للتصفح بواسطة الأجهزة الكفية

عرض النسخة المفصلة : من أخبرك دوائر الألم والحب؟


Ghaleb Sahary
11-20-2008, 09:11 AM
أتأمل العكاز، وهو يلامس أسفلت الطريق، يحمل آلامي.. أحرك ساقي ببطء.. أحاول أن أمر من بين السيارات المتكدسة أمام معمل التحاليل. أصعد السلم، الألم ينتشر في الساق كلها.. أدفع باب المعمل، أكاد أنكفيء على وجهي.. تنزلق العصا من فوق السيراميك.. أجد يدًا تسندني. ابتسمت، هززت رأسي، لم أستطع أن أتكلم، لساني ملتصق بالحلق.
قدمت إيصال إعادة فحص العينة إلى الموظف المختص. جلست أنظر إلى تكوينات الظلال الساقطة على سقف المعمل، وتدرج اللون الأبيض والأسود. لم أحسب كم مر من الوقت وأنا أسرح في تشكيلات الظلال المتداخلة.
نادى علي الموظف المختص، أعطاني - ببرود - نتيجة إعادة فحص العينة. شعرت برعشة تسري في أوصالي، استندت على الحائط، وقفت أقرأ النتيجة. وجدت تقرير الفحص يؤكد ما انتهى إليه التحليل الأولي.
أركب سيارتي الصغيرة.. أضع العكاز على الكنبة الخلفية.. أحمل ساقي اليمنى.. أضبطها على دواسة البنزين.. أستخدم وجه قدمي لاستحالة رفع ساقي. مهما شعرت من ألم لزحمة الطريق واستخدام قدمي كثيرًا، لا أسأم.
رغم ما بي أسير على "كوبري قصر النيل" متجهًا إلى العمل أتأمل مياه النيل، الناس.. يحزنني طول المدة التي أستغرقها في المشي لبطء خطواتي.. أتذكر خطواتي السريعة - السابقة - والوقت القصير للوصول إلى مقر العمل.
يواجهني استغراب بعض الزملاء من اتكائي على العصا، أردد مع هزهزة رأسي:
- الحمد لله، التهاب بسيط وهشاشة.
أدخل إلى مكتبي.. أجلس على الأريكة لصعوبة القعود على كرسي المكتب.. أفرد ساقي اليمنى.
لا أبرح مكاني إلا في الساعة الرابعة، لم آخذ أجازة لاحتياج العمل لوجودي، لم آلف الراحة والاستسلام.
يرن الهاتف المحمول، أجد نمرة "مها" - مرة أخرى - أضغط زر الرد، أقول بفتور:

