلوكين يمكن أن يظهرا في المربي، أحدهما سلوك طيب حسن،
والآخر ليس كذلك.
يلقّنونها، ثم يختبرون بها تلاميذهم!
ولا نريد هنا أن نحصر مفهوم "المربّي" بذلك الإنسان الذي كانت التربية مهنته،
كالمعلّمين والمدرّسين في مختلف مراحل الدراسة من الحضانة والروضة حتى الدراسات
الجامعية والعليا. فإن هناك مربّين آخرين لا يقلّ دور بعضهم في التربية عن دور
المعلّمين. فالأمهات والآباء، ثم خطباء الجمعة والوعاظ، ثم الإعلاميّون في الصحافة
والإذاعة والتلفاز.. كل هؤلاء يسهمون في العملية التربوية، كلٌّ حسب موقعه.
وكلمة "التلاميذ" كذلك لا تقتصر إذاً على أولئك الذين تحويهم غرفة الصف، وساحة
المدرسة، بل إن أولادنا جميعاً تلاميذ في بيوتنا، ثم إننا وأبناءنا تلاميذ أمام الخطباء
والوعّاظ، وبدرجة ما، نحن كذلك تلاميذ أمام رجال الإعلام الذين يسوّقون الأخبار
والتحليلات والتمثيليات بما يتضمّن ذلك كله من توجيهات وقيم.
و"الإنسان - التلميذ" كما يتأثر بكلام أستاذه (معلّمه وأبيه وشيخه...) يتأثر بسلوكه
وهيئته وحاله، بل إن تأثره بالحال، كثيراً ما يفوق تأثره بالمقال.
وأعظم المربين، على الإطلاق هم الرسل الكرام، عليهم الصلاة والسلام، لذلك جعلهم الله
في درجات من الكمال يصلُحون بها أن يكونوا قدوات لأقوامهم، بل كانوا كذلك يؤكدون
أنهم لا يبتغون أجراً على عملهم، إنما يطلبون الأجر من الله. وهذا التأكيد نفسه إظهار
لعظيم التزامهم بما يدعون إليه. (( قد كانت لكم أسوةٌ حسنةٌ في إبراهيم والذين
معه )) ونبي الله شعيب يقول لقومه: (( وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه. إنْ أريدُ
إلا الإصلاح ما استطعت )). وجاء على ألسنة عدد من الأنبياء، في القرآن الكريم، قولهم
لأقوامهم: (( وما أسألكم عليه من أجر. إن أجري إلا على رب العالمين ))
ولما كان رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم خاتَمَ النبيين، فقد كان بسَمْته وحاله
ومسلكه وخشوعه وحكمته وشجاعته وصبره وحلمه، أعظم أسوة لمن طلب الحق
والصواب والترقي في معارج الكمال: (( لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنةٌ لمن كان
يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا ً)).
ومن شأن الناس، أنهم إذا خالطوا الرجل العظيم عن قرب، كشفوا فيه بعض جوانب
النقص والضعف التي تعتري الإنسان، فضعُفت هيبته ومكانته في نفوسهم إلا رسول الله
صلى الله عليه وسلم، فقد كان مَن رآه بديهة هابَه، ومن خالطَه عِشرةً أحبّه، وكان أقربُ
الناس إليه كخديجة وعائشة، وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وأنس بن مالك وأبي
هريرة أكثرَهم حبّاً له وتعظيماً وتوقيراً واقتداءً.
وقد أدرك الحكماء أهمية القدوة في شخص المربّي، فكثُرت في ذلك أقوالهم. يقول
الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود: "من كان كلامه لا يوافق فعله فإنما يوبّخ نفسه"
ويقول الإمام الشافعي: موصياً رجلاً كان يؤدب أولاد هارون الرشيد : "ليكنْ ما تبدأ به
من إصلاح أولاد أمير المؤمنين إصلاحُ نفسك، فإنما أعيُنهم معقودة بعينك. فالحَسَنُ
عندهم ما تستحسِنُه، والقبيح عندهم ما تكرهه!".
ويقول مالك بن دينار: " العالم إذا لم يعمل بعمله زلَّتْ موعظته عن القلب كما يزلُّ الماء
عن الصفا" والصفا: الحجر الأملس.
ويقول الشاعر:
وينشـأ ناشئ الفتيـان منّا على ما كـان عوّده أبـوه
ويقول آخر، مخاطباً المربّي:
ابدأ بنفسك فانْهَها عن غَيِّها فإذا انتهتْ عنه فأنت حكيمُ
وقد حفظ التراث التربوي الإسلامي الحكمة القائلة: "حال رجلٍ في ألف رجل، أقوى من
قول رجلٍ في رجُل"
فهذه الأقوال جميعاً تؤكّد مسألتين، تكمل إحداهما الأخرى:
الأولى أن الإنسان يتأثر بمسالك الذين ربّوه أكثر مما يتأثر بأقوالهم.
الثانية أن المربي الذي لا يلتزم بما يدعو إليه الآخرين، يكون أثره فيهم ضعيفاً، ولذلك
فإن عليه أن يبدأ بنفسه، فيما يقوم بغرسه من القيم.
المربي الناجح يتفاعل مع تلامذته، فيتفاعلون معه، ويتودد إليهم فيتوددون إليه، وقد
يصل الأمر بهم إلى درجة الاستهواء، حيث يقلّدونه ويتقمّصون شخصيته، ويتصرفون
مثله، بشعور وغير شعور، وقد يعملون على أن تكون مِشيتهم كمِشيته، وضحكتهم
كضحكته. ومن باب أولى أنهم يتقبّلون توجيهاته، وينفّذون أوامره. وبذلك يتمكن من
تحقيق الأهداف التربوية فيهم بأسرع ما يكون، وبأعمق ما يكون. لكن هذا الأمر، بقدر
ما يكون عظيم الفائدة، يمكن أن يكون عظيم الضرر. فإذا كان سلوكه وحاله على خير ما
يرام، فقد أمكنه أن يُكسِب تلامذته ذلك. أما إذا كان على غير ذلك فقد يجرّهم إلى البلاء
جرّاً، ولن يحلّ المشكلة أن يكون كلامه معهم سديداً، لأنهم يتأثرون بحاله أكثر مما
يتأثرون بكلامه!.
وصحيح أن معظم المربين لا يَصِلُون بتلامذتهم إلى درجة الاستهواء هذه، لكنهم على كل
حال يؤثّرون فيهم بسلوكهم أولاً وثانياً، ويؤثّرون فيهم بكلامهم ثالثاً، ويعظُم أثر السلوك
والقول، كلما زاد حبهم لمربّيهم وثقتُهم به، وكلما كان السلوك متطابقاً مع القول.
ويكفي أن نضرب مثلاً بسلوكين يمكن أن يظهرا في المربي، أحدهما سلوك طيب حسن،
والآخر ليس كذلك.
يتبع.......



التعليق