- خير ..
يأتيني صوتها المميز بنبرات منزعجة:
- ألف سلامة. ما بك؟
- من أخبرك؟
- لمحتك بالمصادفة فوق كوبري قصر النيل.
- تعب بعض الشيء، لكن الحمد لله.
- ما هي الحكاية؟ أنا قلقة عليك.. أرجوك طمئني.
- لا عليك.
- أريد مقابلتك.
- ألم ينته كل شيء بيننا؟
- كدت أجن عندما رأيتك تسير بصعوبة. أنت..
- لا أحب كلمات العطف.
- لا أتصور لك مكروهًا.. أنت حبيبي.
- حبيبك.. لا تتركيه وحيدًا.
- كانت ظروفًا ولكن الآن الأمر مختلف.. لن أتركك أبدًا..
- ظروفي صعبة.. لا أقوى على المجادلة.. لا أنكر أني مازلت أحبك، لكن..
- أرجوك. احذف لكن...
- أنا في العمل، سأتصل بك فيما بعد.
قبل أن أركب سيارتي يرن الهاتف المحمول "مها" - للمرة الثانية - في يوم واحد؟! .. أنظر في الشاشة أجد نمرة مقرر "لجنة النشر":
- بروفة "نهار الحلم" انتهت.
- خبر جميل.
- متى ستحضر لمراجعتها؟
- في الغد إن شاء الله.
اتصال "مها" جعلني أتفاءل نوعًا ما. أمازالت تحبني رغم شهور البعاد، أكنت أنتظر هاتفها؟ مشاعر متضاربة تستعر بقلبي المحب. بالفعل أوحشتني، لن أتردد.. سأتصل بها.
- مها، سأنتظرك في مكاننا.
لا أعرف ما حدث لي؟ ألم ساقي اليمني اختفى فجأة. أتمني أن أصل قبل مجيئها، أنتظرها في ظلال شجرتنا.
السيارات تسير ببطء السلحفاة. أفتح الراديو. أستمع إلى أغنية حسين الجسمي: "بحبك وحشتيني.. بحبك وأنت نور عيني.. دا وأنتِ مطلعه عيني.. بحبكِ موت"
أترك سيارتي بالقرب من "كازينو النهر".. أجلس بجوار شجرتنا - الحبيبة - أرقب الذاهب والغادي، أنتظر طلة وجهها وعينيها المتيم بهما.. أشعر بخطوات رقيقة ورائي، أنامل تربت على كتفي. قلت أكيد مها.
- أوحشتني..
- أوحشتيني..
ها هي مها تهبط من "تاكسي" في الناحية المقابلة من كورنيش النيل، ألوح بيدي كي تأخذ حذرها من السيارات والأتوبيسات التي تمرق في نهر الشارع.
أتكيء بيدي اليسرى على مرفقها الأيمن .. نوقف "تاكسي".. تجلس بجواري في الكنبة الخلفية.
لا أترك أناملها الرقيقة إلا عند النزول أمام مبنى "الهيئة العامة للكتاب".
دخلنا إلى إدارة النشر، جلست أراجع بروفة قصص "نهار الحلم".. تجلس مها بالقرب مني، أقرأ ورقة، ورقة. لم أجد إلا أخطاء طفيفة قمت بتحديدها، وسلمت البروفة إلى عماد.
خرجت أستند علي كتف مها، ابتسم ونكمل المسير على كورنيش النيل. اقترحت عليها أن نركب قاربًا في النيل، وافقت. أمسكت بيدها، هبطنا بهدوء الدرجات الحجرية. لمحت قاربًا شاغرًا، ساعدتني في الركوب.. ساقي اليمنى تؤلمني.. جلست بجواري، حضنت أناملها الرقيقة.. يلفحنا الهواء. نظرت إلى مياه النيل، قلت:
- يا رب.
قالت مها :
- ماذا تقول؟
- أنا خائف..
- لا أحبك أن تنطق هذه الكلمة.
أنت بدأت العلاج، وستشفى إن شاء الله.
- يا رب.
- متى ستذهب إلى جلسة العلاج الجديدة؟
- يوم الاثنين.
- سأذهب معك.
- لا يا مها.. أرجوك.
- أرجوك أنت.. أريد أن أكون بجوارك.
- أنت معي دون أن تحضري. يكفيني أن تطمئني علي بالتليفون.
- مهما قلت.. سأذهب معك.
- لا أريد أن أتعبك.
أعطيت الممرض الدواء.. انتظر الدور.. مها تربت على كتفي، تهمس: - لا تقلق.
- الحمد لله.
أنظر إلى الساعة، أجدها تقترب من التاسعة والنصف، أخذت مها خارج العيادة. قلت لها:
- الوقت تأخر. عليك أن تعودي إلى المنزل حتى لا تنزعج والدتك.
- كيف أتركك.
- هذه المرة.. لن أسمع كلامك. أول ما تصلي طمئنيني.
- إن شاء الله .
ينادي علي الممرض .. أدخل الحجرة التي آخذ فيها جرعة العلاج الكيماوي .. أضع المحمول والساعة على المكتب الذي أجلس لصقه .. أتابع محلول الملح - المضاف له الدواء - وهو ينساب نقطة نقطة من جهاز الوريد، لاحظت أن النقط تتباطأ - على غير المعتاد - بعد ثوان وجدت الوريد ينتفخ، ثم توقفت النقط.
دخل الطبيب من الحجرة المجاورة .. نزع الإبرة من الوريد .. مكث يبحث في اليد الأخرى عن وريد - ظاهر - يدخل فيه الإبرة، بعد معاناة غز الإبرة في الوريد، بدأ المحلول في الانسياب نقطة نقطة...
قبل أن أطفيء الأباجورة رن المحمول، جاءني صوت مها الحاني:
- تصبح على خير ..

ميدل ايست اونلاين
بقلم: وائل وجدي
وائل وجدي ـ القاهرة
* من رواية "ساقي اليمنى"، صدرت بالقاهرة مؤخرًا عن دار شرقيات.

السحاري
11-20-2008, 10:16 AM
مشكور تقبل مرورىتحياتى لك

محمد اليحيى
11-22-2008, 03:57 PM
جميلة جداً وفقك الله

النمري
11-23-2008, 02:40 PM
موضوع غايه في الروعه

تقبل مرووووري ابو ناجم

Ghaleb Sahary
11-23-2008, 05:22 PM
لوت كرمت
السحاري
محمد اليحيى
النمري
شاكر مروركم اللطيف ولكم شكري وتقديري

خليل سحاري
11-23-2008, 07:32 PM
تسلم يمينك أخي أبو ناجم على هذا النقل الجميل .

Ghaleb Sahary
11-23-2008, 08:48 PM
سلمت أخي أبو وائل، لك شكري وتقديري الخاص

ابو تركي
11-23-2008, 08:57 PM
ابو ناجم انت مبدع واختيارك رائع فشكرا لك

Ghaleb Sahary
11-23-2008, 09:00 PM
شاكر مرورك اخي ابو تركي
لك شكري وتقديري